الفصل 1
عنوان الفصل: ظلال الماضي
في ليلة باردة من ليالي الشتاء، كانت سارة تجلس قرب النافذة الصغيرة في غرفتها الضيقة. المطر كان يهطل بقوة، وصوت الرياح يصفع زجاج النافذة كأنه يصرخ في وجه الليل.
ضمت سارة البطانية حول جسدها النحيل، وهي تراقب قطرات الماء تنزلق على الزجاج ببطء. كانت تشعر أن تلك القطرات تشبه حياتها… تسقط بصمت، بلا أحد يلاحظها.
تنهدت وهي تهمس لنفسها:
"يا ترى… لو كانت أمي عايشة، كان كل شي بيكون غير؟"
لكن قبل أن تكمل أفكارها، دوّى صوت قاسٍ من خارج الغرفة.
"سارةاااا! وينك يا بنت؟!"
ارتجف قلبها فورًا. كان صوت أبيها.
نهضت بسرعة ومسحت دموعها بكمّ ثوبها، ثم خرجت من الغرفة بخطوات مترددة.
وقفت أمامه وهي تخفض رأسها.
– "نعم يابا؟"
نظر إليها ببرود وقال:
– "حضري الشاي… و تعالي عندي."
دخلت المطبخ الصغير، وأشعلت الموقد وهي تشعر أن صدرها يضيق أكثر مع كل لحظة تمر. كانت تعرف أن طلب الشاي ليس إلا بداية لشيء آخر… شيء سيؤلمها.
بعد دقائق، حملت الكوب وذهبت إليه.
– "هذا الشاي."
أخذ الكوب من يدها دون أن ينظر إليها، ثم قال بصوت ثقيل:
– "اسمعي… أنا تعبت من مسؤوليتك."
رفعت سارة رأسها بصدمة.
– "شو قصدك؟"
أجاب ببرود:
– "في واحد طلبك للزواج… وأنا وافقت."
اتسعت عيناها.
– "زواج؟! بس… أنا لسه صغيرة…"
ضرب الطاولة بيده بغضب.
– "ولا كلمة! بكرة بيجي يشوفك… وإذا وافق، بتروحي معه."
شعرت سارة أن الأرض تميد تحت قدميها.
– "يابا… أنا ما بدي أتزوج…"
نظر إليها باحتقار وقال:
– "أنتي ما إلك رأي. وجودك بهالبيت صار عبء."
ثم أخذ رشفة من الشاي وأضاف ببرود:
– "وصدقيني… هذا أحسن لك."
لم تستطع سارة الرد.
وقفت هناك للحظات، ثم عادت إلى غرفتها بخطوات ثقيلة.
جلست قرب النافذة من جديد، والمطر ما زال يهطل.
لكن هذه المرة…
لم تكن قطرات المطر وحدها التي تسقط.
كانت دموعها أيضًا.
وهي لا تعلم أن الغد سيحمل لها سرًا كبيرًا…
سرًا سيقلب حياتها كلها.