ادراك الحقيقة
وبينما كان أحمد يرتجف من الرعب بسبب تلك الهمسات الغريبة التي لا تكف عن ترديد اسمه، قرر أن يهرب من الواقع المرعب بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: النوم. أغمض عينيه بقوة، محاولاً إقناع نفسه أن كل شيء مجرد هلوسة ناتجة عن الإرهاق والعزلة، ثم غرق في نوم عميق وثقيل.
في الحلم، رأى كوكبه الأزرق ينهار أمام عينيه. الأرض تتشقق، المحيطات تتبخر، والمدن تذوب كالشمع تحت لهيب غامض. وسط الدمار، سمع صوتاً مألوفاً يمزق قلبه: صوت أمه، ضعيفاً، يائساً، يستنجد به: "أحمد... أنقذوني... أرجوك..." صرخ في الحلم محاولاً الوصول إليها، لكن يديه تمر من خلالها كأنها دخان.
استيقظ فجأة، يلهث، العرق يغطي جبهته داخل الخوذة. لكنه لم يستيقظ على هدوء... بل على صرخة مدوية.
"وحش! وحش!"
كان مايك يصرخ، عيناه مفتوحتان على وسعهما، وجهه شاحب كالموت.
"أي وحش؟" سأل أحمد بصوت مرتجف، محاولاً استعادة توازنه.
"خلفك!" صاح مايك، مشيراً بيد مرتعشة.
التفت أحمد بسرعة، قلبه يدق في حلقه... لكن لا شيء. فقط الظلام والغبار الأحمر الذي يتمايل ببطء تحت ضوء المصابيح الخافتة.
ابتسم أحمد ابتسامة متكلفة، محاولاً تهدئة الأجواء: "ربما مجرد خدعة بصرية من الغبار... أو انعكاس الضوء على الصخور."
لكن مايك لم يبتسم. وجهه كان متجهماً، عيناه لا تزالان تتسعان من الرعب. "أنا لا أمزح، أحمد. رأيت شيئاً... كائناً مرعباً بأعين بشرية، لكن جسده مغطى بقشور... قشور تشبه قشور الأسماك، لامعة وباردة. كان يقف هناك، ينظر إليّ مباشرة."
أحمد حاول أن يضحك، لكن الضحكة خرجت خافتة ومتوترة: "حسناً... لم أتوقع أن خيالك بهذا الإبداع. أوه، أنا مرعوب جداً الآن! أنت مرتاح هكذا؟ تريد أن ترعبني أكثر؟"
"أنا لا أمزح!" قال مايك بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يسمعه الشيء الذي رآه. "أخبرك الحقيقة."
تنهد أحمد وقال: "نعم، أنا مبتدئ هنا، لكنني أعرف أن هذا الكوكب لا يوجد عليه أكسجين كافٍ للحياة. لا يمكن لكائن حي أن يتنفس، فضلاً عن أن يتحرك ويطاردنا."
قاطعهما فيليب فجأة، صوته هادئاً لكنه حازم: "اصعدا إلى المركبة الآن. لنأكل شيئاً ونرتاح قليلاً قبل أن نفقد أعصابنا."
صعد الثلاثة إلى داخل المركبة، يغلقون الباب خلفهم بسرعة. لكن بعد دقائق قليلة، عاد الصوت... الطرق على الجدران الخارجية. خفيف في البداية، ثم أقوى، منتظماً، كأن شيئاً يحاول اختبار قوة المعدن.
نظر أحمد من النافذة الصغيرة: "هذا الصوت مجدداً... حسناً، ربما كما تقول يا فيليب، رياح المريخ القوية فقط."
لكن قبل أن يتم النقاش، حدث ما لم يتوقعه أحد. اهتزت المركبة بعنف مفاجئ، ثم سمعوا صوت انفجار مكتوم، متبوعاً بصوت تشقق وتفتت. اندفع أحمد نحو لوحة التحكم، ليجد أن المحرك الرئيسي قد تحطم تماماً... تحول إلى كومة من الغبار والشظايا الملتوية.
"ماذا؟!" صرخ أحمد، صوته يرتفع إلى حد الانهيار. "حطمت المركبة! أول رحلة لي... سأكون سجيناً هنا حتى أموت!"
حاول فيليب تهدئته: "لا تقلق. سنرسل إشارة استغاثة إلى إحدى الأقمار الصناعية. النجدة ستأتي... فقط اهدأ."
ترك فيليب المكان متجهاً نحو غرفة الاتصالات. بقي أحمد ومايك يتحدثان بصوت منخفض، يحاولان طرد الخوف بالكلام. مرت نصف ساعة تقريباً، ثم قال أحمد: "حسناً، هيا نذهب لرؤية ما فعل فيليب إلى الآن."
بدآ يتجولان داخل المركبة الضيقة، يناديان على فيليب. الممرات خافتة الإضاءة، والصمت ثقيل. بعد بضع دقائق من البحث، وصلا إلى غرفة الاتصالات... وهناك وجداه.
فيليب ملقى على الأرض، غارقاً في دمائه. عيناه مفتوحتان، تحدقان في الفراغ، وجرح عميق يمتد عبر صدره كأن شيئاً حاداً مزقه بلا رحمة.
تجمد أحمد في مكانه، والكلمات تختنق في حلقه. مايك تراجع خطوة إلى الوراء، يهمس بصوت مكسور: "قلت لك... رأيته."
الآن، لم يعد هناك مجال للشك. شيء ما موجود هنا... وهو جائع.
لـــــلـــــكــــاتـــــب مـــــحـــــمـــود نــــادر