هوس أسيل - الفصل الثاني عشر:حصار المشاعر - بقلم خديجة محمد | روايتك

اسم الرواية: هوس أسيل
المؤلف / الكاتب: خديجة محمد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر:حصار المشاعر

الفصل الثاني عشر:حصار المشاعر

كانت أسيل لا تزال غارقةً في نومها، تحاول الهروب من واقعها الجديد إلى عالم الأحلام، حين قطعت سكون الغرفة خبطاتٌ رقيقة على الباب. دخلت الخادمة وقالت بنبرةٍ حذرة: "آنسة أسيل.. السيد فارس يطلب منكِ الاستيقاظ الآن لتناول الإفطار، والذهاب معه إلى السوق لشراء مستلزمات الرحلة؛ فالسفر إلى فرنسا سيكون بعد يومين." فتحت أسيل عينيها ببطء، ونظرت للخادمة بـبرودٍ وعنادٍ لم يتزحزح، وقالت بكلمةٍ واحدة صارمة: "اخرجي!" ارتبكت الخادمة وخرجت مسرعة لـتخبر فارس بـرفضها. لم تمر سوى دقيقة واحدة، حتى فُتح الباب بـهيبةٍ طاغية، ودخل فارس بـخطواته الواثقة والرزينة. اقترب من سريرها، ونظر إلى ملامحها المتمردة وهي لا تزال تحت الغطاء، وابتسامة شريرة وهادئة ترتسم على شفتيه. انحنى لمستواها، ووضع يده على حافة السرير محاصراً إياها، وقال بصوتٍ رخيم يقطر تملّكاً: "ألم نتعلم بعد أن كلمة 'اخرجي' لا تُقال في حضوري يا أسيل؟" ارتبكت أسيل وشعرت بـ الفراشات تعود لـتغزو معدتها من قربه المباغت، وحاولت إشاحة نظرها عنه، لكنه تابع بـنبرة متمردة: "انهضي.. فباريس تنتظر، وأنا لا أحب الانتظار. السوق بانتظارنا، وأريد أن أرى ذوقكِ المتمرد في اختيار ما يليق بـجوهرتي الخاصة." مد يده لـيزيح الغطاء عن وجهها بـبطء، وعيناه تشتعلان بـذلك البريق الذي يخبرها يقيناً أنها لن تستطيع الرفض هذه المرة. تجمدت أسيل في مكانها، وشعرت بأنفاسه الحارة تلامس أذنها، مما زاد من حدة توترها وكبريائها الجريح. نظرت إليه بعينين تشتعلان غضباً وتحدياً، رأت في عينيه إصراراً لا يلين، وكأنه يفرض عليها واقعاً لا مفر منه مع كل ثانية تمر. قالت بصوتٍ حاولت أن تجعلَه صلباً: "أنتَ مريضٌ بـالتملك يا فارس.. لكن لا تظن أنني خضعتُ لك، سأذهبُ فقط لأنني أريد الخروج من هذا الحصار، لا لأنني أنفذُ أوامرك." ابتسم فارس ابتسامةً شريرة، واعتدل في وقفته وهو يراقبها بـنظرةٍ فاحصة وشاملة، ثم قال بـبرودٍ مستفز: "سمِّها ما شئتِ يا متمردتي.. المهم أنكِ ستكونين بجانبي خلال عشر دقائق. سأنتظركِ في الأسفل، ولا تجعليني أصعدُ مجدداً.. لأنني إذا عدتُ، سأخرج بكِ بأسلوبي الخاص." خرج فارس من الغرفة بخطواتٍ واثقة، وترك أسيل في مواجهة مع كبريائها. استعدت ونزلت الدرج بـشموخ، لتجده واقفاً عند الباب ينتظرها بجانب سيارته الفارهة. لم يقل كلمة، بل اكتفى بـفتح الباب لها بـصمتٍ مهيب، ونظراته تلتهم حضورها بقوة. في السوق، كانت الأجواء صاخبة، لكن فارس كان يمشي بجانبها كـسياجٍ منيع، يطبق يده على خصرها بـقوة تملّكية تمنع الأعين حتى من الالتفات نحوها. توقف أمام أحد المتاجر الراقية، والتفت إليها قائلاً بـنبرةٍ آمرة: "اختاري ما يعجبكِ.. أريد أن تكوني في باريس عنواناً لـلجمال الذي لا يُطال. وإن لم تختاري.. سأختارُ لكِ أنا، وأنتِ تعرفين أن ذوقي لا يترك مجالاً للاعتراض." دخلت أسيل المتجر، وشعرت بـثقل نظراته التي تلاحقها. تناولت ثوباً بسيطاً، لكن فارس انتزعه من يدها بـهدوءٍ متمرد وأعاده لمكانه، ثم التفت نحو فستانٍ حريري بـلون أزرق داكن، وقال بصوتٍ رخيم: "هذا ما ستكتسحين به شوارع باريس.. الأزرق يليق بـعنادكِ." نظرت إليه بتحدٍّ، لكنه انحنى قليلاً وهمس أمام وجهها بـنبرة حادة: "لا تجادلي يا أسيل.. ارتدي هذا، وأريني كيف سيخضعُ هذا الجمال لـسيطرتي أخذت أسيل الفستان الأزرق الداكن من يده بعناد، ودخلت غرفة القياس وهي تشعر بوطأة وجوده خلف الستار. كان يرتكز بظهره على الحائط المقابل، يراقب كل حركة، وصوتُ نصلِ ذكائه يسبق كلماته. بعد دقائق، خرجت أسيل وهي ترتدي الفستان الذي عانق جسدها بفتنة، لكنها لم تنظر إليه، بل حدقت في المرآة بكبرياء. اقترب فارس منها ببطء، ووقف خلفها مباشرة، ليلتقي بصرهما في المرآة. وضع يديه على كتفيها، وضغط برفقٍ تملكي، ثم همس بصوت رخيم بجانب أذنها: "أرأيتِ؟ اللون الأزرق لم يُخلق إلا ليخضع لكِ.. كما ستخضع باريس كلها لخطواتكِ وأنتِ بجانبي." نظرت إليه أسيل عبر المرآة وقالت بنبرة حادة: "باريس مدينة الأحرار يا فارس، وليست زنزانة أخرى بطلاء فاخر." ابتسم فارس ابتسامة شريرة ومتمردة، وانحنى قليلاً ليمسح بإبهامه على ذقنها، وقال بلهجةٍ واثقة: "في عالمي، الحرية هي أن تكوني معي.. وكل ما عدا ذلك هو ضياع. والآن، لنكمل اختيار ما تبقى، فلا أريد أن ينقص 'ممتلكاتي' شيء في مدينة النور." التفتت إليه أسيل وهي تحاول إخفاء ارتباكها من قربه الطاغي، وقالت بتحدٍّ: "سأختار ما أريد أنا الآن، ولن تتدخل." رفع فارس حاجبيه بمشاكة، وابتعد خطوة للخلف وهو يفسح لها الطريق بـهيبة، وقال ببرود مستفز: "تفضلي.. أريني كيف سـيتمرد ذوقكِ بعيداً عن أوامري." سارت أسيل في المتجر وهي تشعر بنظراته تلاحقها كظله، تدرك يقيناً أنه حتى وهي تختار ثيابها، لا تزال محاصرة بينما كانت أسيل تتنقل بين أروقة المتجر الفاخر، كانت تشعر بظل فارس الذي لا يفارقها. لم يكن يكتفي بالمراقبة، بل كان يتدخل في كل تفصيل، يختار الأقمشة التي تلامس بشرتها والألوان التي تبرز بريق عينيها. توقفت أمام مرآة كبيرة، وحاولت إرخاء ملامحها المتوترة. اقترب فارس منها بهدوء، ووقف خلفها مباشرة بحيث التقت نظراتهما في المرآة. لم يقل شيئاً في البداية، بل اكتفى بوضع يده برفق على خصرها، وبدأ يزيح خصلة شعر متمردة سقطت على وجهها. ارتبكت أسيل وحاولت الابتعاد خطوة، لكن يده كانت ثابتة، ليست قاسية، بل دافئة بشكل أربك دفاعاتها. نظرت إليه بحدة مصطنعة وقالت: "أستطيع اختيار ملابسي وحدي، لا داعي لكل هذا الحصار." ابتسم فارس بهدوء، وانحنى قليلاً ليهمس بجانب أذنها بنبرة رخيمة: "أنا لا أحاصركِ.. أنا فقط أستمتع برؤية كيف يغيركِ كل ثوب تلمسينه. باريس ستكون محظوظة بوجودكِ فيها، وأنا سأكون أكثر حظاً لأنكِ بجانبي." أشاحت أسيل بنظرها عنه بسرعة لكي لا يرى اللمعة التي ظهرت في عينيها رغماً عنها. شعرت بحرارة تسري في جسدها، وحاولت استعادة لهجتها القاسية: "أنت تفعل كل هذا لتنسيني أنك من قرر هذا السفر، أليس كذلك؟" لم يرد فارس بكلمات، بل لف ذراعه الأخرى حولها ليحتويها بالكامل من الخلف، وسند ذقنه على كتفها وهو ينظر لانعكاسهما معاً. في تلك اللحظة، شعرت أسيل بقلبها يدق بعنف، ولأول مرة لم تكن تريد دفعه بعيداً. كانت رائحة عطره الرجولي الممزوجة برائحة الورق والتبغ تحاصرها، وتجعلها تشعر بأمان غريب كانت ترفض الاعتراف به لنفسها. تمتمت بضعف وهي تغمض عينيها لثوانٍ: "فارس.. الناس ينظرون إلينا." أجابها وهو يشدد من قبضته اللطيفة على خصرها: "ليترقبوا كما شاؤوا.. فالعالم كله لا يهمني حين أكون معكِ في هذه اللحظة. والآن، اختاري ذلك الثوب الحريري الذي أعجبكِ، سأنتظركِ عند الخارج لننهي إجراءات السفر." ابتعد عنها ببطء، تاركاً فراغاً بارداً مكان يده، بينما بقيت أسيل واقفة مكانها لثوانٍ، تحاول استجماع شتات نفسها وهي تدرك أن حصونها التي بنتها لسنوات بدأت تتآكل أمام هذا الرجل عادوا إلى القصر، وساد هدوءٌ مختلف هذه المرة. لم تكن أسيل تشعر بتلك الرغبة المشتعلة في الهرب، بل كان تفكيرها مشتتاً بين القسوة التي عرفتها عن فارس واللين الذي بدأ يتسلل من بين أصابعه. دخل فارس مكتبه، وأشار لها بالدخول خلفه. أغلق الباب بهدوء، ولم يتجه خلف مكتبه كالعادة، بل وقف أمامها مباشرة. مد يده ببطء وأمسك يدها، وبدأ يلمس باطن كفها بإبهامه بحركات دائرية هادئة جعلت أنفاسها تضطرب. نظر في عينيها بعمق، وقال بنبرة رخيمة ومنخفضة: "اليوم.. رأيتُ في عينيكِ نظرة لم أعتدها. وكأنكِ بدأتِ تدركين أنني لستُ عدوكِ الوحيد في هذا العالم." أرادت أسيل أن تجادله، أن تخبره بأنها لا تزال تذكره بكونه سجانها، لكن الكلمات تلاشت حين اقترب أكثر حتى اختلطت أنفاسهما. خفضت رأسها هرباً من نظراته الثاقبة، فرفع ذقنها برفق لتواجهه، وهمس: "لا تحاولي إخفاء ما تشعرين به.. فقلبكِ يدق بوضوح، وأنا أسمعه جيداً." لم تتحرك أسيل، بل بقيت ساكنة بين يديه، تشعر بجاذبية غريبة تجذبها نحوه رغماً عنها. كانت تحاول إقناع نفسها بأنها تكرهه، لكن كل لمسة منه كانت تهدم حجراً من جدران ذلك الكره. ابتسم فارس بابتسامة خفيفة وصادقة، ولف ذراعه حول خصرها ليجذبها إليه أكثر، وسند جبهته على جبهتها وهو يغمض عينيه، مستمتعاً بهذا القرب الذي أصبح يتنفسه. ظلَّ فارسُ ممسكاً بخصرِ أسيل في وسطِ مكتبِه الغارقِ في الظلال، وكأنَّ العالَمَ قد توقفَ عند حدودِ ذراعيه. وضعَ وجنتَه على وجنتِها بـرفقٍ مباغت، وأغمضَ عينيهِ مستسلماً لـرائحةِ عطرِها، بينما استسلمتْ هي الأخرى لـسحرِ اللحظةِ وأغمضتْ عينيها، والكلماتُ العذبةُ التي همسَ بها لا تزالُ تترددُ في مسمعِها. سادَ صمتٌ عميقٌ لم يقطعهُ إلا دقاتُ قلبيهما المتسارعة، وعندما اقتربَ فارسُ لـيطبعَ قبلتَه على ثغرِها، دوتْ طرقاتٌ عنيفةٌ على الباب، لـتمزقَ هدوءَ اللحظةِ وتفصلَ بين جسديهما. (تعليق الكاتبة: حسناً يا فارس.. أنت حقاً قليلُ أدب! ألم تجد مكاناً آخر غير المكتب؟!) نظرَ فارسُ نحو البابِ وهو يزفرُ أنفاسَه بـضيقٍ واضح، وتملّكهُ غضبٌ عارمٌ لـهذا المقاطعةِ البايخة، وهتفَ بـصوتٍ جهوري: "ادخل!" دلفَ خالدُ إلى المكتبِ والارتباكُ يكسو ملامحَه، وبدأ بـالاعتذار: "أعتـ..." لكنَّ فارسَ قاطعهُ بـحدةٍ ونبرةٍ جافة: "هل تريدُ شيئاً مهماً؟" أما أسيل، فـقد استعادتْ وعيها بـسرعة، وتراجعتْ لـلخلفِ بـارتباكٍ شديدٍ صبغَ وجنتيها بـالحمرة. لم تقوَّ على البقاءِ ثانيةً واحدة، فـانسحبتْ من المكتبِ مسرعةً نحو غرفتِها لـتختبئَ من نظراتِهما. تتبعها فارسُ بـعينيهِ العاشقتين، وهمسَ بـاسمِها بـصوتٍ خافتٍ يحملُ في طياته الكثير: "أسيل.."