هوس أسيل - الفصل الاول:حين تصبح الكتابة حياة - بقلم خديجة محمد | روايتك

اسم الرواية: هوس أسيل
المؤلف / الكاتب: خديجة محمد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول:حين تصبح الكتابة حياة

الفصل الاول:حين تصبح الكتابة حياة

ربما نغير من أنفسنا من أجل حلمنا.. أو ربما نصبح مجرمين لأجله. أنا أسيل، لقد أصبحت كاتبة وبدأت مسيرتي منذ سن الخامسة عشرة. لم يكن أبي موافقا على هذا، ولكن... لا أعرف كيف أشرح لكم بأنني أصبحت أقتل أي شخص يقف في طريقي أو يكره قراءة الروايات والكتب. نعم لقد قتلته من أجل حلمي، ولا يهمني من يكون حتى لو كان أبي... كانت الشمس تتسلل بهدوء من نافذة الغرفة، وأسيل ما زالت مستيقظة تكمل كتابة الفصل السابع عشر من رواياتها. لم تنم منذ الليلة البارحة، فهوسها بالكتابة كان أقوى من حاجتها للراحة. منذ بداية مسيرتها كتبت أسيل ثلاثة عشرة رواية، وكل رواية كانت تحتوي على أكثر من عشرين فصلا. لم يكن الأمر مجرد شغف بالنسبة لها... بل حياة كاملة لاتستطيع الهروب منها. حتى هذا التعب كانت تعتبره جزءا من متعتها. رفعت عينيها عن الشاشة للحظة، وتأملت أصابعها المرتجفة من الإرهاق، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وهمست: فصل أخير...ثم سأنام. لكنها كانت تعلم في داخلها أنها تكذب على نفسها. بعد مرور أربع ساعات على هذا الحال، انتهت أسيل أخيرا من كتابة روايتها الجديدة. تنهدت بارتياح وقالت لنفسها: أوف...وأخيرا! حسنا، أظن أنني سأعرضها في معرض الكتاب،لكن متى؟ اممم...لا أظن اليوم، ربما بعد أسبوع. نهضت عن مكتبها، وكانت الإوراق مبعثرة في أنحاء الغرفة، لكنها لم تهتم لذلك. ارتدت ملابس ثقيلة استعدادا للخروج لشراء بعض الطعام. كانت المدينة مغطاة بالثلج بالكامل وهي تمشي في الشارع. توقفت عند محمصة صغيرة ودخلت. «مرحبا، هل لديكم صمون فرنسي؟» «نعم سيدتي، هل أحضره لكي؟» «نعم، من فضلك» ذهب العامل ليحضر الطلب، بينما بقيت أسيل تنتظر. في تلك اللحظة، كانت هناك فتاتان تتحدثان بالقرب منها، فقالت إحداهما: يالهي يا مارسلين، حقا لا أعرف كيف يحب بعض البشر قراء. الكتب! فأجابتها الأخرى باستهزاء: نعم فعلا...إنهم جهلاء. التفتت إليهما أسيل بنظرة حادة، باردة، قبل أن يقطع العامل الموقف بقول: سيدتي، لقد وصل طلبكي...سيدتي؟ التفتت إليه ببطء، أخذت طلبها وخرجت دون أن تنطق بكلمة. عادة أسيل إلى منزلها، وجلست على الأريكة تشاهد التلفاز، فهي لم تكن تحب الخروج من البيت كثيرا... لكن. الكلمات التي سمعتها في المحمصة لم تغادر رأسها. كانت تتردد في عقلها كصدى مزعج. وضعت الصمون جانبا، وحدقت في الفراغ، وعلى شفتيها ابتسامة غريبة...غير مطمئنة. في صباح اليوم التالي... استيقظت أسيل على صوت المنبه الحاد، فأطفأته بضيق قبل أن يرن مرة أخرى. جلست على السرير وهي تفرك عينيها، وشعرت بثقل في رأسها من قلة النوم. تمتمت بصوت مبحوح: يا إلهي... رأسي... نهضت ببطء، وفتحت النافذة قليلا. الثلج ما زال يتساقط بهدوء، والمدينة تبدو صامتة أكثر من اللازم. في المطبخ، أعدت لنفسها قهوة سوداء وقطعة خبز محمص، وأكلت بلا شهية وهي تنظر إلى هاتفها. لم يكن لديها أي رسائل. ام يكن هناك أحد تنتظره أصلا. قضت الظهيرة في ترتيب بعض أوراق الرواية، وإعادة قراءة فصول متفرقة، ثم أرسلت نسخة إلكترونية إلى دار النشر. بعدها جلست تكتب ملاحظات لرواية جديدة...لكنها لم تكتب كثيرا. كان عقلها مشغولا. كلمات الأمس... الضحك... السخرية... في العصر، خرجت تتمشى قليلا بلا هدف، مرت من نفس. الشارع، ونظرت إلى المحمصة من بعيد... ثم أكملت طريقها. ومع حلول المساء شعرت بحاجة غريبة للخروج مرة أخرى. ارتدت معطفها، وأغلقت الباب خلفها. في المساء... كانت أسيل تجلس في زاوية بعيدة من مقهى صغير، تراقب المكان بصمت. وعندما دخلت الفتاتان، تعرفت عليهما فورا، نفس الضحكات، ونفس النبرة الساخرة التي سمعتها في المحمصة. نهضت بهدوء، واقتربت منهما وكأنها تتردد قليلا، ثم قالت: معذرة...سمعت حديثكما أمس في المحمصة. أنتما لا تحبان القراءة، صحيح؟ نظرتا إليها باستغراب، ثم قالت إحداهما ببرود: وهل هذا يهمكي؟ ابتسمت أسيل ابتسامة خفيفة، ودودة أكثرر مما ينبغي، وأجابت: في الحقيقة...أنا كاتبة، وأعمل على مشروع بسيط عن آراء الناس. لن يأخذ منكما سوى عشر دقائق، والمكان قريب جدا من هنا. تبادلت الفتاتان نظرة سريعة، ثم قالت إحداهما بتكبر: حسنا...عشر دقائق فقط. لم يكن المكان بعيدا، بناية قديمة، درج ضيق، وباب خشبي في أخر الممر. وبمجرد أن دخلن وأوصدت أسيل الباب، تغيرت ملامحها تماما، واختفت تلك الابتسامة ليحل محلها جمود مرعب. سألت إحداهما برتباك: أين الأوراق؟ أين المشروع؟ لم تجب أسيل، بل سحبت من تحت معطفها خنجرا طويلا، قبل أن تصدر منهما أي صرخة، كانت أسيل قد انقضت على الأولى ببرود قاتل، وغرست نصلها في حنجرتها قائلة بهمس: هذا الصمت.. هو أفضل بداية لفصل جديد. أما الثانية، فقد تجمدت من الرعب وهي ترى زميلتها تسقط والدماء ينبعث منها، لتقترب منها أسيل وتمسح بقع للدم عن وجهها وهي تقول: كنتي تقولين إن القراء جهلاء؟ ساجعلكي الآن جزءا من كتابي القادم.. ستكونين الضحية مثالية لم تقدر قيمة الكلمات. وفي تلك الليلة، لم يسمع سوى صوت قلم يكتب بسرعة جنونية في غرفة أسيل، وصوت ارتطام أشياء ثقيلة كانت تقطع وتخفى. وفي اليوم التالي، أبلغ عن اختفاء الفتاتين. انتظر الجميع عودتهما، لكن لم يعثر على أي أثر، ولا أي دليل، فأسيل لاتترك وراءها هوامش ناقصة. وفي غرفة أسيل، فتح دفترها، وأضيف سطر جديد بمداد أحمر: بعض الشخصيات... لا تستحق نهاية مكتوبة، بل تستحق أن تمحى من الوجود...