رحلة بلا عودة - شرارة الأمل - بقلم محمود نادر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رحلة بلا عودة
المؤلف / الكاتب: محمود نادر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: شرارة الأمل

شرارة الأمل

ذهب أحمد ومايك، وقلبهما مثقل بمزيج من الحزن العميق والرعب الذي يتسلل إلى العظام. كانا يحملان ما تبقى من فيليب – جثة ممزقة، باردة، لا تشبه الإنسان الذي كان يضحك معهما قبل ساعات قليلة. دفناه تحت طبقة رقيقة من التراب الأحمر، في حفرة بسيطة حفراها بأيدٍ مرتجفة. لم يكن هناك وقت للطقوس، ولا كلمات تكفي للوداع. فقط صمت ثقيل، وصوت الرياح التي تعوي فوق السطح كأنها تبكي نيابة عنهما. قرر أحمد فجأة، وهو يمسح التراب عن يديه: "لن أبقى يوماً آخر هنا. يجب أن نجد طريقة للنجاة... أو على الأقل لنحاول." أومأ مايك برأسه ببطء، عيناه محمرتان: "أنت محق. دعنا نبحث عن جهاز الاتصال الذي ذكره فيليب. ربما لا يزال يعمل." بدآ يتجولان داخل المركبة المعطلة، يفتشان في كل زاوية مظلمة، يحركان الأجهزة المكسورة بأمل يتلاشى مع كل دقيقة. فجأة، صاح مايك وهو يشير إلى الأرض من خلال النافذة: "انظر! انظر إلى الأرض!" نظر أحمد، ورأى نيزكاً هائلاً يقترب من كوكب الأرض بسرعة مخيفة، كرة نارية حمراء تشتعل في السماء الداكنة، تتجه نحو الأرض . "لا... أمي... لا..." همس أحمد، صوته يرتجف، وكأن الكون كله ينهار عليه مرة أخرى. "اهدأ!" قال مايك بحزم، لكنه لم يستطع إخفاء الرعشة في صوته. "ليس بيدنا شيء نفعله الآن." "ماذا؟ اهدأ؟" صاح أحمد فجأة، عيناه تلمعان بالغضب واليأس. "يبدو أنك لا تهتم! أليس لديك أهل على الأرض؟ أم أنك لا تشعر بشيء؟" توقف مايك، ثم أمسك بدموعه التي بدأت تنزلق على خده داخل الخوذة. "نعم... أصبت. منذ أن ولدت، لم أجد أباً ولا أماً. حتى الأصدقاء... لا أحد أراد الاقتراب مني. ربما لأنني كنت مختلفاً قليلاً. كنت أحب الاكتشاف، أقضي ساعات أنظر إلى النجوم، أقرأ عن الفضاء... لكنهم لم يتقبلوه. كانوا أطفالاً، وأنا كنت طفلاً أيضاً. الخطأ كان عليّ. جعلت كل جهدي في الدراسة، في العمل... حتى لا أبالي بما يحدث حولي." سكت أحمد لحظة، ثم قال بهمس: "آسف... لو أحزنتك." "لا عليك." رد مايك بصوت خافت. "فقط اهدأ أنت الآن." "أهدأ؟" رد أحمد بمرارة. "أشعر أن دقات قلبي تبطئ... كأنها آخر يوم لي أنا أيضاً." تنهد مايك: "حسناً... اذهب ونم الآن. الليل حلّ، وغداً نفكر في الكائن الذي معنا. ربما نجد حلاً." ذهب أحمد إلى سريره الضيق، يبكي في صمت. "كنت وعدتهم أنني لن أتأخر... أن أعود سالماً. لكنني لن أجدهم لأعود." في الصباح التالي، استيقظ على الهمسات المعتادة، لكنه بدأ يتأقلم معها تدريجياً، كأنها جزء من الخلفية الصوتية للمريخ. مرّ شهر كامل، ومايك يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يخفف عن أحمد: يروي قصصاً قديمة، يمزح بطريقة متكلفة، يشاركه وجبات الطعام المعلبة. وببطء، بدا أحمد يتحسن... أو ربما يتصنع أنه بخير فقط ليبقى على قيد الحياة. بدآ يفكران معاً في حل للكائنات الغامضة التي تتربص بهما. ذات يوم، قرر أحمد الخروج بمفرده بعيداً عن المركبة، يائساً، يحمل سلاحاً صغيراً صنعاه معاً: جهاز يطلق شحنات كهربائية قوية. سار في الغبار الأحمر، حتى سقط فجأة من منحدر طفيف، تدحرج جسده على الصخور الحادة. عندما فتح عينيه، وجد نفسه محاطاً بكائنات تنظر إليه. كما وصفها مايك تماماً: تشبه البشر في الشكل العام، لكن أجسادهم مغطاة بقشور لامعة تشبه قشور الأسماك، عيونهم كبيرة ولامعة في الظلام. استسلم أحمد، رفع يديه وقال بصوت مكسور: "حسناً... أهذه النهاية؟ اقتلوني إذن." اقترب أحد الكائنات ببطء، وتكلم بلغة مفهومة بشكل غريب: "لمَ تقول هذا؟ نحن لا نريد أن نؤذيكم. نحن فقط نريد التواصل معكم." ارتجف أحمد: "ماذا؟ ومن قتل صديقي فيليب إذن؟" "لم نقتله نحن." رد الكائن بهدوء. "أردنا أن نحذركم. المكان الذي هبطت فيه مركبتكم مليء بالكائنات المفترسة." "كائنات مفترسة؟" كرر أحمد مذهولاً. "نعم. أليس هناك كائنات مفترسة على كوكبكم أيضاً؟" "نعم... لكنني لم أتوقع أن يوجد حياة على المريخ أصلاً." توقف أحمد فجأة، ثم قال: "لحظة... ماذا قلت قبل قليل؟" "أن مركبتكم هبطت في منطقة مليئة بالكائنات المفترسة." "مايك!" صاح أحمد، وجهه يشحب. "صديقي في خطر!" اندفع الكائن نحوه وقال: "تعال معي. مركبتكم بعيدة الآن. سأوصلك بسرعة." لاحظ أحمد أن الكائن يستخدم آلة غريبة تشبه مركبة طائرة صغيرة، تتحرك بصمت وسرعة مذهلة. في دقائق معدودة، وصلا إلى المركبة... ليجدا كائناً هائلاً يقف فوقها: عملاق أزرق اللون، له سبعة أذرع طويلة، أنياب كبيرة بارزة، وجسد مغطى بطبقة مخاطية لزجة. كان يمزق جسد مايك ببطء، ومايك يصرخ بصوت يتقطع تدريجياً حتى توقف. أطلق الكائنات الصديقة شحنات طاقة من أجهزتهم على الوحش، فتراجع وهرب بسرعة في الظلام. لكن أحمد لم يتركه؛ اندفع خلفه، أطلق شحنات كهربائية من سلاحه الصغير حتى أسقطه أرضاً، ثم أنهى حياته بضربة أخيرة. عاد راكضاً إلى مايك، الذي كان ملقى على الأرض، الدماء تتدفق من جسده، أحشاؤه ظاهرة. "مايك... أنت بخير؟" سأل أحمد بصوت مرتجف. ابتسم مايك ابتسامة ضعيفة، دماء تسيل من فمه: "يبدو أن لك أصدقاء الآن... لست قلقاً عليك بعد اليوم. أتمنى لك السعادة..." ثم سكت إلى الأبد. صرخ أحمد: "لا! استيقظ! أرجوك!" جاء الكائنات ودفنوا مايك بجانب فيليب، تحت التراب الأحمر نفسه. بعد أيام قليلة، بدأ أحمد يعيش معهم في كهفهم المخفي تحت السطح. ذات ليلة، جاء أحدهم ليتحدث معه. سأله أحمد: "صحيح... نسيت أن أسأل. ما اسمك؟" "سبعة عشر." "سبعة عشر؟!" تكرر أحمد بدهشة. "نعم. نحن نُسمّى بأرقام، لا بحروف. أنت أحمد، صحيح؟" "نعم... كيف عرفت؟" ابتسم سبعة عشر بطريقة غريبة، عيناه تلمعان: "أخبرتك أننا كنا نريد التواصل معكم... لذلك، كنا نراقبكم منذ زمن." لــــلــــكــــاتــــب: مـــــحــــمــــود نــــادر