الصدفة الغريبة
الفصل الثاني: الصدفة الغريبة
مرّت أيام قليلة، لكن صورة ذلك اللقاء الغريب لم تفارق خيال يقين. كانت الكلمات التي قالها محمد عن "القدر" و"رؤية العالم بمنظور مختلف" تتردد في أذنيها كلما فتحت كتاباً أو وقفت أمام طاولة المخبر.
في صباح يوم الثلاثاء، كانت يقين في مخبر الكيمياء الحيوية، تحاول جاهدة ضبط تركيز المحلول في الأنابيب الزجاجية. كانت الأجواء مشحونة بالتركيز، ورائحة المواد الكيميائية تملأ المكان. فجأة، تعثرت يدها وهي تحاول سحب عينة، وكاد الأنبوب أن ينزلق من يدها، لولا يد امتدت بسرعة وثبات لتلتقطه في اللحظة الأخيرة.
رفعت رأسها لتعتذر، لكن الكلمات تجمدت في حلقها. إنه هو! نفس الملامح الهادئة، ونفس النظرة الواثقة.
قال محمد بابتسامة خفيفة وهو يضع الأنبوب في مكانه:
"يبدو أن القلق ما زال يسيطر على يديكِ يا يقين. التركيز في الكيمياء لا يحتاج لعقل ذكي فقط، بل لقلب هادئ أيضاً."
تراجعت خطوة للخلف وقالت بدهشة:
"أنت؟ ماذا تفعل هنا؟ ظننتك في قسم آخر.."
أجابها وهو يعدل مئزره الأبيض الذي لم تلاحظه في المرة الأولى:
"أنا أطبق الجزء العملي من بحث تخرجي في هذا المخبر. يبدو أن الصدفة قررت أن تجمعنا في أكثر مكان تشعرين فيه بالتوتر."
لم تكن "يقين" تدري هل هي صدفة فعلاً أم أن هذا الشاب يتعمد التواجد في طريقها. لكن الغريب في الأمر، هو تلك الورقة الصغيرة التي لاحظت أنها تبرز من بين طيات مذكراتها التي كانت موضوعة على الطاولة، ورقة لم تضعها هي هناك!
سحب محمد قفازاته الطبية وقال قبل أن يغادر نحو طاولة أخرى في نهاية المخبر:
"بالمناسبة، لا تحاولي حل المعادلة رقم 4 في الصفحة الأخيرة، فهي لا تُحل بالورق والقلم، بل بالتجربة والخطأ. تماماً مثل الحياة."
بقيت يقين تنظر إلى ظهره وهو يبتعد، ثم فتحت مذكراتها بفضول لترى تلك الورقة، لتجد مكتوباً فيها بخط يد أنيق:
"الصدفة لا تأتي لمن ينتظر، بل لمن يخطو الخطوة الأولى نحو المجهول."
خفق قلبها بشدة، وتساءلت: "هل محمد مجرد طالب يساعدني، أم أنه يعرف عني أكثر مما ينبغي؟ وكيف وصل إلى مذكراتي؟"