اليوم الثامن عشر
"معركةُ الأسواق.. والبحث عن الجنيه الضائع"
قررت زينب أن اليوم هو موعد التسوق الثقيل لتجهيز أصناف الثلث الأخير من الشهر. ارتدت عباءتها للنزول، وأخذت معها سلمى وعادل الذي نزل مرغماً عنه ليقوم بدور الشيّال، السوق كان يغلي كمرجل كبير؛ أصوات الباعة تتداخل في سيمفونية صاخبة، وروائح التوابل تمتزج برائحة الخضار المرشوش بالماء.
وقفت زينب أمام بائع الفاكهة، وبدأت المناورة الأولى. أمسكت بحبة تفاح ونظرت إليها بتفحص كأنها خبيرة ماس،
وقالت للبائع بنبرة مستنكرة مصطنعة: بكام الكيلو يا غالي؟ إيه الأسعار اللي تسمع في العضم دي؟ ده أنا لسه جايبة زيه من يومين بنص الثمن! التفاح ده سارح ولا إيه؟
رد البائع وهو يمسح العرق عن جبينه: يا ست الكل، ده تفاح سوبر، والأسعار ولعت على الكل مش عندي بس، قولي يا باسط!
هنا تدخلت زينب بمهارة المفاوض الدولي: طب ياباسط ونِعم بالله ياخويا، بس إحنا غلابة وبنجيب كمية، نزل السعر شوية عشان البركة تحل، ولا مش عايز تستنفع النهاردة؟
كان عادل يقف بعيداً وهو يلهث من الزحام ويزفر من حرارة الشمس، ويحمل أكياساً ثقيلة، فنادى عليها: يا زينب، ارحمينا وارحمي رجلك! الفرق كله اتنين او تلاتة جنيه مش فارقه يعني، ضيعنا ساعة في الفصال واللف في الشمس عشان نوفر ثمن علبة كبريت؟ الوقت اللي بنضيعه ده أغلى من الخصم اللي هتاخديه، والناس ورانا و بتزقه فينا!
التفتت إليه زينب بحدة وهي تضع البرتقال في الكيس بانتصار: يا عادل، دي مش قصة جنيه ولا اتنين، دي أصول ومبادئ. الست اللي تسلم رقبتها للتاجر من أول كلمة متعرفش تفتح بيت. الجنيه اللي بيتوفر هنا، بيتجاب بيه 'ربطة خضرة' هناك، والبركة بتيجي من التدبير. إنت فاكر إن البيوت بتتعمر بالهدر؟
قالت "سلمى" وهي تحاول موازنة نفسها وسط الزحام وتصور فلوج سريع: يا ماما، بجد المنظر فوضوي جداً! أنا حاسة إننا في معركة حربية مش بنشتري طلبات للفطار. إيه لزوم الفصال ده كله؟ ما نشتري من السوبر ماركت المكيّف والأسعار فيه مكتوبة وشكراً!
خرجت الجدة هنية من المطبخ فور عودته ابنتها للبيت، حيث ارتمى عادل على الاريكة وكأنه عائد من خط النار، وبدأت زينب تفرغ الأكياس بزهو وتحكي كيف غلبت بائع التوابل.
ضحكت الجدة وقالت وهي تتناول حبة لوز من الكيس لتضعها لكي تزين طبق مأكولات: يا زينب يا بنتي، الشطارة مش بس في طول اللسان مع البايعين، الشطارة في النظر. زمان يا ولاد، كان السوق ده اسمه سوق المحبة. كنا بننزل نشتري على قدنا بالملي، ومكنش فيه حد بيملا الأكياس كأنه خايف الأكل يهرب. الشطارة إنك تشتري اللي يكفيكي وتسيبي الباقي لغيرك عشان الأسعار متهبش في وش الكل.
تابعت الجدة وهي تربت على يد عادل المجهد: وإنت يا عادل، متعيبش على شطارتها، ده حرص مش بخل. بس يا زينب، ارحمي الغلابة اللي واقفين في الشمس، البايع ده صايم زيك وعنده عيال، والفصال لو زاد عن حده بيمحي البركة. ربنا بيحب السماح في بيعه وشرائه.
نظر عمر للأكياس الكثيرة وقال : يا تيتا، أنا خايف إن ماما تكون وفرت 10 جنيه في الفصال، بس صرفت قصادهم 2000 جنيه في أصناف إحنا مش هناكل نصها أصلاً! ايه ده كله بجد؟ ماما هو انتي اشتريتي السوق كله؟
ضحكت الجدة وقالت: أهو الواد ده جاب الخلاصة! الشطارة الحقيقية يا زينب هي إدارة الميزانيه مش في انك تشتري الخزين. لو طبختي النهاردة صنف واحد بنفس راضية، أحسن من مية صنف اشتريتيهم بخناقة وفصال يوجع القلب.
قالت سلمى بضحكة: تصدقي يا تيتا؟ أنا صورت فيديو لماما وهي بتناقش بياع السمك، الفيديو ده لو نزلته هسميه (المفاوض الذي لا يرحم)، وهياخد لايكات أكتر من فيديوهات الطبخ! ماما كانت عالميه بجد.
ردت الجدة بمرح : نزليه يا بنتي، بس اكتبي عليه زينب والبحث عن البركة الضائعة.. عشان الناس تعرف إن البيوت المصرية قايمة على كتف الست اللي بتحسبها بالمليم عشان تعيش عيالها ملوك.
الرسالة المستفادة:
"التدبير نصفُ المعيشة.. والسماحة تُجلب الرزق." اقتصاد البيت هو صمام الأمان في ظل الغلاء، وشطارة الست في إدارة ميزانيتها مهارة لا يُستهان بها. لكن، تذكروا أن رمضان هو شهر الزهد والترشيد، لا التكديس والمبالغة. الفصال مقبول لضبط النفقات، لكن السماحة في البيع والشراء هي التي تجذب البركة وتجعل المال القليل يكفي الكثير. لا تجعلوا همكم هو السعر وتنسوا القيمة.
الخاتمة:
هدأت زينب وقررت أن تطبخ طبقاً واحداً كبيراً ارز بسمتي بالخضار وتوزع الباقي طازجاً على أم السعد وجيرانها، بدلاً من تخزينه.
قالت الجدة هنية وهي تغلق أكياس الخضار: أهو كدة يا زينب.. السوق جاب خيره للبيت وللناس. دي الشطارة اللي تشرح القلب بجد. ربنا يجعل بيتك دايماً عامر بالخير والبركة.
غمز عادل لزينب وقال: خلاص يا ستي، تسلم إيدك على التوفير.. بس المرة الجاية ابقي خدي عمر يشيل مكاني، أنا ركبي سابت!
ضحكت الجدة وقالت: لا يا عادل، ده إنت الوتد متقولش كده، والوتد لازم يشيل الشيلة للآخر!