فصل4
كان أحمد واقف قدام المراية، مش بيشوف صورته…
كان شايف ٣ سنين بيعدّوا قدامه في ثواني.
بدلة سودة، مكوية زيادة عن اللزوم،
كأنها محاولة فاشلة إنه يبان ثابت.
إيده كانت بتترعش وهو بيقفل الزرار الأخير،
مش من رهبة المناسبة…
من الاسم اللي كان بيتردد في دماغه غصب عنه.
تمارا.
قال لنفسه بصوت واطي:
عادي… خطوبة وخلاص.
خرج من الأوضة وهو لابس وش مش وشه.
قابل صحابه، ضحك، هزار، تعليقات عادية،
وهو ماشي معاهم كأنه واحد منهم،
مش واحد رايح يشوف قلبه وهو بيتسلّم لغيره.
القاعة كانت كبيرة،
أنوارها قوية،
زينة دهب،
وأغاني صوتها عالي… أعلى من اللي أحمد مستحمله.
دخل مع صحابه.
سلّم، رد على مباركات،
وكل خطوة جواه كانت تقيلة.
– يلا نسلم على العريس.
قالها واحد من صحابه بابتسامة.
قرب.
مد إيده.
– مبروك.
العريس شكره بحرارة،
وأحمد كان سامع…
بس مش مركز.
وهو بيلف عشان يمشي،
عينيه راحت لوحدها.
وجات في عينها.
تمارا.
محجبة، حجابها بسيط ومرتب،
فستان خطوبة هادي،
ولا نقطة زيادة،
ولا حركة غلط.
وقف الزمن.
مش مجاز…
هو فعلًا وقف.
القاعة كلها اختفت،
والأغاني سكتت،
والناس بقت بعيدة قوي.
فضلوا باصين لبعض شوية.
ولا كلمة.
ولا إشارة.
٣ سنين اتحطّوا بينهم في النظرة دي.
هي ما بصّتش في الأرض،
ولا هربت بعينيها.
كانت ثابتة…
ثبات واحد اختار.
أحمد حس إن صدره ضيق.
قوي.
لف على أقرب صاحبه وقال بصوت متماسك بالعافية:
– استأذنكم… همشي.
– ليه؟
– تعبان شوية.
طلع برا القاعة.
اتنين من صحابه مشيوا وراه.
الهوا خبط في وشه،
بس ما فاقش.
مشي خطوتين…
ثلاثة…
رجليه خانته.
الدنيا لفت،
الصوت بعد،
والنور طفى.
ووقع.
وقع.
والصوت اختفى.
مش اختفى مرة واحدة،
انسحب بهدوء،
كأن الدنيا قررت تقفله عليه من غير ما تعلن.
أحمد ما حسّش بإيدين صحابه وهي بتشيله،
ولا بصوت حد بيزعق باسمه،
ولا بالعربية وهي بتجري بيه على المستشفى.
جسمه كان هنا…
بس هو كان بعيد قوي.
عقله كان في حتة تانية خالص.
20 / 3
آخر عيد ميلاد لتمارا.
كانوا في الكلية سوا.
مش ماسكين إيدين بعض،
بس ماشيين جنب بعض كأنهم اتخلقوا كده.
ضحكوا في السكشن،
اتريقوا على الدكاترة،
وهو كان بيبصلها كل شوية ويبتسم من غير سبب.
– متبصليش كده، في إيه؟
قالتها وهي بتضحك.
– يومك النهارده… حقي أبص.
خلصوا، ونزلوا.
راحوا مطعم صغير،
طلبت أكلها المفضل،
وهو كان بياكل نص طبقه ونص طبقها.
– أحمد!
– عيد ميلادك… حقي أسرق.
ضحكت.
الضحكة اللي كان بيعيش عشانها.
بعدها سينما.
قعدوا جنب بعض،
الساعة كانت بتعدي وهو مش حاسس.
مش الفيلم اللي شاده…
هي.
طلعوا بعدها الملاهي.
صرخت وهي راكبة،
مسكت في دراعه،
وهو حس إنه أقوى واحد في الدنيا.
لفوا.
اتمشوا.
اتصوروا.
وهي كانت فرحانة.
فرحانة بجد.
وقفوا في شارع هادي،
قالت له وهي بتعدل حجابها:
– أحلى عيد ميلاد عدى عليا.
ابتسم وقال:
– واللي جاي أحلى.
كان واثق.
قوي.
مصدق الوعد.
ولا واحد فيهم كان عارف
إن ده آخر يوم كامل ليهم سوا.
عند تمارا...
القاعة كانت منورة زيادة عن اللزوم.
أنوار، زينة، أغاني عالية،
وتمارا في النص.
محجبة،
فستان خطوبة هادي،
ضحكتها باينة،
وبترقص وسط صحابها وأهلها.
هي فرحانة.
بس مش نفس الفرحة.
عينها بتزوغ كل شوية،
مش بتدور
بتتأكد انه مش موجود.
عدّى أسبوع..
وتمارا راحت الكلية.
دخلت،
سلّمت على صحابها،
ضحكت،
وبعدين عينيها لفت.
أحمد مش موجود.
سألت مرة،
واتنين،
وتلاتة.
ولا حد يعرف عنه حاجة من يوم الخطوبة.
رنّت عليه.
مقفول.
قلبها شد.
قلق هادي…
بس تقيل.
اليوم خلص،
والإحساس ما خلصش.
في البيت،
خطيبها جه،
قعد معاها شوية،
لاحظ سكوتها.
– مالك؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
– شوية إرهاق.
قالتها…
بس عقلها كان في مكان تاني.
تمارا بنت زي أي بنت.
قمورة، محجبة، جميلة.
وكانت بتحب أحمد…
حب حقيقي،
حب عمره ما كان لعب.
بس اللي حصل،
ولا هي نفسها عارفة تفسّره.
بعد ما عدا شهرين.....
نور أبيض دخل عينيه.
فتحها بالعافية.
سقف أبيض.
سرير.
ريحة مستشفى.
صوت جهاز ثابت.
الدكتور قرب وقال بهدوء:
– فوقت.
احمد بص حواليه،
والتشويش مالي دماغه.
– أنا فين؟
– في المستشفى.
سكت شوية،
وبعدين سمع اللي ما كانش مستعد له:
– كنت في غيبوبة…
من 30 / 4
لحد 28 / 5.
الأرقام عدّت،
من غير ما تمسك.
الدكتور كمّل بنفس الهدوء القاسي:
– عندك كانسر.
– وفيه مشاكل في القلب.
– وأول جلسة كيماوي الأسبوع الجاي.
الكلام نزل مرة واحدة.
من غير تمهيد.
أحمد ما ردّش.
بص للسقف.
ثواني…
وبعدين الأفكار بدأت تزاحم.
آخر صورة شافها.
تمارا.
فستان الخطوبة.
النور.
النظرة اللي وقف فيها الزمن
وهو واقف بعيد،
كأنه مش جزء من المشهد.
افتكر آخر مرة شافها.
آخر مرة كانت قريبة.
آخر مرة كان واثق.
وبعدين فكر في أهله.
أمّه لما تعرف كلمة كانسر.
أبوه لما يسمع قلب.
هيعملوا إيه؟
وهيلحقوا يستحملوا اللي جاي؟
رجع يبص للسقف.
النور أبيض…
بس الدنيا كانت غامقة.
رجع البيت بعد شهرين.
مش خروج متشاف…
رجوع واحد جسمه سبق روحه.
باب الشقة اتفتح،
وأمّه كانت واقفة مستنياه.
وشّها شاحب،
بس عينيها مليانة خوف اتحبس.
حضنته.
حضن طويل.
حضن أم حاسة إن ابنها راجع
بس مش زي ما مشي.
– حمد لله على سلامتك يا أحمد…
قالتها وهي بتتحسس دراعه
كأنها بتتأكد إنه حقيقي.
ابتسم.
ابتسامة خفيفة قوي.
وقال اللي قرر يقوله وبس: – شوية تعب في القلب… وعدّى.
قال قلب.
وسكت.
ومن اليوم ده
ابتدت حياته المزدوجة.
قدامهم:
ابن كويس،
بيضحك،
بيقعد،
يحاول يبقى طبيعي.
ومن وراهم:
مستشفى.
تحاليل.
جلسات كيماوي.
وجع بيدخل الوريد
ويسيب أثره في الروح.
كان بيروح لوحده.
يرجع لوحده.
ويتعِب لوحده.
وكل مرة الكيماوي يخلص
ويبقى قاعد على الكرسي مستني دوره
كان الاسم ييجي غصب عنه: تمارا.
كان سامع روايتها.
وعارف كلمتين محفوظين: غصب، أهل، ظروف.
بس الحقيقة؟
مركونة جواه.
مش عايز يفتحها.
مش عايز يسمعها بصوت عالي.
مش عايز يواجه.
عدي يومين..
الموبايل رن
كان قاعد في أوضته.
الدنيا شتا.
والهدوء تقيل.
بص على الشاشة.
تمارا.
قلبه اتحرك…
بس إيده ما اتحركتش.
ما ردّش.
رنّت تاني.
وتالت.
وسكتت.
حط الموبايل جنبه
كأنه خلص الموضوع.
ثواني
والموبايل رن تاني.
رقم غريب.
اتردد.
وبعدين رد.
– ألو؟
– أحمد…؟
صوتها.
هو هو.
سكت شوية
وبعدين قال: – مين؟
– أنا… تمارا.
سكت.
وهي كملت بسرعة:
– لما ما رديتش من رقمي
قولت يمكن مش حابب تكلمني…
بس أنا عرفت إنك فوقت
وعرفت إنك كنت في غيبوبة
قلقت عليك.
– مش من حقك تقلقي.
– وأنا الحمد لله كويس.
– ليه ما رديتش؟
– مفيش… مشغول شوية.
وبعدين… مش إنتي اتخطبتي؟
– أحمد… أنا كنت مغصوبة…
سكت.
وقال بصوت ثابت:
– اللي حصل حصل يا تمارا.
وانتي اتخطبتي… خلاص.
– أنا لسه بحبك…
قالتها بصوت واطي.
سكت.
هو ما ردّش.
كان أوجع قرار أخده
إنه يسكت
ويتركها تحس بالوجع
وهو يعيش الحقيقة لوحده.
أخيرا، قال بصوت هادي لكنه حاسم:
– كل حاجة خلصت يا تمارا… خلصت.
وقفل المكالمة.
الموبايل وقع جنبه.
وهو بيسند راسه على الحيط.
قلبه تقيل…
وكل حاجة جواه ساكتة.
حتى الحب اللي لسه موجود،
كان لازم يتقفل… زي المكالمة بالظبط.
الأيام مشيت.
مش بسرعة…
ولا ببطء.
مشيت زي ما بتمشي لما الواحد يبقى مش مستني حاجة.
أحمد بقى يصحى بدري.
مش علشان عنده هدف،
علشان النوم بقى تقيل.
يقعد على السرير شوية،
يبص في السقف،
وبعدين يقوم.
وشّه شاحب،
جسمه أخف من الأول،
وعينيه دايمًا سهرانة
حتى وهو صاحي.
قدّام أهله
هو تمام.
– فطرت؟
– آه.
– تعبان؟
– لا.
كلام قصير.
واضح.
مفيش مساحة لأسئلة زيادة.
بيخرج من البيت
وهو عارف
إنه رايح مكانين في نفس اليوم: الدنيا…
والمستشفى.
جلسات الكيماوي بقت روتين.
كرسي معروف.
ممرضة بنفس الابتسامة المتعوّدة.
ريحة مطهّرات.
إبر.
وجع ساكت.
يقعد.
يغمض عينه.
ويستنى.
مش بيعيّط.
مش بيشتكي.
بس كل مرة الإبرة تدخل
يحس إنه بيتسحب منه
مش دم…
قوة.
بعد الجلسة
يطلع.
يمشي في الشارع شوية
قبل ما يرجع البيت.
كان بيحب يمشي.
كأن الحركة بتفكره
إنه لسه عايش.
صحابه حاولوا يقربوا.
يسألوا.
يهزروا.
يرجعوا القديم.
هو حاول.
ضحك مرة.
اتنين.
وبعدين بقى يقفل.
مش علشان مش بيحبهم،
علشان هو نفسه
بقى تقيل.
ليلًا
الأوضة كانت أضيق.
يقعد على السرير
والموبايل بعيد.
مش عايز إشعارات.
مش عايز أرقام.
بس الاسم؟
كان بيظهر من غير موبايل.
تمارا.
مش كحب رومانسي بس…
كذكرى.
كحياة كانت ممكن تبقى.
يفتكر حاجات صغيرة: صوتها وهي بتضحك.
طريقة تعديلها للحجاب.
رسالة كانت بتبعتها فجأة تقول فيها
“وحشتني”.
كان يقفل عينه
ويقفل الفكرة معاها.
ويفتح على حقيقة أقسى: هو لوحده.
أيام تعدّي
وأيام شبهها.
لا جديد
ولا أمل واضح
ولا انهيار كامل.
بس جسمه؟
كان بيقول الحقيقة.
تعب أسرع.
نَفَس أقصر.
إيده بقت ترتعش أحيانًا.
وأمه بدأت تحس.
– أحمد…
إنت مش كويس.
– أنا تمام يا ماما.
بس الأم
بتشوف
حتى اللي مش بيتقال.
وفي يوم
وهو راجع من جلسة
وقف قدّام مراية أوضةه.
نفس المراية.
بس مش نفس الولد.
بص لنفسه
وسأل سؤال جه متأخر: هو أنا لسه هنا…
ولا بس بكمل؟
ما لاقاش إجابة.
في نفس الوقت…
تمارا كانت بتكمّل حياتها.
خروجات خطوبة.
تحضيرات.
ضحك قدّام الناس.
بس لما ترجع البيت
وتقفل الباب
كان في فراغ.
بتمسك الموبايل.
تفتح الشات.
تقف عند آخر مكالمة.
“كل حاجة خلصت”.
الجملة كانت قصيرة.
بس تقيلة.
تحاول تقنع نفسها
إنها صح.
إنها ضحية.
إن الظروف أقوى.
بس في الليل
كانت تسأل سؤال واحد: هو أحمد عامل إيه دلوقتي؟
وما كانش عندها إجابة.
الأيام بتعدّي.
الاتنين عايشين.
بس كل واحد في سكة
ما ترجعش للتانية.
والمسافة؟
مش بعد…
المسافة وجع.
الدراسة رجعت.
مش بنفس الشكل،
ولا بنفس الإحساس.
أحمد كان بيروح الكلية.
يحضر.
يقعد في آخر المدرج.
يسجّل ملاحظات
من غير ما يفتكر هو كتب إيه.
الناس حواليه بتضحك،
تشتكي من الامتحانات،
تخطط لخروجات.
وهو؟
كان حاضر جسديًا…
وغايب في حتة تانية.
كان بيخلص محاضراته
ويمشي على طول.
مفيش قعدة.
مفيش هزار.
مفيش وقت يضيع.
وفي يوم
الدنيا كانت مستعجلة زيه.
خلص محاضرته الأخيرة
وجري.
كان متأخر.
لازم يلحق.
وقف قدّام باب الكلية
ملقاش غير عربية واحدة
بتحمّل.
جري.
ركب.
لف بعينه
ملقاش غير مكان واحد فاضي.
جنب…
تمارا.
وقف ثانيتين.
يفكّر.
يركب؟
ولا يستنى عربية تانية
وهو مش معاه وقت؟
مافيش حل.
ركب.
العربية اتحركت.
والهواء بقى تقيل.
تمارا بصّت له.
ملامحها اتشدّت.
واضح إنها مش متوقعة.
– إزيك يا أحمد…
– الحمد لله.
وسكت.
حاولت: – عامل إيه في الكلية؟
– تمام.
وكان كل رد
قصير
كأنه حاطط مسافة بالكلام.
إيدها كانت بتتحرك.
تلعب في صوابعها.
تشدّ الدبلة.
تسيبها.
أحمد لاحظ.
من غير ما يبص مباشرة.
الحركات الصغيرة
كانت أوضح من أي كلام.
– أحمد…
قالتها
وما كمّلتش.
دموعها نزلت فجأة.
من غير صوت.
من غير سبب باين.
مسحتها بسرعة
كأنها خايفة يشوف.
وبعدين
بصّت في إيدها.
شدّت الدبلة.
ما طلعتش.
شدّت تاني.
طلعت.
الدبلة بقت في كفّها.
إيدها بترتعش.
أحمد شاف كل حاجة.
شاف اللحظة من أولها لآخرها.
قلبه وجعه
وجع تقيل
مش صريخ…
كتمة.
حوّل وشه للشباك.
مش هروب…
محاولة يثبت نفسه.
العربية قربت توصل.
تمارا خبّت الدبلة في شنطتها
بسرعة
كأنها عملت حاجة غلط.
سكتت.
ولا هي اتكلمت.
ولا هو اتكلم.
العربية وقفت.
أحمد مد إيده
ودفع الأجرة
عنهم الاتنين.
نزل.
ولا بص وراه.
وهي فضلت قاعدة
ثانيتين
تبص لقدّامها.
العربية اتحركت.
وكل واحد فيهم
ساب التاني
وهو لسه قصاده
بس بعيد قوي.
نزل من العربية
ومشي كام خطوة.
مش عارف رايح فين بالظبط،
ولا واخد باله من الطريق.
الوشوش حواليه بتعدّي،
العربيات بتعدّي،
وهو واقف في حتة تانية.
تمارا.
قعدت جنبه.
قربت.
بعدت.
دموعها.
الدبلة وهي بتطلع من إيدها.
مشهد صغير
بس خبط جواه بعنف.
افتكر أول مرة مسك إيدها.
في الكلية.
وهي اتكسفت وسحبت إيدها بسرعة.
ضحك ساعتها وقال: – مش هعض.
افتكر صوتها وهي بتناديه باسمه.
من غير ألقاب.
بس “أحمد”.
وكأن الاسم اتخلق ليه منها.
افتكر خناقة قديمة
زعلوا فيها.
وساعة واحدة كانت كفاية
علشان يرجعوا يضحكوا.
تلات سنين
اتلمّوا في ثواني.
وقف مكانه.
صدره وجعه.
نفَسه تقيل.
– أحمد!
الصوت جه فجأة.
قطع كل حاجة.
لف.
صاحبه واقف قصاده.
بيبصله بقلق.
– إنت كويس؟
سرحت في إيه؟
ابتسم ابتسامة باهتة: – ولا حاجة… كنت بفكر شوية.
– طب يلا نروح نشرب حاجة
ولا نتمشى شوية؟
سكت ثانية.
وبعدين قال: – ماشي.
مش لأنه عايز…
بس علشان مايبقاش لوحده.
قعدوا.
كوباية سخنة.
كلام عادي.
ضحك بسيط.
وأحمد كان حاضر
بس مش مشارك قوي.
كل شوية
يحس بدوخة خفيفة.
يحاول يخبيها.
بعدها قام.
استأذن.
قال تعبان شوية.
مشوا.
رجع لحياته المعتادة.
الكلية.
البيت.
والمستشفى.
يوم أحمد بقى محفوظ.
يصحى.
يلبس.
ينزل.
في المدرج
يقعد في آخر الصف.
يسجّل ملاحظات
مش دايمًا بيفهمها.
بعدها
يا إمّا يرجع البيت
يا إمّا يغير طريقه
ويروح المستشفى.
الكيماوي كان واضح.
في وشه.
في جسمه.
في خطواته اللي بقت أبطأ.
بيتعب من أقل مجهود.
السلم بقى تقيل.
والدوخة بتيجي فجأة
من غير إنذار.
قدّام أهله؟
تمام.
– عامل إيه؟
– كويس.
كلمة
بتقفل أي سؤال.
لكن في أوضته
كان يقعد على السرير
ويبص في الفراغ.
هدومه وسعت.
إيده خست.
وعينيه بقى فيهم تعب
مش بيختفي.
وفي نص الليل
لما الوجع يزيد
كان يضغط على سنانه
ويستنى يعدّي.
لا عياط.
ولا شكوى.
بس سؤال واحد
بيفضل دايمًا: هو لسه مستحمل؟
والأيام تمشي.
وهو ماشي معاها.
مش علشان قوي…
علشان تعبان ومكمّل.
وفي يوم تاني
المستشفى كانت زحمة.
ناس داخلة
ناس خارجة
وهو ماشي بينهم
كإنه شبح.
اسمه اتنده.
قام.
دخل.
نفس الكرسي.
نفس الإبرة.
نفس البرودة اللي بتمسك في إيده.
قعد.
سند راسه على الكرسي.
غمّض عينه.
الدكتور بيشرح.
الممرضة بتظبط.
والسائل بينزل.
وهو…
مش هنا.
شاف نفسه في الكلية.
واقف مستنيها تحت السلم.
شايلة كتبها
ومتأخرة
وأول ما شافته
ابتسمت.
شافها وهي بتقوله:
– استنى عليا.
وكإن الدنيا كلها كانت بتقف علشان الجملة دي.
فتح عينه فجأة.
نفسه تقيل.
قلبه بيخبط.
صاحبه لمس كتفه.
– إنت معايا؟
هز راسه.
– آه.
خلصت الجلسة.
قام بالعافية.
رجليه تقيلة.
جسمه مش طاوعه.
طلع بره.
الهوا خبط في وشه.
بس ما فاقش.
رجع البيت.
دخل أوضته.
قفل الباب.
قعد على الأرض.
ضهره في السرير.
بص على إيده.
الإبرة لسه معلمة.
افتكر إيدها.
وهي بتلعب في الدبلة.
وبتداريها.
وبعدين…
بتقلعها.
قلبه اتقبض.
مش غيرة.
وجع.
ليه؟
سؤال مالوش إجابة.
قام.
غسل وشه.
بص في المراية.
ملامحه اتغيرت.
وشه خاسس.
عينه غامقة.
قال بصوت واطي:
– الحمد لله.
مش دعاء.
محاولة.
تاني يوم
الكلية.
صحابه حواليه.
هزار.
ضحك.
وهو بيعدّي.
يرد.
بس مش جواه.
واحد قاله:
– إنت اتغيرت يا أحمد.
ابتسم.
– يمكن كبرت.
محدش سأل أكتر.
وهو كان شاطر
في إنه يقفل الكلام.
ليل.
الوجع زاد.
المعدة.
الراس.
القلب.
عدّى أسبوع.
وبعده شهر.
الأيام بتجري
وهو بيجري معاها
من غير ما يحس.
الكلية بقت محطة.
يروح.
يحضر.
يمشي.
واقف يوم مع صحابه.
ضحك خفيف.
كلام عادي.
وفجأة
حد نادى:
– أحمد!
تعالى اقف معانا شوية.
لف.
والقلب سبق عينه.
تمارا.
قمورة زي ما هي.
محجبة.
وشّها هادي.
ضحكتها خفيفة.
والدبلة في إيدها
ثابتة.
واضحة.
صحابه كرروا:
– متيجي يعم.
وقف ثانية.
يفكر.
يهرب
ولا يواجه.
راح.
وقف شوية.
ولا سلام مباشر.
ولا كلام بينهم.
بس الإحساس
كان حاضر زيادة عن اللزوم.
قلبه تقيل.
صدره مخنوق.
حاسس إن المكان ضيق.
الكلام ماشي حواليه.
هزار.
ضحك.
وهو واقف
جسمه هنا
وروحه في حتة تانية.
الدبلة لمعت في عينه.
مش غيرة.
وجع.
وجع قديم
لسه طازة.
حاس بدوخة خفيفة.
نفَسه بقى تقيل.
استأذن بهدوء:
– عن إذنكم.
– مالك؟
– تعبان شوية.
لف ومشي.
سابهم وراه.
وساب معاهم
قلبه اللي لسه
مش متعافي.
مشي لوحده.
والوجع رجع
كأنه عمره ما غاب.
رجع البيت.
الدنيا حاولت تمشي عادي.
نوم متقطع.
أكل على قدّه.
ضحكة باهتة قدّام الناس.
الكلية.
البيت.
المستشفى.
أيام بتعدّي
وهو بيعدّي معاها
مش سابقها
ولا لاحقها.
وفي نص يوم
من غير مقدمات
التعب خبط بقسوة.
وجع شديد.
صدره اتقبض.
نَفَسه اتقطع.
الدنيا سابت توازنها.
صاحبه كان معاه.
المرة دي
ما استناش.
المستشفى.
تحاليل.
أجهزة.
دكاترة داخلة طالعة.
وأبوه…
عرف إن الموضوع كبر.
الدكتور قالها بوضوح
من غير لف ولا دوران:
– الحالة صعبة.
– ومينفعش نكمّل كده.
– لازم عملية.
الكلمة نزلت تقيلة.
عملية.
اتحدد المعاد.
أيام قبلها
وأحمد هادي زيادة عن اللزوم.
مش بيسأل.
مش بيعترض.
بس جواه…
الخوف كان صاحي.
مش خوف على نفسه.
خوف
إنه لو حصله حاجة
مين هيستحمل؟
أبوه؟
أهله؟
كان بيبص في وشوشهم
ويحاول يحفظ الملامح
كإنه بيخزنها.
يوم العملية.
لبس اللبس الأزرق.
قعد على السرير.
السقف أبيض.
الضوء قوي.
أبوه جمبه.
صاحبه قريب.
قال بهدوء
ما يشبهش اللي جواه:
– إن شاء الله تعدّي.
دخل.
باب العمليات اتقفل.
وهو ما يعرفش
دي نهاية
ولا بداية.
ساعة.
اتنين.
تلاتة.
الوقت واقف برّه.
العملية خلصت.
طلع.
متبنج.
كلامه متلخبط.
اسمه بيطلع
من غير وعي:
– تمارا…
كلام مش واضح.
ضحكة قصيرة.
جملة ناقصة:
– فاكرة يوم…
صاحبه بس
هو اللي سامع.
هو اللي فاهم
وهو اللي ساكت.
عدّى وقت.
وعينه فتحت
بالعافية.
وشاف السقف.
وبعده
شاف أبوه.
الدكتور قال:
– الحمد لله… العملية نجحت.
نَفَسه خرج تقيل.
مش فرحة.
ارتياح.
عدّى كام يوم.
رجع البيت.
قعد في أوضته.
لوحده.
حس إن كل حاجة اتغيرت.
مش المكان…
هو.
الوجع
علّمه حاجات.
والخوف
فرز الناس.
والمرض
كشف الحقيقة.
عرف
إن اللي فات
مينفعش يرجع.
وإنه لازم
يبدأ من جديد.
من غير ما يشيل وجع قديم.
ولا يستنى حد.
قدّامه حياة.
لسه.
مش عارف
هيحصل فيها إيه.
بس المرة دي
داخلها
وهو واعي.
والباقي…
على الأيام.
وبعد كل اللي عدّى… أحمد واقف قدامه حياة جديدة. الأيام هتمشي، وكل يوم هيجيبله حاجات جديدة، لحظات فرح، لحظات وجع، قرارات، ناس، وذكريات. اللي فات… ساكن جواه، بس مش قادر يوقفه، مش قادر يسيطر عليه.
الحياة مستمرة… وهو لسه قدامه أيام يعيشها. مش عارف هتكون مليانة ضحك ولا دموع، هيتقابل فيها مع مين، ولا هيحصل له إيه. بس الأكيد إنه هيكمل، يحاول يعيش، يحاول يوازن بين قلبه وبين اللي حواليه.
زي كل يوم جديد، زي كل فرصة جديدة، زي كل نفس بياخده أحمد… مستنيه يعيشها، يكتشفها، ويعيشها على طريقته.
الحب مش دايمًا بيوجعنا إحنا البنات… ساعات كمان الشباب بيعيشوا وجع أصعب مننا، وبيكونوا ضحية زي ما إحنا ضحايا. مش دايمًا البنت هي المظلومة، أو المتسابه، أو المخدوعة… أوقات الولد بيحس بالألم بطريقة أقسى، وبياخد نصيبه من الحزن والوحدة والخيبة.
الحب مش قصة واحد بس يتوجع، مش لعبة فيها طرف ضعيف وطرف قوي… هو شعور معقد، مليان صراع، مليان صمت، مليان وجع اللي عايشينه في قلبه بعيد عن الناس. أوقات الولد بيتجرح بنفس العمق اللي بنت بتجرح بيه، وأحيانًا أكتر… بس العالم مش شايفه، أو إحنا مش شايفينه.
وفي الآخر… الحب مش بس وجع وخسارة، الحب كمان صبر، ودفء، وقوة. كل واحد فينا بيتعلم منه، وبياخد منه درس، مهما كان الألم اللي عدى عليه. واللي جاي دايمًا فيه فرصة جديدة، قلب جديد، بداية تانية… وده اللي بيخلينا نكمل ونعيش، ونحب تاني، بطريقة أعمق وأقوى.