المظفار و الشرسة - الفصل الثالث والعشرين - بقلم ليالي سامي | روايتك

اسم الرواية: المظفار و الشرسة
المؤلف / الكاتب: ليالي سامي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث والعشرين

الفصل الثالث والعشرين

الجزء 23: الحلقة ( 23 ) - هل تقبلين به زوجا ؟ - : راحت "هاجر" تتأمل فستان السهرة الزهري الجميل ، الذي إرتدته خصيصا من أجل حفلة زفاف شقيق "شهاب" البسيطة .. لم تكن قد إرتدت في حياتها فستانا مثله .. فهي دائما ما تميل إلي إرتداء الملابس العصرية المنتشرة ، و الفساتين الربيعية الرقيقة ، و تلك هي أول مرة ترتدي فستانا أنثويا جذابا يظهر مفاتن جسدها بوضوح .. و لذلك شعرت بالخجل و الإرتباك جراء المظهر الجديد الذي ظهرت فيه .. كانت ملمة بأمور الزينة و التجميل ، فإستعملت المكياچ بمهارة ، و صففت شعرها بعناية أيضا ، حيث جمعت خصلاته الفوضوية في خصل حريرية ملساء .. ثم إنتقلت بعد ذلك لعلبة مجوهراتها ، فإرتدت قلادة ذهبية كبيرة ، و علقت في أذنيها زوجي أقراط عريضين .. هزت رأسها لتعتاد ثقلهما ، ثم راحت تمعن النظر إلي نفسها بالمرآة .. لقد تركت المجوهرات و الفستان و المكياچ أثرا واضحا عليها ، و أدركت لأول مرة أن لها جسدا متكاملا فاتنا ، كان مختبئا خلف قدسية عذريتها التي لطالما حافظت عليها و صانتها بشتي الطرق .. بالملابس المحتشمة ، و لو أنها علي غرار العصرية الأوروبية ، و لكنها كانت تنتقيها بعناية .. و أيضا بحسن سلوكها ، و طريقة تعاملها مع الآخرين .. و لكنها مؤخرا ، لاحظت تغييرا كبيرا طرأ علي مشاعرها .. فمنذ ظهور "شهاب" بحياتها ، صار كل شيء في حياتها اليومية له معانٍ أخري ، لم تكن تعرفها مطلقا قبل أن تلقاه ، فمثلا .. أصبحت تحس و تري كل شيء تملكه ، و كأنها تحسه و تراه لأول مرة .. كثيابها ، و رائحة عطرها ، حتي نفسها .. لقد جعلها تشعر بإنها ولدت من جديد ، بهوية جديدة ، إذ إكتشفت أن حياتها الماضية كلها كانت تساوي لا شيء ، مقارنة بالفترة القصيرة التي قضتها معه .. مرحه ، مزاحه ، مزاجه المتقلب .. كل هذه الأشياء شكلت مراحل عمرها من جديد ، و هي الأن في أوج أجمل مرحلة بعمرها .. حيث يدق قلبها و لأول مرة .. إنها لا تعرف ما إذا كان يبادلها نفس الشعور أم لا ، و لكنها تعرف جيدا أنه علم أكيد بمشاعرها تجاهه .. : -الله الله الله .. ايه الشياكة و الحلاوة دي كلها يا ست هاجر ؟ من امتي ده كله ؟؟! إلتفتت "هاجر" نحو مصدر الصوت ، لتجد شقيقها يقف علي أعتاب باب غرفتها ، يتفحص مظهرها الجديد و الغريب عليه تماما بدقة بالغة ، فإنفرج ثغرها بإبتسامة خفيفة و هي تجيبه بصوتها الرقيق: -اهو بحاول يا جاسر. سألها مقطبا بصوته الخشن: -بتحاولي ايه بالظبط ؟؟ هزت كتفيها بخفة قائلة: -بحاول اكون انثي. أرجع "جاسر" رأسه إلي الوراء ، و أطلق قهقهة عالية ، ثم عاد ينظر إليها و قال: -بتحاولي تكوني انثي يا هاجر ؟ .. ماشي ياستي و لو انك زي القمر يعني في جميع الأحوال .. انما ما علينا ، علي فين العزم كده بالمنظر الانثوي ده ؟؟ بدون أن يطرف لها جفن ، أجابت بصوتها الناعم حتي لا يشك بها شقيقها: -فرح .. رايحة فرح يا جاسر. -و فرح مين بقي اللي انتي رايحاه و عاملة في نفسك كل ده ؟؟ إبتسمت في هدوء ، و أجابته: -فرح ناس صحابي ماتعرفهمش. أومأ رأسه مرارا ببطء ، ثم قال بصوت أجش: -طيب .. انتي مش هينفع تروحي لوحدك ، انا هخلي مأمون يوصلك. هنا ، لم تستطع منع الرجفة في صوتها و هي تسارع إلى القول: -لأ ما هو في حد هيجي ياخدني و يرجعني تاني. عبس "جاسر" في تحفظ و هو يسألها: -حد ؟ .. و حد مين ده بقي ان شاء الله ؟؟ تداعت ثقتها بنفسها في تلك اللحظة ، لتجد لسانها ينطق بشيء من الإرتباك: -ده .. ده يبقي اخو العروسة صحبتي ، هيوصلني و بعدين هيرجعني لحد هنا تاني. -لا و الله !! قالها "جاسر" متهكما بطريقته الفظة ، و تابع: -و انتي فاكرة اني ممكن اسيبك تركبي عربية لوحدك مع راجل غريب و كمان و انتي بالمنظر ده ؟ ليه ؟ كيس جوافة انا و لا ايه ؟؟! إتخذت "هاجر" الدبلوماسية في الرد سبيلا لإقناعه ، فقالت بلطف مبتسمة: -ماتقلقش يا جاسر .. انت اكيد واثق في اختك و عارف هي بتتصرف ازاي مع الناس خصوصا الناس الغريبة ، و بعدين هو عارف كويس اوي انا بنت مين و اخويا يبقي مين. إزدادت إبتسامتها إتساعا ، عندما رأت إبتسامته هو الأخر تتسرب إلي شفتيه تدريجيا ، ثم يقول: -بتهتيني يا هاجر ؟؟ قهقهت بمرح ، ثم قالت: -ما عاش اللي يهتك يا حبيب هاجر .. انا بس عايزاك تطمن و تحط في بطنك بطيخة صيفي ، و خليك واثق في اختك شوية بقي. -طبعا واثق فيكي ، انما مش واثق في الناس اللي حواليكي. تململت بطريقة طفولية و هي تقول: -ماتقلقش بقي يا جاسر. حك "جاسر" ذقنه يتفكير ، ثم سرعان ما أنارت البسمة وجهه و هو يقول: -ماشي يا هاجر .. روحي. قفزت "هاجر" إلي حضن شقيقها متصايحة: -حبيبي ربنا مايحرمنيش منك ابداااا. ربت "جاسر" علي شعرها في حنان أخوي ، و لكنه قال بصلابة يحذرها: -بس تاخدي بالك من نفسك ، و ترجعي بدري .. اوعي تتأخري. عادت تنظر إليه بإمتنان قائلة: -حاضر مش هتأخر ، و هاخد بالي من نفسي. و هنا ، تصاعد صوت رنين هاتفها ، فإلتفتت و هرولت لتلتقطه من فوق فراشها .. وجدت الشاشة تضيء بإسم "شهاب" .. ألغت إتصاله ، لتشير له بإنها في طريقها إليه ، ثم دست هاتفهها داخل حقيبة يدها الصغيرة ، و إندفت للخارج و هي تهتف بشقيقها: سلااام ياا جاااسر. صاح بدوره يذكرها بتعليماته: -خدي بالك من نفسك و متتأخريش. فجائه صوتها المتباعد تدريجيا: -حاااضر. ................................................... علي الطرف الأخر .. أمام باب ڤيلا ( الطحان) الداخلي .. وقف "شهاب" عاقدا ذراعيه أمام صدره ، مستندا بجسده إلي سيارته الفارهة ، في إنتظار وصول "هاجر" .. و لأنه سريع الشعور بالملل ، تآفف في ضجر و أخرج هاتفهه من جيب سترته الفاخرة ليعاود الإتصال بها .. إلا أن ظهورها المفاجئ أثناه عن عزمه ، فأعاد هاتفهه إلي جيب سترته مجددا بصورة بطيئة و هو لا يستطيع إزاحة بصره لثانية عنها .. فقد ظهرت في شكل جديدا عليه كليا ، كانت شديدة الحسن و الفتنة ، لا تشبه البتة تلك الفتاة ذات الشعر الفوضوي و الملابس ذات الطالع البوهيمي .. و ها قد إقترلت منه أخيرا و هي تنظر إليه في إستحياء ، فوجد نفسه يتفرس في وجه الفتاة بنت العشرين بنظرات متوهجة ، ممتزجة إعجابا و دهشة .. و لا شعوريا ، خرجت الكلمات من فمه: -ايه ده ياسطا هاجر ؟ .. كنت مخبي فين الجمال ده كله. و فورا ، إختفت بسمة "هاجر" ليحل محلها العبس المستاء ، فضربته علي صدره بخفة معاتبة و هي تقول: -اسطا ؟ .. بقي انا كنت اسطا يا شهاب ؟؟ أخذ "شهاب" يزحف بنظرة متفحصة علي جسدها وصولا إلي وجهها بمنتهي البطء و التركيز و هو يقول: -اصل بصراحة اول مرة اشوفك حلوة اوي كده ، و مسرحة شعرك و لابسة فستان زي البنات .. ماتزعليش مني بس انا مش بحب البنت اللي تلبس كاچوال ، مابتفرقش ساعتها كتير عن الراجل. أفحمتها كلماته بحيث لم تعد قادرة علي النطق أبدا ، و قد تصاعدت الدماء الغيظ و الغضب إلي وجهها .. ضحك "شهاب" من قلله علي ما آلت إلي ملامحها من حنق ، فقال معتذرا: -اسف .. اسف يا هاجر معلش سامحيني ، و الله انتي زي القمر حتي لو لبستي خيش ، انا كنت بهزر معاكي و الله ، و لا هو الهزار بقي حلو ليكي و وحش ليا ؟؟ و في الحال ، تذكرت أول لقاء لهما ، حيث أثارت حنقه بمزاحها الثقيل .. إبتسمت "هاجر" برقة ، و قالت: -ماشي يا شهاب .. سماح المرة دي ، يلا بقي عشان منتأخرش. عاينها مرة أخري سريعا بنظرة إعجاب ، و قال: -يلا. و فتح لها باب السيارة لتجلس في الكرسي المجاور له ، بينما لم يفطنا الثنائي المرح إلي ذلك الرجل هناك ، الذي يقف بالأعلي يراقبهما بإهتمام من خلف إحدي نوافذ المنزل .. *********************************** -رايحة فين يا سمية ؟؟ قالتها السيدة "هويدا" مستوقفة إبنتها التي كادت تخرج من باب المنزل ، إلتفتت "سمية" إلى والدتها ، و بوجه متجهم قليلا أجابت: -طالعة اسلم عالبت دعاء و اقعد معاها شويك يا ماما ، بقالي كام يوم ماشفتهاش وحشتني. -طيب بس انزلي علطول ماتغيبيش ، و لو لاقيتي اخوها الصغير ده فوق انزلي ماتقعديش. -ماشي ماشي. قالتها "سمية" في لامبالاة ، ثم خرجت من منزلها قاصدة الطابق التالي .. صعدت الدرج بسرعة ، ثم ها هي الأن أمام باب شقة صديقتها "دعاء" .. طرقت الباب مرة ، إثنان ، و ثلاث .. ففتح لها الشقيق الأصغر بعائلة صديقتها .. إبتسم الشاب إبتسامة واسعة أظهرت أسنانه الصدئة ، و قال في ترحاب: -اهلا اهلا يا سوما .. ازيك ؟؟ إبتسمت "سمية"بدورها ، و ردت تحيته: -انا كويسة يا اسلام ، ازيك انت ؟ عامل ايه ؟؟ -زي الفل يا سوما .. خشي خشي واقفة برا ليه ؟!! لبت "سمية" دعوته بسرور و دخلت ، فأغلق هو الباب من خلفها .. بينما تساءلت "سمية" و هي تجوب أرجاء الشقة بعينيها: -هو مافيش حد هنا و لا ايه يا اسلام ؟؟ قال "إسلام" و هو يتبعها إلي الداخل: -لا ياستي مافيش حد هنا .. كلهم راحوا فرح واحدة قاريبتنا في الفيوم. -ياااه الفيوم ؟ و هيرجعوا امتي ؟؟ -يعني عالفجرية كده .. ابويا اجر مكروباص ، و خد باقية العيلة اللي هنا و قال بدل ما كل واحد يروح لوحده يروحوا كلهم سوا. أومأت "سمية" رأسها بتفهم ، فيما دعاها "إسلام" للجلوس قائلا: -ماتقعدي يا سمية .. و لا انتي مكسوفة تقعدي معايا لوحدك ؟؟ إبتسمت "سمية " بخفة ، و قالت: -لا يا اسلام مش مكسوفة .. ده انا كنت طالعالك انت مخصوص. رفع حاجبيه ذاهلا ، و ردد: -طالعالي مخصوص ؟ .. ليه خير يا سمية ؟؟ -نقعد الاول و اقولك. و جلست سمية فوق مقعد قديم الطراز ، بينما جلس "إسلام" بالمقعد المقابل لها ، ثم سألها بفضول: -ها يا سوما ؟ .. ايه الموضوع بقي ؟؟ تنهدت "سمية" بعمق قبل أن تقول: -اسمع يا سيدي. و قصت عليه لب الموضوع ، و كان ينصت إليها بتركيز حتي فرغت من شرح القصة كاملة ، فسألها: -ايوه بس معلش يا سمية انا مش فاهم .. انتي عايزة مني انا ايه يعني ؟؟ تراقص لهيب الغل و الكره في عينيها و هي تجيبه: -عايزاك تخدمني يا اسلام ، عايزاك تقف جمبي .. انا نفسي اشوف فيها يوم ، نفسي ادمرها. وافقها "إسلام" بقوله: -معاكي يا حبيبتي و أخدمك بعنيا ، بس افهم ايه المطلوب ؟؟! إبتسمت في شر ، ثم قالت: -انا هقولك ايه المطلوب يا اسلام. ************************************ قرع "عاصم" باب حجرة أمه مرتين متتاليتين ، ثم أدار المقبض و دفعه .. وقف علي أعتاب بابها و هو يبحث عنها بعيتين قلقتين ، إذ لم يرها في فراشها كالمعتاد ، و لكن سرعان ما خمد قلقه ، و إرتخت ملامحه المتوجسة براحة .. فقد رأها تجلس فوق الكرسي المعدني النقال الخاص بها أمام شرفتها المطلة علي أجمل الأماكن الخلابة بالقصر كله ، و بينما كان يقترب منها بخطوات خفيفة .. كانت هي شاردة بذهنها بعيدا بعيدا .. حتي إنتزعها صوت إبنها من وصلة أفكارها .. : -مساء الخير يا امي ! قالها "عاصم" بنبرة هادئة و هو يرمقها بنظرته الباسمة .. رفعت السيدة "هدي" بصرها إليه .. كادت أمه تجهله في البداية من تلك البذلة التي يرتديها ، لكن ملامح وجهه النبيلة ، كانت تعبر عن رصانة غير إعتيادية .. كانت لتسعد برؤيته هكذا ، إلا أنها تعلم جيدا المناسبة التي من أجلها إبنها متأنق كثيرا هكذا .. ردت عليه بفتور: -اهلا يا عاصم. ثم سألته ساخرة: -خلاص نويت ؟؟ تنحنح "عاصم" في شيء من التوتر ، و أجابها: -ايوه يا امي .. خلاص نويت. و سألها بلين و رجاء: -مش هتقوليلي مبروك ؟؟ أشاحت بوجهها عنه و هي تقول بلهجة جامدة: -مبروك. أغمض "عاصم" عينيه بقوة ، مزدردا غصة مريرة في حلقه ، ثم عاد يسألها: -من قلبك يا ماما ؟؟ ساد الصمت بينهما ثقيلا لدقيقة كاملة قبل أن تعود أمه ، و تنظر إليه مجددا .. ثم تقول بصوت لاذع: -مباركتي للجوارة دي مش هتفرق معاك ، زي ما رأيي مافرقش معاك بردو .. روح يا عاصم .. روح اعمل كل اللي انت عايزه ، جرب .. لكن خليك فاكر اني حذرتك قبل ما تكمل في الطريق ده .. صحيح انا شجعتك تمشي اوله ، لكن ده قبل ظهور البنت دي .. و بعد كده منعتك لما عرفت الحقيقة ، لكت انت كالعادة صوتك من دماغك. ثم إستطردت بغضب: -انت لازم تشوف النتايج بعنيك عشان تصدق انك اتعديت حدودك لما حطيتها في دماغك و اصريت تكمل انتقامك منها هي ، و هي اصلا مالهاش اي ذنب ، و مالهاش علاقة بأخطاء ابوها .. انما انا قادرة افهمك كويس اوي يا عاصم ، انت شفتها بنت جميلة و انت راجل عشت حياتك اللي فاتت وحيد بسبب عقدتك ان مافيش واحدة هتقبل بواحد مشوه زيك ، و لما جت الفرصة و قابلتها حللت لنفسك فكرة انتقامك منها ، لكن في الحقيقة ده كان غطا خبيت وراه رغبتك فيها .. رغبتك اللي عميتك و خلتك وصلت للمرحلة دي و اللي انا واثقة انك في يوم هتندم اشد الندم علي كل اللي انت عملته ده. أطرق "عاصم" رأسه خزيا و قد أصابته كلمات والدته في الصميم ، لكنه تجاهل صوت الحق بداخله و الذي يؤيد كلامها ، و سألها بهدوء: -طيب حضرتك حابة تنزلي تحضري كتب الكتاب ؟؟ -لأ. هتفت أمه بصرامة .. فهز رأسه موافقا ، و قال: -تمام . تصبحي علي خير يا امي. و إتجه صوب باب الحجرة ليخرج ، إلا أنه توقف فجأة علي عتبته ، ثم قال من فوق كتفه دون أن يستدير لها: -علي فكرة يا امي .. باللي هعمله انهاردة ، مش هعمله عشان انتفم منها .. هعمله عشان بحبها. و أغلق الباب من خلفه في هدوء .. أطلقت أمه تنهيدة مهمومة ، ثم رفعت وجهها نحو سماء الليل تناجي ربها بعينين خاشعتين هامسة: -يااااا رب .. اكفيه شر نفسه. *********************************** سكن نسيم المساء قليلا ، و إنسدلت ظلال الليل البنفسجية مثل ستارة مخملية علي حديقة قصر "عاصم الصباغ" .. كان القصر كله مضيئا بالأنوار المبهجة ، وسط ظلال الأشجار و أحواض الزهور و الورود علي إختلاف أنواعها ، كما أن هناك طاولة مستديرة كبيرة الحجم ، إنتصبت بمنتصف الحديقة تماما .. يبدو أن "عاصم" يعد لحفلة خاصة .. في هذا الوقت ، كانت "هانيا" داخل غرفتها ، تجلس في الكرسي المرفق بمنضدة الزينة ، و قد أسلمت نفسها لتلك السيدة المحترفة و المتخصصة في فنون المكياچ و التجميل بمختلف أنواعه .. بعد أن ساعدت "هانيا" في إتخاذ حماما ساخنا تضمن مجموعة من الكريمات و السوائل التي تضفي للبشرة و الجسد نضارة و نعومة و رائحة عطرة زكية تدوم لأيام .. بعد ذلك ، أخذتها للخارج لترتدي ثوب الزفاف الذي أرسل "عاصم" خصيصا ليبتاعه لها من الخارج .. ثم جففت لها شعرها العسلي الطويل ، و صففته .. الخطوة الأخيرة تمثلت في أدوات الزينة .. كانت السيدة خبيرة و ماهرة في عملها ، بحيث قدرت ما تحتاج إليه بشرة "هانيا" .. فلم تبتذل كثيرا في وجهها ، ألا عندما وصلت إلي مرحلة إنتقاء لون طلاء الشفاه .. إختارت لها اللون الأحمر الناري ، و قد أحسنت الإختيار ، فقد عزز هذا اللون من إبراز وجهها بشكل واضح ملفت ، و جعل مظهرها ينطق بالجمال في الفستان الأبيض و شعرها الذهبي النادر و عيناها الزرقاوان .. في تلك اللحظة ، أقبلت الفتاة المساعدة لخبيرة التجميل عليها ، و سلمتها قطعة قماش طويلة من الدانتيل المطرز بالورود البارزة .. تناولتها السيدة من يد مساعدتها ، ثم وضعت الطرحة علي رأس "هانيا" .. ثبتتها بالدبابيس ، ثم سوت أطرافها فوق خديها النضرين ، و صرخت بإنبهار: -اووووووه اوووه يا انسة .. بقيتي راااائعة الجمال ، هتصدقيني لو قلتلك انك اجمل عروسة زوقتها بإيدي ؟؟ لم تكن "هانيا" تصغي إليها لتجيبها ، بل كانت في وادٍ أخر سحيق ، بعيدا عن هذا الحاضر المجنون .. ذلك التماسك الواهي الذي إتخذته درع حماية لها ، سرعان ما أخذ يتلاشى في تلك اللحظات الأخيرة التي تفصلها عن خطوة مصيرية إذا أقدمت عليها ، لن يكون هناك مجال للرجعة عنها .. شعرت فجأة بالبرودة تسري في أوصالها ، بينما كان عقلها يجري في كل إتجاه هربا من فكرة كونها بالفعل ستصير زوجته .. بعد قليل ، ستصير زوجته بصورة فعلية ، و سيكون له ملء الحق عليها .. هذا الرجل الذي دمر حياتها بالكامل سيصبح زوجها !! لم تستطع "هانيا" أن تلوذ بالكتمان طويلا ، فتفجرت الدموع من عينيها عنوة سيلا غزيرا .. صرخت الخبيرة في تلك اللحظة بذعر ، فقد أفسدت "هانيا" بدموعها أغلب ما قامت الخبيرة بإنجازه علي أكمل وجه ، فأنبتها بحزن كدِر: -ليه كده يا انسة ؟ .. بوظتي كل اللي عملناه بدموعك. ثم أحبت أن تسترضيها مجددا ، فقالت مداعبة: -اكيد دي دموع الفرحة صح ؟ .. ربنا يتمملك علي خير ، شكلك بتحبي عريسك اوي. تحبه ؟ .. محال ، إنها تمقته .. تكرهه إلي أقصي حد ممكن ، و غير ممكن .. تابعت الخبيرة كلامها بتشجيع: -و لا يهمك يا عروسة ، هنصلح كل ده من تاني حالا و هرجعك احلي من الاول كمان. و بالفعل ، خلال دقائق قليلة ، عادت "هانيا" في صورة أبهي من صورتها السابقة .. في تلك اللحظة ، سمعت "هانيا" طرقا علي باب الغرفة ، فراح قلبها يخفق بسرعة شديدة ، فسألتها السيدة: -نفتح الباب يا عروسة ؟؟ إزدردت "هانيا" ريقها بصعوبة ، و قالت بصوت مبحوح: -شوفي مين الاول لو سمحتي ! إنصاعت الآخيرة لكلامها ، و إتجهت صوب الباب ، و من وراؤه تساءلت: -مين ؟؟ أتاها الصوت الرجولي القوي في الحال: -عاصم ! أدارت السيدة رأسها لـ"هانيا" و هي تغمز لها بعينها ، و تقول بهمس: -عريسك جه يا عروسة. ثم إندفعت صوبها مجددا ، و راحت تتمم علي مظهرها و تضع بين يديها باقة الورود البيضاء ، ثم قالت: -بـــس .. احنا كده جاهزين خالص ، يقدر عريسك يدخل دلوقتي بقي. و قبل أن تعترض "هانيا" .. إنطلق صوت السيدة سامحا لـ"عاصم" بالدخول .. حبست "هانيا" أنفاسها حين إنفتح الباب ، و ظهر من خلفه "عاصم" بقامته المديدة المهيبة .. لم يجذبها شيئا فيه إطلاقا ، و لم تلاحظ فيه أي شيئا مميزا .. بعكسه هو عند رؤيته إياها .. نظر "عاصم" إلي فستانها الأبيض المبطن بالحرير ، و المغطي بالزهور الصغيرة البارزة .. كان بدون أكمام ، فأظهر بشرتها المخملية الناعمة ، أما شعرها الأشقر ، فقد كان مرفوعا لأعلي بجدائل علي شكل تاج ذهبي ، و زينته بالزهور البيضاء التي خففت من رصانة تسريحتها .. إضافة إلي إكليل ، فضي رقيق غُرز بشعرها من الخلف ، و قد تدلت منه الطرحة الكبيرة الهفهافة .. كان "عاصم" مأخوذا بسحرها .. فقد كانت مبهرة الجمال ، مذهلة .. تحرك "عاصم" متقدما منها بخطوات متأنية حتي وصل إليها و كاد يلتصق بها .. فتوقف أمامها مباشرة ، و قال بمنتهي الرومانسية ، و هو يحلق بنظراته الولهة علي وجهها: -مش ممكن .. صحيح انتي جميلة يا جميلتي ، لكن انا دلوقتي مهما قلت و اتكلمت .. مش هقدر اوصف مدي جمالك. و بحميمية و بطء ، إقترب منها .. و قطف قبلتين عميقتين من خديها .. ثم أمسك بيدها ، و علقها بذراعه .. إضطرت "هانيا" أن تمنحه إبتسامتها حتي لا تهدم كل مخططاتها بأخر لحظة .. و عندما ظهرت معه هكذا ، متأبطة ذراعه ، لم يخطر لأحد أنها ستتزوجه قهرا و ليس حبا .. خرجا العروسان من الغرفة ، و هبطت "هانيا" الدرج و هي تشعر بقدماها ترتجفان ، فلم يكن أمامها سوي أن تظل متمسكة بذراعه بقوة لئلا تقع أو تفقد توازنها .. كان المنزل هادئا كليا ، و الجو يعبق برائحة زكية .. كل شيء كان مرتب و مبهج و ساكن .. إلا عندما تناهي إلي سمع "هانيا" همهمات الخادمات اللائي كن يتهامسن و يضحكن بخفوت أسفل الدرج من الخلف .. إرتعشت رموش "هانيا" بإضطراب مع تقلص المسافة بهم ، حتي وجدت نفسها داخل الصالون الكبير ذا الأضواء الذهبية ، و الديكور العاجي الأنيق .. كان "شهاب" يقف هناك مع "هاجر" بإحدي الزوايا ، و معه رفيقان جاء بهما ليشهدا علي عقد زواج أخيه .. كما كان جالسا هناك فوق الآريكة الضخمة ، المأذون بشكله المألوف .. حيث كان يعتمر الجبة ، و كان يرتدي القفطان .. إنتبه الجميع لدخول العروسان ، فإعتدلوا جميعا في وقفتهم ، و أطلقوا التحيات و التهنئة الحارة لكليهما .. كانت تهز "هانيا" رأسها في خجل مصطنع و هي تقترب من المأذون و لا تزال متمسكة بذراع "عاصم" .. جلس "عاصم" علي شمال المأذون ، بينما هي علي يمينه و قد راحت "هاجر" تساعدها في لملمة فستانها الكبير حتي تستطيع أن تجلس براحة أكثر .. و للحال .. بدأت مراسم الزواج ، حيث أخذ المأذون يرتل بعض الأدعية ، و بعضا من الآيات القرآنية الخاصة بصدد الزواج .. ثم حول بصره إلي "عاصم" و قال: -بطاقتك يا ولدي. أخرج "عاصم" بطاقته من جيب سترته ، و أعطاها للمأذون الدي أخذها ، و إلتفت إلي "هانيا" ليعيد نفس الطلب: -بطاقتك يا ابنتي. نظرت "هانيا" لـ"عاصم" و سألته: -مش انا ادتهالك الصبح بردو ؟؟! أومأ "عاصم" رأسه قائلا: -ايوه ايوه .. اهيه معايا. و أخرج بطاقتها أيضا من جيب سترته و أعطاها للمأذون .. إستغرق المأذون عدة ثوان يتفحص فيهم البيانات الشخصية للبطاقتين ، ثم هز رأسه إيجابا ، و قال: -من وكيلك يا ابنتي ؟؟ ردت"هانيا" بصوت خافت: -انا بابا متوفي. جادلها المأذون: -أليس هناك من ينوب عن الوالد رحمه الله ؟؟ هزت "هانيا" رأسها سلبا ، فهتف المأذون مستغربا: -كيف إذن يتم عقد القران ؟ .. فالبكر لا تنكح إلا بواليا شرعيا !! و هنا ، تدخل "عاصم" بصرامة و صلابة ، فقال: -الانسة هانيا مش قاصر يا مولانا .. هي رشيدة دلوقتي و عدت السن القانوني كمان ، يعني تقدر تجوز نفسها بنفسها. لم يجد المأذون ثغرة أخري يتحجج بشأنها ، فقال: -إذن ، فلنبدأ .. توكلنا علي الله. و فتح دفتره الكبير ، ثم عاد ينظر إلي "هانيا" و يقول: -يا ابنتي .. إن هذا الرجل الذي يجلس بجواري. و أشار بيده نحو "عاصم" و تابع: -يدعي عاصم طايع الصباغ .. جاء اليوم بملء إرادته ، طالبا إياكي زوجةً له .. فهل تقبلين به زوجا ؟؟ أحدث السؤال جوا من الصمت في المكان ، بدا لـ"هانيا" إن "عاصم" يصغي و ينتظر جوابها بكل جوارحه .. و لكن الأن كيف تستطيع الإجابة ؟ .. فقد شعرت بثقل عظيم بلسانها .. حيث لم تعد قادرة أبدا علي النطق ... يتبع ..........