الصمت الذي يتكلم
الفصل الثاني
لم يستطع آدم أن يبعد عينيه عن الرأس الملقى على الأرض. الوقت بدا وكأنه توقّف، والهواء في الغرفة صار أثقل من أن يُتنفَّس. تراجع خطوة أخرى، لكن قدميه اصطدمتا بكرسي قديم فأصدر صريرًا حادًا قطع الصمت. تجمّد مكانه. في تلك اللحظة شعر بأن هناك شيئًا تغيّر في الغرفة… كأن الظلال على الجدران تحرّكت قليلًا. حاول أن يقنع نفسه أن ذلك مجرد خوف، مجرد خيال يولده الظلام، لكن قلبه لم يصدّق. اقترب ببطء من الطاولة. الكتاب الصغير مازال هناك، بلا عنوان، صفحاته صفراء كأنها عاشت سنوات طويلة في هذا المكان. مدّ يده بتردد وفتحه. أول صفحة كانت فارغة… والثانية أيضًا. لكن الصفحة الثالثة جعلت أنفاسه تتوقف. كان مكتوبًا فيها اسمه: آدم. ليس هذا فقط، بل سطر تحته مباشرة: «كنتَ تعلم أنّك ستعود.» ارتجفت يده وأغلق الكتاب بسرعة، كأن الكلمات قد تحرقه لو نظر إليها أكثر. رفع عينيه نحو الرأس مرة أخرى… هذه المرة لاحظ شيئًا لم يره قبل. الوجه لم يكن غريبًا تمامًا. كان مألوفًا بطريقة مخيفة… كأن ذاكرته تعرفه لكنها ترفض أن تتذكر. في تلك اللحظة سمع صوتًا خفيفًا خلفه. التفت بسرعة، لكن الباب كان مازال مفتوحًا والغرفة فارغة. ومع ذلك… كان متأكدًا أنه سمع شيئًا. صوت خطوات. بعيدة في البداية… ثم أقرب. قلبه بدأ يخفق بعنف. خرج من الغرفة ببطء إلى الممر الطويل في الطابق العلوي. الظلام هناك كان أعمق، والهواء أبرد. صمت المكان كان ثقيلًا حتى أنه استطاع سماع دقات قلبه بوضوح. ثم ظهر الصوت مرة أخرى. خطوة… ثم أخرى. لكن هذه المرة لم تكن خلفه… بل فوقه. رفع آدم رأسه ببطء نحو السقف المتشقق. الصوت تكرر مرة أخرى… خطوة خفيفة، ثم احتكاك شيء بالأرض، كأن أحدهم يجر قدميه ببطء فوق الطابق المهجور. تجمّد في مكانه. المنطق يقول إن الطابق العلوي مغلق منذ سنوات، والدرج المؤدي إليه انهار منذ زمن. لم يكن هناك طريق للصعود… على الأقل ليس طريقًا يعرفه. لكن الصوت كان حقيقيًا. صوت خطوة أخرى… ثم صمت طويل. ابتلع آدم ريقه بصعوبة. الهواء صار أبرد فجأة، حتى أن أنفاسه بدأت تظهر خفيفة أمام وجهه. نظر حوله في الممر الطويل. الجدران المتشققة كانت مليئة بالرسومات الغريبة… نفس الرموز، نفس الخطوط المتشابكة كأنها لغة لا يريد أحد أن يفهمها. مدّ يده ولمس أحدها. في اللحظة التي لامست فيها أصابعه الجدار… عاد صوت آخر إلى رأسه. ليس في الغرفة… بل داخل ذاكرته. ضحكة طفل. توقف قلبه لحظة. أغلق عينيه بقوة، وكأن الصوت قد سُكب فجأة في عقله. صورة سريعة مرّت أمامه: ساحة قديمة، طفلان يركضان، وصوت يقول: «لا تنسَ… أنت وعدت.» فتح عينيه بسرعة. الذكريات اختفت كما جاءت، لكنها تركت خلفها شعورًا ثقيلًا في صدره. ثم حدث شيء آخر. الضوء الخافت القادم من الغرفة خلفه بدأ يضعف… حتى اختفى تمامًا. الظلام ابتلع الممر كله. وقف آدم بلا حركة، يحاول أن يسمع أي شيء… أي صوت. وفجأة… من نهاية الممر المظلم، ظهر ظل طويل. لم يتحرك بسرعة، بل ببطء شديد، كأن الظلام نفسه يتشكل على هيئة إنسان. وصوت خافت خرج من هناك… صوت أجش يعرف اسمه جيدًا: «تأخرت كثيرًا يا آدم…» ارتجف جسده. لأنه عرف ذلك الصوت. لكن المشكلة… أن صاحبه مات منذ عشر سنوات.