الفصل الحادي عشر:قُبلةُ الترويض
دفع فارسُ خالداً خارجَ المكتب بعنفٍ لم يسبقْ له مثيل، وأوصدَ البابَ خلفه بـ "تكةٍ" حادةٍ أعلنتْ بدايةَ الحصار. استدارَ نحو أسيل، وعيناهُ تشتعلان بنارِ الغيرةِ الممزوجةِ بالغضب، واقتربَ منها بخطواتٍ بطيئةٍ تنذرُ بوقوعِ العاصفة.
وقفَ أمامها مباشرةً، وصدرُه يعلو ويهبطُ بأنفاسٍ متلاحقة، وقال بصوتٍ رخيمٍ يقطرُ حِدّة:
"هل تظنينَ أنَّ مديحَكِ الزائفَ لخالد سيجعلني ألينُ لكِ؟ أمْ أنَّكِ تحاولينَ اختبارَ صبري باللعبِ على أوتارِ صداقتي؟"
لم يكملْ جملتَه، فقد صُعقَ حين رأى أسيل، بدلالٍ متمردٍ وذكاءٍ حاد، تتقدمُ نحوه لتقلصَ المسافاتِ بينهما تماماً. رفعتْ رأسَها ونظرتْ في عمقِ عينيه بابتسامةٍ ساحرةٍ وجريئة، وقالت بهمسٍ أذابَ ما تبقى من برودِه:
"لماذا يا فارس؟ هل تغارُ عليّ.. أمْ ماذا؟"
تجمدتْ الكلماتُ في حنجرةِ فارس، وشعرَ بالخدشِ على وجهِه ينبضُ بقوةٍ تضاهي نبضاتِ قلبِه. جذَبَها من خصرِها بقوةٍ تملّكية، وأطبقَ يدهُ الأخرى على البابِ خلفها ليحاصرَها بكيانِه، وهمس بصوتٍ مخنوقٍ يملؤه التحدي:
"الغيرةُ تليقُ بالملاك، وأنا لستُ ملاكاً يا أسيل.. أنا متمردٌ يكرهُ أنْ يلمسَ أحدٌ ممتلكاتِه، حتى بالكلمة. وستندمينَ على هذه الابتسامةِ المستفزة، لأنَّكِ أيقظتِ بداخلي وحشاً لا يهدأُ إلا بتملكِكِ تماماً
ابتسمت أسيل بـدلالٍ متمرد، ومالت برأسها قليلاً وهي تهمس بنبرة تفيض بالأنوثة المستفزة:
"همم.. لا يهم إن كنت أنتَ مَن سيعاقبني يا فارس."
تجمدت ملامح فارس، ونظر إليها بـذهولٍ حقيقي؛ تداخلت في عقله الظنون، ولم يعد يعرف أكانت حقاً تتلاعب بمشاعره أم أن أسوار قلبها بدأت بالانهيار أمام سطوته. حاول استعادة قناعه الصارم، فقال لها بنبرةٍ يصارع فيها غضبه وغيرته:
"أسيل.. عودي لغرفتكِ الآن، هيا.. قبل أن أفقد سيطرتي وأغضب أكثر."
ردت عليه بدلعٍ لم يعهده منها، وعيناها تلمعان بتحدٍّ رقيق:
"لا.. لا أريد. أريد البقاء هنا.. معك."
أغمض فارس عينيه لثوانٍ وهو يزفر أنفاسه لـتهدئة نبضه المتسارع، ثم هتف باسمها بـتحذيرٍ أخير:
"أسيل!"
ابتسمت بانتصار وهي ترى ارتباكه الواضح، وقالت برقة:
"حسناً.. كما تأمر."
وقبل أن يدرك ما تنوي فعله، اقتربت منه وطبعت قبلةً رقيقة على وجنته، فوق ذلك الخدش تحديداً، ثم استدارت وخرجت من المكتب بخطواتٍ واثقة، مخلفةً وراءها رجلاً مذهولاً، يحاول استيعاب كيف لـلمجرمة التي يطاردها العالم أن تسرق قلبه بـهذه البساطة
بقي فارس متصلبًا في مكانه وسط مكتبه الغارق في الظلال، وكأنَّ سحر تلك اللحظة قد شلّ أركانه. رفع يده ببطء ليمسح بأصابعه موضع قبلتها على وجنته، فوق ذلك الخدش الذي كان رمزًا لعدائهما، وأصبح الآن شاهدًا على ذوبان أسواره المنيعة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة متمردة وغامضة وهو يراقبُ طيفها الذي غادر المكان، بينما لا يزال عطرها يسكن الأجواء، يذكره بانتصارها الأنثوي عليه. لم يكن غاضبًا من مكرها هذه المرة، بل كان مأخوذاً بهذا الكبرياء الذي انحنى ليطبع قبلةً، فقلب موازين القوة لصلحها.
همس لنفسه بنبرةٍ تملؤها الوعيدُ اللذيذ:
"تظنينَ أنكِ هربتِ يا أسيل؟ بـهذه القبلة، قد قيدتِ نفسكِ بي أكثر من أي وقتٍ مضى. لم يكن هذا وداعاً.. بل كان إعلاناً ببدء حربٍ من نوعٍ آخر، حربٍ سأنتصرُ فيها بقلبي قبل قيودي."
التفت نحو مكتبه، وأمسك بملف "القاتلة" الذي كان يدرسه بصرامة، وأغلقه بقوة وهو يبتسم بشرور:
"لقد ماتت القاتلة في نظري منذ اللحظة التي لمستِ فيها وجهي.. وولدتِ أنتِ، ممتلكاتي الخاصة التي سأحرق العالم لأجلها."
خرج من مكتبه بخطواتٍ واثقة، وعيناه تشتعلان بـقرارٍ جديد؛ فـالرحلة إلى فرنسا لن تكون مجرد هروبٍ من العدالة، بل ستكون بدايةً لـترويضٍ من نوعٍ مختلف، في مدينةٍ لا تعرف سوى لغة العشق.