حلم تحول إلى كابوس
كانت السماء دائماً تبدو أقرب عندما أغمض عينيّ، كأنها تهمس بأسرارها مباشرة في أذني. في تلك اللحظة بالذات، كنت أرى نفسي أسبح بين النجوم، أقترب من كوكب أحمر ينتظرني منذ سنين طويلة، كأنه يدعوني باسمي. الهواء داخل الخوذة كان خفيفاً، يتسلل إلى رئتيّ مثل نسمة باردة، والصمت مريحاً كحضن أم بعد يوم طويل من التعب. سمعت صوت قلبي يدق ببطء، منتظماً، مطمئناً، كأن الكون كله توقف ليمنحني فرصة أن أكون أكبر مما أنا عليه، أن أصبح جزءاً من شيء أعظم من الحياة اليومية المملة على الأرض.
ثم جاء الاهتزاز الأول، خفيفاً في البداية، كأن شخصاً ما يطرق على زجاج بعيد، يحاول جذب انتباهي بلطف. تجاهلته، أردت أن أبقى هناك قليلاً أطول، أن أستمتع بالسلام الذي طالما حلمت به. لكن الاهتزاز عاد، أقوى هذه المرة، يهز جدران المركبة كلها. الأضواء داخل الكابينة بدأت ترتعش بعنف، تتلألأ كنجوم تتساقط من السماء. صوت الإنذار لم يأتِ كصرخة مدوية، بل كهمسة باردة تتسلل إلى أذني، تجعل شعري يقف: «فقدان الاتصال الدائم بالأرض.»
رفعت عينيّ نحو النافذة الصغيرة المستديرة، قلبي يخفق بجنون. الأرض كانت لا تزال هناك، معلقة في الفراغ مثل كرة زجاجية هشة... لكنها لم تعد زرقاء كما أعرفها، مليئة بالمحيطات والغيوم البيضاء. كانت حمراء، كلها حمراء، كأن حريقاً هائلاً ابتلعها، يلتهم كل شيء في طريقه. شيء داخل صدري توقف عن الحركة لثانية كاملة، ثم بدأ يدق بسرعة مرعبة، كأنه يحاول الهرب من قفص صدري. فتحت فمي لأقول شيئاً... أي شيء... لكن الصوت الذي خرج لم يكن صوتي. كان صوت شخص يهمس باسمي، من مكان لا يمكن أن يكون موجوداً، كأنه يأتي من داخل رأسي نفسه.
«أحمد...»
التفتُ بسرعة، قلبي يرجف. لم يكن هناك أحد. فقط الظلام خارج الزجاج، يبتلع كل شيء، والنجوم التي بدت فجأة أصغر، وأبعد، وأكثر برودة مما كانت عليه قبل دقائق. وكأن الكون قرر أن يغلق الباب خلفي قبل أن أفهم حتى أنني دخلت إلى عالم لا عودة منه.
أحمد كان شاباً في الخامسة والعشرين من عمره، ولد في مدينة صغيرة على ساحل البحر المتوسط، حيث كانت السماء الواسعة تذكره دائماً بأحلامه الكبيرة. منذ طفولته، كان يحلم بأن يذهب إلى الفضاء، إلى كوكب المريخ تحديداً، الذي كان يراه في كتبه وأفلام الخيال العلمي كأرض جديدة مليئة بالأسرار والمغامرات. كان يقضي لياليه ينظر إلى النجوم من نافذة غرفته الضيقة، يرسم خرائط خيالية لرحلاته، ويعد نفسه ليوم يصبح فيه رائد فضاء حقيقي. اجتهد أحمد منذ صغره في دراسته، يدرس ساعات طويلة تحت ضوء مصباح قديم، يتجاهل أصدقاءه الذين يلعبون في الشوارع، ليلتحق بكلية هندسة الطيران والفضاء في جامعة مرموقة. تخرج بتفوق، ثم أكمل شهادة الماجستير والدكتوراه في عمر مبكر، يتخصص في الديناميكا الفضائية والروبوتات، قبل أن يقدم طلبه للعمل في وكالة أمريكية شهيرة تهتم بغزو الفضاء، وكالة ناسا نفسها.
وبالفعل، قبل أحمد بالوظيفة بعد مقابلات صارمة واختبارات بدنية قاسية. شعر بالنشوة تغمره، كأن حلمه أصبح واقعاً ملموساً. ذهب مسرعاً إلى خطيبته هاجر، الفتاة الجميلة ذات العيون السوداء التي كانت تدعمه دائماً، وأخبرها بالخبر في حديقة منزلها تحت أشجار الزيتون. "وأخيراً سأحقق حلمي بعد أعوام من العناء!" صاح أحمد بفرحة، عيناه تلمعان. ردت هاجر بصوت قلق، وجهها يتجهم قليلاً: "عدّني بأنك ستحافظ على سلامتك، أحمد. الفضاء مكان خطير." ابتسم أحمد مازحاً، محاولاً تهدئتها: "لا تقلقي، لن أتأخر. بضع أعوام فقط وسأعود إليكِ بقصص مذهلة." دهشت هاجر وقالت: "بضع أعوام؟!" ضحك أحمد وقال: "أمزح، لن أتأخر كثيراً. لكن هل ستنتظريني إن تأخرت؟" أمسكت بيده وقالت بحزم: "بالطبع سأنتظرك، مهما طال الوقت. لكن عد سالماً، من أجلي."
بعد أسبوع، كان أحمد في مركز الإطلاق، يرتدي بدلته الفضائية اللامعة والخوذة الشفافة، قلبه يدق بسرعة من الإثارة والخوف المختلطين. صعد إلى المركبة الفضائية المتطورة، وكان معه رفيقان: فيليب، المهندس الألماني الجاد ذو الشعر الأشقر، ومايك، الأمريكي الجريء الذي كان يبدو دائماً مطمئناً كأنه في رحلة سياحية. انطلقت المركبة إلى الفضاء بصوت هدير هائل، تهز الأرض تحتها، وأثناء الصعود السريع، نظر فيليب إلى أحمد وقال بلهجة أوروبية ثقيلة: "أهذه أول رحلة لك إلى الفضاء؟" أجاب أحمد، محاولاً إخفاء توتره: "نعم، هل لك رحلات سابقة؟" ابتسم فيليب وقال: "نعم، لكن لم تصل إلى هذا المدى. كنا نذهب إلى القمر أو المحطة الفضائية فقط." سأل أحمد بفضول: "ماذا تعني؟ أتعني أن هذه أول رحلة للوكالة إلى كوكب آخر؟" تردد فيليب قليلاً ثم قال: "لا، كانت هناك رحلات أخرى... لكن..." توقف أحمد وقال: "لكن ماذا؟" أكمل فيليب بصوت منخفض: "لم يعودوا. فقدوا الاتصال، ولم نسمع عنهم مرة أخرى."
صُعق أحمد، لكنه لم يتمكن من السؤال أكثر، إذ قاطعهم مايك بصوته الجهوري: "كفى ثرثرة، أيها الاثنان! هيا بنا، نحن على وشك الهبوط على المريخ. ركزوا على المهمة." حدث أحمد نفسه في صمت: "هل هذا هدفي حقاً؟ ليس هذا ما تخيلت. كنت أحلم بمغامرة مشرقة، لا بظلام يبتلع الجميع." نظر من النافذة، فرأى سطح المريخ الحمراء الشاسعة، مليئة بالصخور الوعرة والغبار الدوار، كأنها أرض ميتة تنتظر ضحاياها.
بعد ساعات، هبطت المركبة بلطف على السطح، تهز الأرض تحتها قليلاً. أثناء تفكير أحمد في كلمات فيليب، سمعوا صوت طرق خفيف على النافذة الخارجية. تجاهله أحمد في البداية، ظاناً أنه مجرد رياح المريخ القوية، لكن الطرق زاد قوة، كأن شيئاً يحاول الدخول. صاح مايك: "ما هذا؟ هل هناك شيء خارجاً؟" نزل أحمد من المركبة بحذر، يرتدي بدلته الواقية، وفتح الباب الخارجي. لم يجد شيئاً، فقط البرد الشديد الذي نفذ إلى عظامه رغم الطبقات الواقية، كأن المريخ نفسه يحاول تجميده حياً. لكن عندما نظر إلى الأرض، رأى آثار أقدام غريبة، لا تشبه أقدام بشرية، تؤدي إلى كهف مظلم في الجبال القريبة. هل كان هناك حياة هنا قبلنا؟ أم أن الظلال تخدعنا؟
عاد أحمد إلى المركبة، يرتجف، وأخبر رفيقيه. ضحك مايك وقال: "ربما مجرد خدعة بصرية من الغبار." لكن فيليب بدا شاحباً: "أو ربما شيء آخر... تذكر الرحلات السابقة." قرروا التحقيق، لكن مع غروب الشمس على المريخ، بدأت الأمور تتفاقم. سماع أصوات همسات أخرى، وأضواء غريبة تتحرك في الظلام. كان أحمد يشعر أن الكوكب ليس فارغاً كما يقولون، بل يخفي سراً قد يكلفهم حياتهم. وفي تلك الليلة الأولى، عندما نام الآخران، سمع الهمس مرة أخرى: "أحمد... مرحباً بك في المنزل." هل كان هذا خيالاً، أم أن المريخ يدعوه ليكشف عن أسراره المرعبة؟
لـــلـــكـــــاتـــــــب ؛مـــــحــــــمود نـــادر