الفصل الثامن:
ظل فارس محاصراً لها عند الباب، يراقب ارتباكها بعينين تشتعلان برغبة تملكية لم ترحم خجلها. كانت أسيل تشعر بأن الأرض تميد بها، ولم تعد تعرف أين تذهب بنظراتها بعيداً عن وجهه الذي يزداد قرباً.
ابتسم فارس ابتسامة شريرة وجذابة، وقال بنبرة واثقة لا تقبل النقاش:
"لن أفتح هذا الباب أبداً.. حتى تنطقينها بلسانكِ. أريد أن أسمع اعترافكِ بالهزيمة أمام قلبي."
أما أسيل، فقد تجمدت في مكانها تماماً؛ تحولت إلى ما يشبه الدمية بين يديه، بلا حراك ولا قدرة على النطق. كانت أنفاسها المكتومة هي الشيء الوحيد الذي يثبت أنها لا تزال على قيد الحياة تحت تأثير نظراته المفترسة.
(تعليق الكاتبة: يا فارس، لقد جعلتَ الفتاة تتجمد من الرعب والخجل! هل يعجبك رؤيتها كدمية بين يديك؟!)
لم يكتفِ فارس بصمتها، بل مد يده بتمرد ليرفع خصلة من شعرها خلف أذنها، ومال برأسه ليهمس بجانب أذنها بصوت رخيم أرتجف له كيانها:
"أجيبي يا دميتي الجميلة.. هل الصمت هو طريقتكِ في الاعتراف بأنكِ أصبحتِ ملكي؟
دوى صوت الصفعة في أرجاء الغرفة، مالت رأس فارس أثراً لقوتها، لكنه لم ينطق بكلمة. وبسرعة البرق، سحبت أسيل نفسها بـكبرياء جريح واندفعت نحو الحمام، وأغلقت الباب خلفها بقوة وأوصدت الأقفال وهي تلهث من فرط التوتر والغضب.
أما فارس، فلم تشتعل نيران غضبه كما هو متوقع، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة لم يفهم هو نفسه سببها؛ ربما لأنه استمتع بشراستها التي لا تلين. نظر إلى باب الحمام المغلق وضحك بخفة، ضحكة رجولية متمردة، ثم أخرج المفتاح من جيبه وهزه بيده.
مشى نحو باب الغرفة بهدوء، وفتحه ببطء وهو يقول بصوت رخيم وصل إلى مسامع أسيل في الداخل:
"حسناً يا حسناء.. لقد فتحتُ الباب. ها أنتِ حرة الآن، تستطيعين الخروج والذهاب أينما شئتِ."
توقف للحظة عند عتبة الباب، والتفت بوجهه نحو الحمام وتابع بنبرة تقطر رومانسية شريرة:
"أتعلمين؟ لم أكن أريد فتحه قبل أن ننهي حديثنا، لكن لديّ عمل مهم وقد تأخرتُ كثيراً بفضل عنادكِ اللذيذ. اخرجي بسلام، لكن تذكري.. أثر يدكِ على وجهي لن يمحوه سوى لقاءٍ آخر، وأنا لا أترك ديوني معلقة."
(تعليق الكاتبة: يا فارس! تفتح لها الباب وتغادر بكل هذا البرود بعد أن صفعتك؟ أنت حقاً متمرد وتعرف كيف تتركها في حيرة من أمرها!)
خرج فارس وأغلق باب الغرفة خلفه دون أن يقفله، تاركاً أسيل خلف باب الحمام في حالة من الذهول والارتباك. كانت تتوقع منه انفجاراً، لكن بروده وهدوءه جعل الفراشات في معدتها تضطرب أكثر من الحصار نفسه.
ساد الصمت في الغرفة، ووجدت أسيل نفسها وحيدة مع صدى كلماته، تسأل نفسها: هل هربتُ منه حقاً.. أم أنه تركني لكي أعود إليه بإرادتي؟
بقيت أسيل جالسة على السرير، تنظر إلى الباب المفتوح بحذر. كانت تخشى أن تخرج فتجده ينتظرها خلف الزاوية بابتسامته المستفزة. مرت دقائق ثقيلة من الصمت والتردد، حتى قطعت هدوء الغرفة خبطات رقيقة على الباب.
دخلت الخادمة وهي تحمل فستاناً أحمر يسرق الأنظار بجماله، وضعته على طرف السرير وقالت بأدب:
"أهلاً آنسة أسيل.. السيد فارس طلب منكِ ارتداء هذا الفستان والنزول فوراً لتناول الإفطار معه على المائدة."
نظرت أسيل إلى الفستان باستغراب شديد، وعقدت حاجبيها وهي تسأل بنبرة حادة:
"من معه؟"
أجابت الخادمة بهدوء:
"السيد فارس والسيد خالد فقط."
هزت أسيل رأسها علامةً على الفهم، فخرجت الخادمة وأغلقت الباب خلفها. وقفت أسيل تتأمل الفستان الأحمر، وشعرت بـ توتر غريب؛ فلون الفستان كان جريئاً ومستفزاً، وكأن فارس يرسل لها رسالة تحدٍ جديدة بعد "الصفعة".
(تعليق الكاتبة: يا فارس! تختار لها اللون الأحمر بالذات؟ هل تريد أن تزيد من اشتعال الموقف وتجعل الجميع ينظر إليها؟!)
لمست أسيل قماش الفستان، وتذكرت نظراته المتملكة. هل يريد إحراجها أمام خالد؟ أم يريد أن يثبت لنفسه أنه لا يزال المتحكم بكل تفاصيلها؟
قامت أسيل وارتدت الفستان، ونظرت لنفسها في المرآة بـ كبرياء. لم يكن الفستان مجرد ثوب، بل كان يعكس قوتها وجمالها المتمرد. رفعت شعرها للأعلى، ومسحت بقايا التوتر عن وجهها، وقررت النزول لتواجهه بكل شموخ.
خرجت من الغرفة متجهة نحو مائدة الإفطار، وهي تدرك أن المواجهة القادمة مع فارس المتمرد لن تكون سهلة أبداً
نزلت أسيل درجات السلم بخطواتٍ هادئة وواثقة، كان الفستان الأحمر ينساب خلفها كشلالٍ من الكبرياء والجمال. وفي الأسفل، كان فارس يجلس بوقاره المعتاد، وبمجرد أن وقع بصره عليها، تجمّد الزمان؛ غرق في تفاصيلها، وفي كيف طوّع هذا اللون المتمرد جمالها لصالحه. لم يشِح بنظره عنها للحظة، وكأن العالم كله قد اختفى ولم يبقَ سوى تلك الفاتنة التي تقترب منه.
شعر خالد بصمت فارس المريب، فبدأ يلتفت للخلف بدافع الفضول ليرى ما الذي سلب لبّ صديقه الصارم. وبمجرد أن بدأ خالد في الالتفات، جاء صوت فارس حاداً، غيوراً، ومتملكاً:
"لا تنظر إليها!"
توقف خالد مكانه، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة وهو يدرك حجم الهوس الذي تملك صديقه. ضحك بخفة وقال بمشاكسة:
"حسناً، حسناً يا عاشق.. لم نكن نعلم أن الغيرة ستأكلك هكذا!"
ارتبكت أسيل وتوقفت في منتصف الدرج، وشعرت بتوتر شديد يغزو ملامحها؛ فكلمة "عاشق" ونظرات فارس التي كانت تلتهمها تملكاً، جعلت قلبها ينبض بعنف وخجل. حاولت الحفاظ على برودها، لكن وجنتيها صبغتا بلونٍ ينافس احمرار فستانها.
أما فارس، فلم تهتز له شعرة من سخرية خالد. ظل بصره معلقاً بأسيل، وكأن الصفعة التي تلقاها منها قبل قليل لم تزده إلا إصراراً على تملك هذه المرأة التي استطاعت أن تروض وحشه الداخلي بعنادها وجمالها.
قال فارس بنبرة هادئة ورخيمة وهو يوجه كلامه لأسيل:
"لماذا توقفتِ؟ انزلي.. فالمائدة تنتظر صاحبتها
جلست أسيل على المائدة وهي تشعر بنظرات فارس تلاحقها كظلٍ لا يغيب، بينما كان التوتر يسري في عروقها كتيارٍ بارد. نهض فارس من مكانه فجأة، واتجه نحوها بخطواته الواثقة، ثم أمسك بيدها وجذبها برفقٍ آمر ليجلسها بجانبه، وقال بنبرةٍ تملؤها المشاكسة والتمرد:
"لماذا كل هذا الخجل؟ أليست هذه أسيل المجرمة المهووسة بالكتابة؟ أم أن الفستان الأحمر سلبكِ لسانكِ؟"
لم تجبه أسيل، بل اكتفت بالصمت وهي تشعر بـ الفراشات تعبث بكيانها، بينما بدأ الجميع في تناول الطعام، إلا فارس.. الذي لم تشغل عيناه سوى تفاصيل وجهها المشرق بالخجل.
وبعد دقائق من الصمت الثقيل، اعتدل فارس في جلسته ووجه كلامه إليها بجديةٍ تامة:
"حسناً يا أسيل.. استعدي، فبعد أسبوع من الآن سآخذكِ إلى فرنسا. البقاء هنا أصبح خطراً، وربما يكتشفون أمركِ في أي لحظة."
هزت أسيل رأسها بالموافقة في صمت، وشعرت بأن رحلةً جديدة بدأت تُرسَم ملامحها، رحلةً قد تكون هي المهرب.. أو السجن الأجمل في بلاد الغربة.
نهض فارس عن مائدة الإفطار ببرودٍ مهيب، وتبعه خالد الذي كان يراقب الموقف بصمت. التفت فارس نحو أسيل، ونظر إليها بنظرةٍ حادة جمدت الدماء في عروقها، وقال بنبرةٍ آمرة:
"حسناً.. سأذهب الآن إلى عملي. أما أنتِ، فقد ضاعفتُ الحراسة عليكِ، وصدرت الأوامر بإغلاق جميع الأبواب والمنافذ."
صمت للحظة ليراقب أثر كلماته على وجهها، ثم اقترب منها ببطءٍ مستفز حتى انحنى لمستواها تماماً. أمسك فكّها بقبضته القوية وجذب وجهها نحو وجهه حتى اختلطت أنفاسهما، وقال بصوتٍ رخيم يقطر تهديداً وتملّكاً:
"إن حاولتِ الهرب هذه المرة.. أقسم لكِ أنكِ ستندمين."
تركها فجأة وغادر القاعة بخطواتٍ واثقة، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً. أما أسيل، فقد تسمرت في مكانها، وظلت تحدق في الباب الذي خرج منه بعينين تائهتين؛ لم تكن خائفة فحسب، بل كانت تشعر بـ توتر يمزق أحشاءها من قسوته التي تطل برأسها في كل مرة تظن فيها أنه بدأ يلين.
(تعليق الكاتبة: يا فارس! بعد كل تلك الرومانسية، تعود لتهددها بالندم؟ أنت حقاً متمرد ولا تسمح لها حتى بالحلم بالحرية!
نهضت أسيل من مكانها، وعادت إلى الغرفة التي كانت حبيسة جدرانها. أغلقت الباب خلفها بعنف، وبدأت أفكار الهرب تنهش عقلها المتمرد. توجهت نحو النافذة، فرأت حارساً واحداً يقف في الخارج؛ فارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة وشريرة.
تسللت خارج الغرفة باحثة عن المطبخ، وبمجرد أن وجدته، اندفعت للداخل وسحبت سكيناً حاداً أخفته خلف ظهرها بإحكام. خرجت إلى الحديقة بخطوات واثقة، فما كان من الحارس إلا أن رآها وهرع خلفها ليوقفها.
نظرت إليه أسيل بعينين تلمعان بالمكر، وبدأت بـ إغوائه بكلمات سامة:
(أستغفر الله يا أسيل.. ما هذا الذي تفعلينه؟!)
قالت له بنبرة رقيقة ومستفزة:
"أهمم.. حقاً؟ أنت أجمل من فارس بكثير! لماذا تقبل أن تكون مجرد عبيدٍ عنده؟"
صدق الحارس المسكين كلماتها المعسولة، وظن أنها معجبة به حقاً، فبدأ يتحدث معها بزهو مقترباً منها أكثر. وفي اللحظة التي ظن فيها أنه امتلك الموقف، أخرجت أسيل السكين من خلف ظهرها وبكل وحشية طعنته عشر طعنات متتالية في بطنه حتى سقط جثة هامدة على الأرض.
وقفت فوقه وهي تبتسم ببرود، ومسحت قطرات الدماء المتناثرة عن وجهها وقالت:
"أنا لست غبية.. وبصراحة، فارس أجمل منك بكثير!"
انحنت وسحبت المفاتيح من جثة الحارس، وشعرت بنشوة النصر وهي تدرك أن طريق الحرية قد انفتح أمامها أخيراً
اتجهت أسيل نحو البوابة الخارجية بخطوات حذرة، وقلبها يدق بعنف يضاهي برودة الدماء التي لطخت يديها. فتحت الباب بهدوء، وتفاجأت بخلوّ المكان من الحرس في الخارج؛ فاستغلت الفرصة وهرولت مبتعدة عن القصر، تاركة خلفها جثةً هامدة وسراً جديداً يُضاف إلى ماضيها المثقل.
في مكانٍ آخر، كان الصمت يلف مكتب التحقيقات، حيث جلس فارس بهيبته المعتادة أمام وكيل النيابة. كسر الوكيل حاجز الصمت قائلاً بنبرة تساؤل:
"حسناً يا فارس.. ألم تصلك أي معلومة جديدة عن القاتل المحترف الذي نطارده؟"
رد فارس ببرودٍ تام، وملامحه جامدة كالصخر:
"لا يا سيدي.. لكنني أبذل قصارى جهدي للوصول إليه."
نظر وكيل النيابة إليه بتقدير، وقال بثقة مطلقة:
"أنا أثق أنك ستجده قريباً، فأنت المحترف الأول في عملك، ولا تغيب عنك شاردة ولا واردة."
ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة خبيثة ومتمردة، ونظر بعيداً وهو يفكر في "القاتلة" التي يخبئها في عرينه (أو هكذا يظن)، وقال بنبرة هادئة:
"بالتأكيد.. سأجده."
(تعليق الكاتبة: يا فارس! أنت تلعب بالنار.. وكيل النيابة يثق بك، بينما أنت تخفي القاتلة التي يبحث عنها الجميع! ماذا ستفعل عندما تعود وتكتشف أن "ملاذك الآمن" أصبح مسرحاً لجريمة جديدة وأنها هربت؟!)