الفصل العاشر:
استيقظتْ أسيل بـ تثاقل، وشعرتْ بـ غثيانٍ ينهشُ حواسها أثراً لـ المخدّر. فتحتْ عينيها بـ بطء، لـ تصطدمَ بـ ذاتِ الجدران، وذاتِ السقف، وذاتِ الغرفة التي ظنتْ أنها غادرتها لـ الأبد. في تلك اللحظة، أحاطَ بها اليأسُ من كلِ جانب، وشعرتْ بـ قبضةٍ تعصرُ قلبها.
انتفضتْ من فراشها بـ ذعر، وانفجرتْ بـ صرخةٍ مزقتْ سكونَ القصر؛ صرخةٌ اختصرتْ كلَ وجعها، وكلَ خيبتها، وكلَ خوفها من القادم. كانتْ تصرخُ بـ كلِ ما أوتيتْ من قوة، وكأنها تحاولُ هدمَ هذه الجدران بـ صوتها.
في الخارج، ارتجفَ الحارسُ سليم حين اخترقَ صوتها الرواق. التفتَ نحو الخادمة بـ ملامحَ يملؤها الرعب، وهتفَ بـ صوتٍ مخنوق:
"اسكتيها فوراً! السيد فارس في مكتبه، وإن سمعَ هذا الصراخ لن يرحمها.. ولن يرحمنا جميعاً!"
دخلتْ الخادمةُ الغرفةَ والهلعُ يسبقها، اقتربتْ من أسيل التي كانتْ لا تزالُ تصرخُ بـ هيستيرية، وقالتْ بـ نبرةٍ يملؤها التضرع:
"آنسة أسيل.. أرجوكِ! كفي عن الصراخ. السيد فارس لا يزالُ هنا، وإن سمعكِ في حالته هذه.. فـ لن يرحمكِ أبداً. أرجوكِ، لا تفعلي هذا بـ نفسكِ وبنا!"
توقفتْ أسيل لـ ثوانٍ وهي تلهث، والدموعُ تحرقُ عينيها، ونظرتْ لـ الخادمة بـ كرهٍ وانكسار، وهي تدركُ أن "الأسد" يقبعُ في مكتبه، يراقبُ كلَ شهيقٍ وزفيرٍ تخرجه، وأن الصرخةَ التي أطلقتها قد تكونُ هي المسمارَ الأخير في نعشِ حريتها.
اندفعت أسيل كالإعصار في ممرات القصر، تتجاهل توسلات الخادمة وخوف الحراس، وكأن الغضب الذي يسكنها قد أحرق كل ذرة عقلٍ بقيت لديها. رأت خالد يقف في نهاية الردهة، ملامحه غارقة في القلق، فاتجهت نحوه بـخطواتٍ ثابتة ونبرةٍ يملؤها الحقد:
"أين مكتب ذلك الغبي؟!"
توقف خالد بذهول، لم يتخيل أن تملك هذه "الأسيرة" كل هذه الجرأة بعدما فعلته. حاول تهدئتها ونطق اسمها بـتردد: "أسـ.." لكنها قاطعته بـصرخةٍ هزت أرجاء المكان، وعيناها تشتعلان بـنارِ التحدي: "أين مكتبه؟!"
أدرك خالد أن المواجهة حتمية، فـأشار بـيده نحو الباب الخشبي الضخم في نهاية الممر بـصمتٍ مشوب بـالحذر. لم تنتظر أسيل لحظة واحدة؛ بل اندفعت نحو الباب ودفعته بـكل قوتها، لـتجد نفسها فجأة في قلب عرين الأسد.
كان المكتب غارقاً في الظلال، والهدوء فيه مرعب لدرجةٍ تجعل نبضات القلب مسموعة. كان فارس يقف بـجانب مكتبه بـهيبته الطاغية، يرتدي بدلة داكنة تعكسُ برودَ روحه، وعلى وجهه لا يزال ذاك الخدش يلمع بـقسوة.
بمجرد دخولها، لم يصرخ، ولم يتحرك من مكانه، بل ظل يراقبها بـنظراتٍ ثاقبة وكأنها فريسة وقعت بـإرادتها في الفخ. اقتربت منه أسيل بـتهور، لكن قبل أن تنطق بـكلمة، وجدته يطبق يده على خصرها بـقوةٍ تملّكية جارفة، وجذبها نحوه حتى تلاشت المسافات بينهما.
همس فارس بـجانب أذنها بـصوتٍ رخيم يقطرُ شراً ووعيداً:
"أهلاً بكِ في عريني يا متمردة.. هل جئتِ لـتكملي ما بدأته بـالصفعة والقتل، أم جئتِ لـتتوسلي لـأجلِ حياتكِ التي أصبحتْ الآن ملكي تماماً؟"
تجمدت أنفاس أسيل، وشعرت بـأن قوتها تتبخر أمام هيبته المرعبة، ليزيد هو من ضغط يده على خصرها بـقسوةٍ جعلتها تدرك أن القادم هو العقاب الذي لا مفر منه. تابع فارس بـلهجةٍ حادة:
"ظننتِ أن القتل سيمنحكِ الحرية؟ لقد فتحتِ على نفسكِ أبواب جحيمٍ لم تتخيليه، والآن سأريكِ كيف يكون ثمن التمرد في عالمي.
صرخت أسيل بأعلى صوتها وهي تحاول الإفلات من قبضته التي أحكمت حصار خصرها:
"أبعد يدك القذرة عني! ولا تظن أنك ستخيفني بكلامك هذا!"
كان صوتها يدوّي في أرجاء القصر المظلم، لدرجة أن خالد اقترب من المكتب بخطىً مرتبكة، ووقف أمام الباب يراقب المشهد بذهول، لا يدري كيف يتدخل أو يوقف هذا البركان الثائر.
استمرت أسيل في صراخها وتحديها، تكيل له الشتائم وهي تنظر في عينيه بكره، لكن فارس الذي لم يجرؤ أحدٌ في حياته على رفع صوته أمامه، لم يتحمل أكثر. وبحركة خاطفة وعنيفة، صفعها على وجهها صفعةً قوية لدرجة أن رأسها مال جانباً وتوقف صراخها فجأة.
ساد صمتٌ رهيب في المكتب، صمتٌ ممزوج بصدمة أسيل وذهول خالد عند الباب. ظل فارس يحدق بها وعيناه تشتعلان بنار الغضب، بينما كانت أنفاسه المتلاحقة هي الصوت الوحيد المسموع.
أحكم قبضته على خصرها مرة أخرى بقسوة، وجذبها إليه حتى اصطدمت بصدره، وهمس بصوت يرتجف من الغضب المكتوم:
"الصفعة بالصفعة يا أسيل.. والآن أصبحنا متعادلين في الإهانة. لكن جريمة القتل التي ارتكبتِها لا يمحوها الصراخ. ستظلين هنا، في هذا المكتب، وتحت نظري.. حتى تتعلمي كيف تخاطبين سيدكِ بالأدب."
التفت نحو الباب وصاح بخالد بلهجة آمرة:
"خالد! أغلق الباب بالمفتاح.. ولا تدع أحداً يقترب من هذا الجناح مهما سمعتم من صراخ!
نظرتْ إليه أسيل بـ نظرةِ كرهٍ عميقة، نظرةٍ جمدتْ الدماءَ في العروق، وبـ ذكاءٍ حادٍ أو ربما بـ جنونٍ لا يعرفُ الخوف، قالتْ بـ تحدٍّ صارم:
"لا.. لن أبقى معك في هذه الغرفة.. ولا في هذا القصر!"
بـ حركةٍ خاطفةٍ لم يدركها أحد، امتدتْ يدها لـ تمسك بـ جهازِ "الكمبيوتر" الذي كان يستقرُّ فوق الطاولة، وبـ كلِ ما أوتيتْ من غضبٍ وقهر، هوتْ به فوق رأسه. انطلقتْ صرخةٌ خافتة من فارس وهو يترنحُ لـ الخلف، ممسكاً بـ رأسه بـ شدة والألمُ يغزو حواسه.
اندفع خالد نحو صديقه بـ ذعرٍ وهو يصرخ:
"فارس! هل أنت بخير؟"
استغلتْ أسيل تلك اللحظةَ الثمينة، واندفعتْ نحو الباب كـ الريح محاولةً الهروبَ لـ المرةِ الألف من هذا الجحيم. لكنَّ فارس، رغماً عن جرحه النازف وألمه، لم يغبْ عن وعيه؛ صرخ بـ نبرةٍ تملؤها القسوةُ والوعيد:
"خالد! أمسكها.. لا تدعها تخرج!"
بـ سرعةِ البرق، تمكنَ خالد من الإمساك بـ معصميها، وجذبها نحو الداخل بـ قوةٍ منعتها من الحراك، ثم نظر في عينيها بـ صدمةٍ وقال:
"هل جننتِ يا أسيل؟ بعد كل ما فعلتِ.. هل تظنين حقاً أنكِ تستطيعين الهروب بهذه البساطة؟"
ارتجفتْ أنفاسُ أسيل وهي محاصرةٌ بين ذراعي خالد، بينما كان فارس ينهضُ بـ بطء، وعيناه تشتعلان بـ نارٍ لم ترهما بها من قبل. مسح قطرةَ دمٍ سالتْ على وجهه بـ جانبِ ذلك الخدش، واقترب منها بـ خطواتٍ بطيئة تنذرُ بـ وقوعِ العاصفة.
توقفت أسيل عن المقاومة فجأة بين يدي خالد، وسكنت حركتها تماماً، لكن عقلها كان يعمل كالمحرك في وضع أقصى سرعة. نظرت إلى فارس الذي كان يمسح الدماء عن جبينه بعينين تشتعلان غضباً، ثم التفتت ببطء نحو خالد الذي كان لا يزال يمسك بمعصميها بقوة.
بلمحة بصر، تبدلت ملامح التحدي في وجهها إلى ملامح انكسارٍ زائف، وأرخت جسدها بين يدي خالد بطريقة جعلت المسافة بينهما تبدو "مريبة". همست بصوتٍ سمعه فارس بوضوح، نبرةٍ تفيض بالدلال المصطنع والضعف:
"خالد.. أرجوك، قبضتك تؤلمني.. ألا يمكنك أن تكون أرقّ قليلاً كما كنت قبل قليل؟"
تجمدت الدماء في عروق فارس. تركت يده جبينه النازف، وتحولت نظراته من الغضب الجسدي إلى جنون الغيرة. نظر إلى يد خالد التي تطوق معصميها، وإلى قرب خالد منها، فشعر بنارٍ تحرق صدره لم يشعر بها من قبل.
ارتبك خالد وتلعثم وهو يرى تحول ملامح فارس المرعبة:
"فارس.. أنا.. أنا فقط أحاول منعها من الهرب!"
لكن أسيل لم تكتفِ بهذا، بل مالت برأسها نحو كتف خالد وهمست:
"شكراً لأنك كنت الوحيد اللطيف معي في هذا القصر.. ليت فارس يملك نصف حنانك."
هنا، انفجر البركان. لم يعد فارس يرى جرحه، ولا جهاز الكمبيوتر المحطم، بل رأى فقط امرأة "يملكها" وهي تشيد برجلٍ آخر.. وصديقه المقرب! اندفع فارس نحو خالد بجنون، وجذب أسيل من يده بـعنفٍ تملكي صارخ، لـيدفعها خلف ظهره ويواجه خالد بـعينين تقدحان شرراً:
"ابتعد عنها يا خالد! ولا تلمسها مجدداً بـيدك هذه.. وإلا أقسم لك أنني سأنسى صداقتنا في هذه اللحظة!"
التفت فارس نحو أسيل، وأمسك فكها بقوة لـيجبرها على النظر إليه، وقال بـصوتٍ رخيم يرتجف من شدة الغيرة:
"تظنين أن لعبكِ بـالنار سـينقذكِ؟ لقد أحرقتِ قلبي بـغيرتي الآن، والعقاب الذي كنتِ تخشينه.. تضاعف مئة مرة. سـتكونين لي وحدي، حتى في خيالكِ!"