الوجه الذي يجب ان يعود
الفصل الثالث
وقف آدم في مكانه كأن الأرض شدّت قدميه. الصوت الذي سمعه قبل لحظات لم يكن غريبًا عليه، بل كان مألوفًا بطريقة أرعبته أكثر من الظلام نفسه. حاول أن يقنع نفسه أن ما يسمعه مجرد خدعة من عقله، ربما الخوف، ربما الإرهاق… لكن قلبه كان يعرف الحقيقة. ذلك الصوت لم يكن صوت شخص غريب. كان صوت شخص يعرفه جيدًا. صوت شخص دفنه بنفسه منذ عشر سنوات. تحرك الظل في نهاية الممر خطوة إلى الأمام. الضوء الخافت القادم من نافذة مكسورة في آخر الممر سقط قليلًا على ملامحه، لكن لم يكن كافيًا ليرى وجهه بوضوح. ومع ذلك شعر آدم بأن ذلك الظل يبتسم. ابتلع ريقه بصعوبة وقال بصوت خافت متقطع: «هذا… مستحيل.» جاءه الرد ببطء، بنفس الصوت الأجش الذي كان يطارده في ذكرياته: «المستحيل… هو أنك نسيت.» شعر آدم ببرودة تسري في عموده الفقري. عقله بدأ يسترجع صورًا قديمة حاول دفنها منذ سنوات. ليلة باردة… صراخ… دم على الأرض… وصديق يحدق فيه بعينين ممتلئتين بالخوف. خطوة أخرى اقترب بها الظل. هذه المرة كان الضوء أقوى قليلًا. ملامح الوجه بدأت تظهر تدريجيًا، وكأن الماضي نفسه يخرج من الظلام. عيون غائرة، بشرة شاحبة، وجرح قديم يمر على جانب الوجه… نفس الجرح الذي يتذكره آدم جيدًا. همس آدم بالكاد: «يوسف…؟» توقف الظل. ثم خرجت ضحكة قصيرة باردة من فمه. «تذكرت أخيرًا.» شعر آدم بأن صدره يضيق. يوسف كان صديقه الأقرب في الطفولة… لكن تلك الليلة قبل عشر سنوات غيّرت كل شيء. حادثة لم يتحدث عنها أحد، اختفاء مفاجئ، وجنازة بلا تفسير واضح. المدينة كلها قالت إن يوسف مات. وآدم حاول أن يصدق ذلك… لأنه لم يكن مستعدًا لمواجهة الحقيقة. لكن الآن… يوسف كان يقف أمامه. أو شيء يشبهه. تراجع آدم خطوة إلى الخلف دون أن يشعر. الممر أصبح أضيق، والظلام أثقل. قال يوسف بصوت هادئ مخيف: «أخبرني يا آدم… هل جئت لأنك تذكرت؟ أم لأن الرسالة أجبرتك؟» في تلك اللحظة شعر آدم بالورقة في جيبه. الرسالة بلا توقيع. الجملة الوحيدة المكتوبة فيها عادت تتردد في رأسه كصدى بعيد: «لا تعُد قبل أن تتذكّر.» رفع عينيه ببطء نحو يوسف. لكن يوسف لم يكن في مكانه. اختفى. فجأة… صوت باب يُغلق بقوة في الطابق العلوي للمبنى. ارتجّ المكان كله. ثم عاد الصمت… صمت أثقل من قبل. بقي آدم واقفًا في الممر المظلم، أنفاسه متقطعة، وقلبه يدق بعنف. لأنه فهم شيئًا واحدًا فقط في تلك اللحظة: يوسف لم يعد وحده في هذا المبنى… وهناك شخص آخر… يراقبه منذ البداية.