اليوم التاسع عشر
"صراع الختمة.. وضجيج الشاشات"
كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة مساءً. البيت منقسم إلى معسكرين؛ في زاوية "الليفينج"، كان "عمر" و"سلمى" و"عادل" يتابعون حلقة "المنعطف" في مسلسلهم المفضل، وصوت التلفزيون يرتفع مع موسيقى تصويرية صاخبة تخطف الأنفاس. وفي الزاوية الأخرى، كانت "زينب" تجلس على سجادتها، تحاول التركيز في المصحف لإنهاء ختمتها، لكن وجهها كان ينم عن ضيق مكتوم.
قالت زينب وهي تغلق المصحف فجأة بنبرة حادة: يا جماعة ارحموني! أنا في الجزء الواحد وعشرين، ومش عارفة أفرق بين كلام ربنا وبين كلام البطل اللي بيزعق في التليفزيون ده ! وطّوا الصوت شوية، ده إحنا في أيام مفترجة، والختمة دي أمانة في رقبتي لازم تخلص. قبل ماخلص الشهر الكريم
رد عادل وهو لا يحرك عينه عن الشاشة: يا زينب، ده وقت الذروة، والحلقة دي هي اللي هتعرفنا مين اللي قتل القتيل! وبعدين إحنا صايمين طول النهار، سيبونا نفك عن نفسنا شوية. ادخلي كملي في الأوضة جوه لو الصوت مضايقك.
انفجر عمر ضاحكاً وهو يمسك كيس مقرمشات: يا ماما، إنتي بتقرأي بقالك ساعة في نفس الصفحة، إحنا ذنبنا إيه إن الرامات عندك بتهنج في الأجزاء الأخيرة، وبعدين المسلسل ده تريند اول وما ينفعش يفوتنا!
هنا، تحركت الجدة "هنية" من ركنتها الهادئ، وأمسكت بـ الريموت كنترول وضغطت على زر كتم الصوت ببرود شديد، فحلّ صمت مفاجئ ثقيل. نظر الجميع إليها بذهول، فقالت بهدوء يسبق العاصفة: جرى إيه يا ولاد؟ هو إنتوا فاكرين إن رمضان ده للشاشات بس؟ زمان يا ولاد، كان البيت في الأيام دي بيبقى زي خلية نحل، بس مش نحل بيطير قدام الشاشات، نحل بيسبح وبيقرأ. مكنش فيه حد بيجرؤ يعلي صوته في العشر الأواخر، كانت البيوت بتبقى ليها هيبة، تحس إن الحيطان نفسها بتقرأ معاك.
تابعت الجدة وهي تنظر لعادل بلوم حكيم: يا عادل يا ابني، إنت الكبير. بدل ما تشجعهم يخلصوا وردَهم، قاعد تستنى مين قتل مين؟ القاتل الحقيقي يا ابني هو الوقت اللي بيتسرق مننا قدام المسلسلات دي. الختمة يا زينب مش سباق عشان تخلصيها وخلاص وانتي دماغك في الطبيخ، الختمة هي إنك تعيشي مع الآية. والعيال دي.. بدل ما يدوروا على التريند، يدوروا على ليلة القدر اللي هي خير من ألف مسلسل وألف فيلم.
قالت سلمى بخجل وهي تنزل هاتفها: بس يا تيتا، إحنا بنعمل كل الواجبات، بنصلي وبنصوم، يعني حرام نتفرج ساعة؟
ردت الجدة : مش حرام يا بنتي، بس خسارة. فيه فرق بين واحد بيقضي وقت، وواحد بيستثمر وقت. إحنا زمان كنا بنعمل مسابقة، مين يخلص الختمة بتدبر، ومين يقدر يحكي لنا قصة آية أثرت فيه. التليفزيون ده حرامي شاطر، بيسرق منكم أحلى ليالي السنة وإنتوا بتضحكوا له. رمضان يا ولاد بيخلص في غمضة عين، والمسلسلات بتتعاد بعدين وبعد العيد ولحد ما تزهقوا منها.
أحس عادل بالخجل، فقام وأغلق التليفزيون تماماً وقال: عندك حق يا حماتي. إحنا بجد سرحنا. قوم يا عمر إنت وسلمى، كل واحد يمسك وردُه، والبيت ده مش هيتفتح فيه تليفزيون لحد ما نخلص الختمة كلنا. زينب، كملي وانتي رايقة، وإحنا هنقرأ معاكي.
ضحكت الجدة وقالت: أيوة كده، خلوا الملائكة تعرف تدخل البيت من غير ما تتخبط في صوت الموسيقى الصاخبة دي! واللي هيخلص جُزئين النهاردة بتركيز، ليه عندي حكاية من حكاوي زمان اللي مبيعرفهاش غير الشطار.
الرسالة المستفادة:
"القرآنُ ربيعُ القلوب.. والشاشاتُ خريفُ الأوقات." لا تجعلوا ضجيج الدراما يسرق منكم سكون العبادة في أثمن ليالي العام. الختمة ليست مجرد كلمات تمر على اللسان، بل هي شفاء للصدور وتنوير للعقول. وازنوا بين الترفيه والعبادة، واجعلوا لبيتكم "حرمة" في أوقات التلاوة، فالله يبارك في البيت الذي يُسمع فيه دويّ القرآن كدويّ النحل. تذكروا أن المسلسلات تُعاد، لكن رمضان لا يعود إلا بعد عام..
الخاتمة:
جلس الجميع في الصالة، كلٌ يمسك بمصحفه، وساد البيت هدوء يملؤه السكينة. لم يُسمع إلا صوت تقليب الصفحات وهمسات التلاوة.
قالت سلمى وهي تنظر لجدتها بامتنان: تصدقي يا تيتا؟ الهدوء ده أحلى بكتير من دوشة المسلسل. حاسة إن قلبي بدأ يفوق بجد.
ردت الجدة وهي تبتسم وتكمل تسبيحها: عشان القرآن له مغناطيس يا بنتي، بيسحب التوتر من الروح. كملوا يا حبايب تيتا، ربنا يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
غمز عمر لعادل وقال بصوت خافت: بس يا بابا، بكره لازم نعرف مين اللي قتل القتيل برضه، بس في السر من غير ما تيتا تعرف!
ضحكت الجدة وهي مغمضة نصف عين: أنا سامعاك يا واد يا عمر.. والقتيل هو وقتك اللي هيضيع لو مخلصتش وردك!