هوس أسيل - الفصل السابع: عرين الاسد - بقلم خديجة محمد | روايتك

اسم الرواية: هوس أسيل
المؤلف / الكاتب: خديجة محمد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع: عرين الاسد

الفصل السابع: عرين الاسد

فتحت أسيل عينيها ببطء، وكأن النوم كان معركة خاسرة خرجت منها منهكة. شعرت بثقل غريب يضغط على صدرها، ثقل لم تعرفه من قبل. في تلك اللحظة، لم تكن تلك أسيل "القاتلة" التي يخشى الجميع نظراتها، بل كانت امرأة تشعر بأن روحها قد قُتلت من الداخل. نظرت حولها، وكانت الغرفة لا تزال غارقة في ظلام الفجر. الساعة تشير إلى السادسة صباحاً، والسماء مظلمة بشكل موحش، وكأن الليل يرفض الرحيل. نهضت واقتربت من النافذة المحطمة، فلامس الهواء البارد وجهها بقسوة. حدقت في الحديقة الواسعة، وهناك رأته.. فارس. كان جالساً على مقعد حجري، كتفاه العريضان يعكسان هيبة واضحة، وملامحه جامدة ومركزة، وكأنه يغرق في تفكير عميق. همست أسيل بحدة وهي تضيق عينيها: "ماذا يفعل في هذا الوقت؟" لكن السؤال الذي لم تجرؤ على قوله هو: لماذا يربكني وجوده هناك أكثر من أي شيء آخر؟ تراجعت أسيل وجلست على السرير، ووضعت يدها على صدرها فجأة حين شعرت بوخزة حادة تخترق قلبها. لم تستطع تحمل الألم، فخرجت منها أنة رغماً عنها: "آه.." في الحديقة، كان فارس يحاول تهدئة أعصابه بعد ليلة طويلة، لكن صرختها اخترقت سكون الفجر كالسهم. وقف فوراً، وتبدلت ملامحه تماماً. فتح الباب بسرعة ودخل غرفة أسيل دون استئذان. تبعه خالد الذي كان يمر في الردهة وهو يسأل بقلق: "فارس! ماذا حدث؟" لكن فارس لم يسمع أحداً؛ كان بصره معلقاً بها. رآها جالسة على السرير، يدها على صدرها، ووجهها شاحب وأنفاسها مضطربة. اقترب منها بخطوات سريعة، وسألها بصوت منخفض يملؤه الخوف عليها: "أسيل..؟" وفجأة.. انفجرت أسيل بالبكاء! كان بكاءً حقيقياً ومريراً، لم يره أحد منها من قبل. كانت تبكي وكأن أوجاع سنوات طويلة خرجت دفعة واحدة. تسمر فارس في مكانه بصدمة: "أسيل..؟" لم يعرف كيف يتصرف، فهذه ليست أسيل التي يعرفها، ليست المرأة التي تواجه الموت دون خوف. جلس أمامها مباشرة، ومد يده ببطء وكأنه يخشى لمس شيء مكسور، وقال بصوت خافت: "أسيل.. تكلمي، ما الذي يؤلمكِ؟" لكنها لم تستطع الرد، وظلت تبكي بصوت مكتوم ودموعها تنهمر على يديها المرتجفتين. وقف خالد عند الباب مذهولاً، فلم يرَ فارس بهذا العجز من قبل، ولا رأى أسيل تنهار بهذا الشكل. قالت أسيل بصوت مكسور وسط شهقاتها: "أنا.. لم أختر أن أكون هكذا.. لم أختر شيئاً.. كل شيء فُرض عليّ.. كل شيء!" تجمد فارس، وكلماتها تلك حطمت شيئاً في داخله. اقترب أكثر حتى تلاشت المسافة بينهما، رفع يديها عن وجهها بلطف ومسح دموعها بإبهامه، ثم قال بصوت هادئ وقوي: "أسيل.. حتى الحديد ينكسر إذا حُمل فوق طاقته. ليس عيباً أن تتعبي." ارتجفت شفتاها وكأنها ستنهار ثانية، فمد فارس ذراعه حول كتفيها ببطء شديد، ولم ترفض هي، بل مالت برأسها لتستند إلى صدره، وكأنها أخيراً سمحت لنفسها بأن ترتاح. قال فارس بصوت دافئ يلامس قلبها: "لا تبكي وحدكِ بعد اليوم.. ليس طالما أنا موجود." رفعت رأسها نحوه ودموعها تلمع على وجنتيها، فنظر إليها نظرة لم يسبق لأحد أن رآها منه.. نظرة رجل يرى الحقيقة لأول مرة. وفي تلك اللحظة، استسلمت أسيل تماماً بين ذراعيه، وغرقت في نومٍ عميقٍ وهادئ فوق صدره، وكأن جسدها أعلن الهدنة أخيراً بعد معركة البكاء الطويلة. لم يكن فارس يرغب في تركها أو التحرك من مكانه؛ فقد غمره شعورٌ غريب بالراحة والتملك، وكان المشهد يرضي شيئاً عميقاً في داخله.. وكأنه وجد ضالته المنشودة. أما خالد، فكان لا يزال واقفاً عند الباب، يراقب بصمتٍ وذهول هذا التحول الجذري في صديقه الصارم. شعر فارس بوجوده، فرفع رأسه ونظر إليه بعينين حادتين لا تقبلان الجدال، وقال بنبرةٍ آمرة ومنخفضة لكي لا يوقظها: "اخرج.. وأغلق الباب خلفك." لم ينطق خالد بكلمة، بل أومأ برأسه ببطء وانسحب بهدوء، مغلقاً الباب وراءه كما أُمر. بقي فارس وحيداً معها في سكون الفجر، يراقب ملامحها الهادئة وهي نائمة، وشعر لأول مرة أن هذا القصر لم يعد سجناً بارداً، بل أصبح مكاناً ينبض بالحياة.. وبحُبٍ بدأ ينمو رغماً عنه. حملها فارس بين ذراعيه بخفة، وخرج بها متجهاً إلى غرفته الخاصة. أغلق الباب خلفه بإحكام، ووضعها فوق سريره برفق شديد، ثم استلقى بجانبها. لم يزره النوم؛ بل ظل مستيقظاً يراقب ملامحها الهادئة التي فارقها التوتر لأول مرة. مرت سبع دقائق وهو غارق في تفاصيل وجهها، وكأنه يحاول حفظ أنفاسها. وفجأة، بدأت أسيل تتمتم بكلمات غير مفهومة وهي غارقة في نومها، فاقترب منها فارس أكثر.. اقترب لدرجة مبالغ فيها حتى كادت أنفاسه تختلط بأنفاسها، وهمس بصوت رخيم: "أنا بجانبكِ.. لا تقلقي." (تعليق الكاتبة: يا فارس، ما رأيك أيضاً أن تدخل في وجهها؟ لم تترك لها أي مساحة للتنفس!) كان كل تركيزه منصباً على شفتي أسيل اللتين تحركتا فجأة لتنطقا باسمه بوضوح وهي لا تزال غارقة في حلمها: "فارس.." تجمدت أنفاسه حين سمع اسمه يخرج منها بتلك الرقة. شعر بقلبه ينبض بعنف، فمد يده ببطء ليمسح على شعرها، وهو يبتسم ابتسامة هادئة؛ فقد أدرك الآن أنها حتى في أحلامها.. لا ترى سواه. مع تسلل خيوط شمس الصباح الباكرة عبر ستائر الغرفة، فتحت أسيل عينيها ببطء، لتجد نفسها في مكانٍ غريبٍ لم تعهده. سرعان ما شعرت بثقلٍ دافئ يحيط بها؛ كان فارس نائماً بجانبها، بل وكان رأسه يستند بملامح هادئة قريباً منها. تسمّرت أسيل في مكانها، واجتاحتها موجة من الدهشة والخوف والارتباك في آنٍ واحد. حاولت أن تنهض بسرعة لتفرّ من هذا الموقف المحرج، لكنّ جسدها خانها من شدة التوتر، فتعثرت في الغطاء وسقطت من جديد فوق صدره العريض! حبست أنفاسها وهي تراقب ملامحه، ظنت أنه لا يزال غارقاً في نومه، فبقت تتأمله بصمت.. تأملت تفاصيل وجهه القوي، وحدّة فكه، والسكينة التي لم ترها عليه من قبل. همست في سرها بكلماتٍ لم تجرؤ على نطقها، وفكرت كم يبدو مختلفاً وهو هادئ. وفجأة، وبدون أن يفتح عينيه، انطلقت نبرة صوته الرخيمة والواثقة لتقطع صمت الغرفة: "لم أقل لكِ إنني وسيم.. رغم أنني أعلم ذلك جيداً." انتفضت أسيل في مكانها، وشعرت بوجنتيها تشتعلان حمرةً من شدة الخجل. لقد كان مستيقظاً طوال الوقت! كان يشعر بنظراتها وبكل حركة قامت بها. (تعليق الكاتبة: وقعتِ في الفخ يا أسيل! فارس لا ينام فعلياً حين تكونين بجانبه، إنه يراقبكِ حتى وهو مغمض العينين!) نظرت إليه بذهول وهي تحاول الابتعاد، وقالت بصوت مرتجف من الإحراج: "أنت.. أنت كنت مستيقظاً؟ وكيف تجرؤ على إحضاري إلى هنا؟" فتح فارس عينيه ببطء، وكانت تلمعان ببريق من المشاكسة والرومانسية، واقترب منها أكثر وهو يبتسم ابتسامة جانبية جذابة: "وهل تظنين أنني سأترككِ تنامين وحدكِ بعد كل تلك الدموع؟ الغرفة غرفتي.. وأنتِ الآن، ملكي." تراجعت أسيل إلى حافة السرير وهي تشعر بقلبها يقرع طبول الحرب في صدرها، وأنفاسها تضطرب كأنها عادت للبكاء، لكن هذه المرة كان بكاءً من نوع آخر.. بكاء الارتباك والعجز أمام ثقة هذا الرجل. قالت وهي تحاول استجماع شتات قوتها المبعثرة: "أنت متمرد.. ومغرور! كيف تأخذني إلى غرفتك دون إذن؟ وكيف.. وكيف تنام بجانبي؟" ضحك فارس ضحكة رجولية منخفضة، وسند رأسه على يده وهو يراقب احمرار وجنتيها بمتعة واضحة. لم يبدُ عليه أي ندم، بل زاد من جرعة التمرد في صوته وقال: "أولاً، القصر قصري والغرفة غرفتي. وثانياً، من ينام في حضني ويبكي ليلة كاملة، ليس له حق السؤال عن الإذن في الصباح." اشتعلت وجنتا أسيل أكثر، وتذكرت كيف استسلمت لصدره بالأمس، فشعرت برغبة عارمة في انشقاق الأرض وبلعها. حاولت النهوض بسرعة لتهرب من نظراته التي تخترقها، لكن فارس كان أسرع؛ مد يده وأمسك بمعصمها برفق، وجذبها نحوه لتستقر أمامه مباشرة، والمسافة بين وجهيهما لا تتعدى سنتيمترات. (تعليق الكاتبة: يا فارس، ارحم الفتاة قليلاً! ستموت من الخجل وهي بين يديك!) نظر فارس في عينيها بعمق، وتلاشت نبرة المشاكسة ليحل محلها صدقٌ مرعب، وقال بهمس: "أسيل.. توقفي عن محاولة الهرب. شقتكِ، قوتكِ، وسلاحكِ.. كل هذه الأشياء لن تحميكِ مني. لأنكِ ببساطة.. تحبين وجودكِ هنا بقدر ما أخاف أنا من رحيلكِ." صمتت أسيل، تجمدت الكلمات في حنجرتها. أرادت أن تنكر، أن تصرخ، أن تضربه.. لكن عينيها خانتاها ولمعتا ببريق فضحهما. تاهت في سواد عينيه، وشعرت بتلك الفراشات تعود لتغزو معدتها بقوة أكبر من أي وقت مضى. همست بصوت يكاد يُسمع من فرط الخجل: "فارس.. اترك يدي، أريد الذهاب." اقترب من أذنها وهمس بكلمات جعلت جسدها كله يرتجف: "اذهبي إن استطعتِ.. لكن تذكري، أينما ذهبتِ، سأكون دائماً هناك.. بانتظارك." ترك يدها ببطء، وكأنه يمنحها حرية زائفة، وهو يعلم تماماً أنها لم تعد تملك القدرة على التحرك خطوة واحدة بعيداً عنه سحبت أسيل يدها بسرعة، وحاولت النهوض من السرير وهي تشعر بضغطٍ هائل في صدرها؛ ضغطُ الخجل الذي فاق قدرتها على الاحتمال. اندفعت نحو الباب وهي تتعثر في أذيال ثوبها، وقلبها يقرع بعنف، كانت تريد فقط أن تختفي من أمام نظراته الواثقة والمتمردة. وصلت إلى الباب وأمسكت بالمقبض وحاولت فتحه بقوة، لكنه لم يتحرك. ذعرت وأعادت المحاولة مراراً، ثم التفتت نحو فارس الذي كان لا يزال مستلقياً بمكانه، يسند رأسه على يده ببرود مستفز. صاحت به ونبرة صوتها مهتزة: "فارس! افتح الباب.. لماذا هو مقفل؟" ابتسم فارس ابتسامة جانبية خبيثة، ورفع مفتاحاً معدنياً صغيراً بيده، وحركه أمام عينيها ببطء وهو يقول: "ألم أخبركِ؟ هذا جناحي الخاص، والقوانين هنا أضعها أنا.. والباب لا يفتح إلا لمن أذن له قلبي بالخروج." (تعليق الكاتبة: يا فارس، أنت حقاً متمرد! قفلت الباب ووضعت المفتاح في جيبك؟ المسكينة ستموت من التوتر!) ارتجفت أنفاس أسيل، واقتربت منه بخطوات مترددة وهي تحاول استعادة شجاعتها: "أعطني المفتاح.. الآن! أنت تخطفتني، والآن تحبسني في غرفتك؟ هذا جنون!" نهض فارس من السرير ببطء وهيبة، وتقدم نحوها حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم وبين الباب المقفل. وضع يديه على الخشب خلفها، وأحاطها بكيانه لدرجة أنها شعرت بدفء أنفاسه يلامس جبينها. خفض رأسه قليلاً ليرى عينيها التائهتين، وقال بهمس يقطر رومانسية وتملك: "أنا لا أحبسكِ يا أسيل.. أنا أحميكِ من هروبكِ المتكرر من الحقيقة. الباب مقفل لأنني أريد أن أسمع منكِ كلمة واحدة بصدق.. كلمة تخبئينها خلف كل هذا العناد." بلعت أسيل ريقها بصعوبة، وشعرت بجسدها يرتجف تماماً وهي محاصرة بين ذراعيه والباب الصلب. لم يعد لديها مفر، فنظرت إلى عينيه السوداوين وقالت بصوت بالكاد يُسمع: "أي.. أي كلمة تقصد؟" اقترب من أذنها وهمس بكلمات جعلت الفراشات في معدتها تنفجر: "قولي إنكِ تشعرين بالأمان هنا.. في غرفتي، وبين يديّ. قوليها وسأفتح لكِ أبواب العالم كله." هل ستعترف أسيل بمشاعرها الآن لتنال "حريتها"، أم سيزداد عنادها أمام حصار فارس المتمرد؟