الفصل الأربعون بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
وصلوا إلى المطار أخيرًا بعد طريقٍ خيّم عليه صمتٌ ثقيل.ركن مازن السيارة و أطفأ المحرّك ببطء، ثم ترجل منها وهو يلتقط أنفاسه بعمق. فتح الباب الخلفي قليلًا، وظل ينتظر نزول الفتاتين .
كانت رتيل غارقة في عالمٍ آخر.... تمسك بطرف عباءتها بأصابع مترددة، تشدّه ثم ترخيه، بينما عيناها المرهقتان تتعلّقان ببوابة المطار الواسعة. بوابةٌ زجاجية شفافة، لكنها بدت لها كحدٍّ فاصِلٍ بين حياتين… حياةٍ تعرفها بكل ما فيها من خوفٍ وقيود، وأخرى مجهولة لا تدري ما الذي ينتظرها في ظلالها.
دار في رأسها سؤالٌ مرير
"هل سأذهب فعلًا… أم أتراجع الآن؟"
ابتلعت ريقها، وازدحمت الأفكار في صدرها كأمواجٍ متلاحقة.
ماذا لو كنت مخطئة؟
ماذا لو كان كل هذا مجرد تهوّر؟
ربما… ربما لو تحدثت معهم… ربما كانوا سيرفضون فارس…
توقفت الفكرة .....
حرّكت رأسها بسرعة نافية، كأنها تطرد تلك الخواطر من عقلها قبل أن تضعف عزيمتها.
لا… لقد اتخذت القرار. قرارٌ لا عودة بعده.
مدّت هواجس يدها وربتت على كتفها برفق، وقد لاحظت شرودها الطويل، ثم قالت بنبرةٍ قلقة /رتيل… وش فيك؟ يلا ننزل.
التفتت رتيل إليها ببطء، وأمعنت النظر في وجهها، كأنها تحاول أن تحفظ ملامحه في ذاكرتها. ثم أغمضت عينيها لثوانٍ قصيرة، أخذت خلالها نفسًا عميقًا… قبل أن تفتحهما مجددًا.
وبصمتٍ ثقيل، نزلت من السيارة.كانت تحمل حقيبتها على ظهرها، تسير بمحاذاة هواجس بخطواتٍ هادئة، دخلوا معًا من البوابة الزجاجية الكبيرة للمطار و قد امتد ضجيج المسافرين حولهم كمدٍّ لا يعرف الجزر .
اتجهوا نحو الشاشة المعلّقة التي تعرض مواعيد الرحلات.
رفع مازن رأسه إليها لحظة، يتفحص الرحلات، ثم استدار نحو رتيل وقد استقرّ في عينيه شيءٌ من الجدية /رتيل… انتبهي زين على حالك، ولا تثقين بأي أحد....
توقفت لحظة، تستمع له بكل انتباه.
أكمل /وبالنسبة للجامعة… أنا عندي رفيق بإيطاليا. راح يتولى تسجيلك بالجامعة، وكمان بيساعدك تلقين شقة. خبرته إنك جاية وإنك من معارفي، وأرسلت لك رقمه. راح يستقبلك بالمطار.
رفعت رتيل عينيها نحوه، وفي نظرتها شيء من التردد و قالت بصوت خافت /بس…
قاطعها مازن بهدوء، وقد فهم مخاوفها قبل أن تبوح بھا /لا تخافين. هو رفيقي وأعرفه زين. كل اللي راح يسويه إنه يساعدك بتسجيل الجامعة والسكن… وبس.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ مطمئنة /وإذا احتجتي أي شي… مهما كان… اتصلي. اتفقنا؟
أومأت برأسها ببطء.
ثم أردف مازن وهو يشير نحو الكاونتر /يلا… بحفظ الإله. بلشي بالإجراءات عشان متتأخرين .
أومأت للمرة الثانية، ثم التفتت إلى هواجس وقد امتلأت عيناها امتنانا وشكرا /مشكورين على كل شي… ما قصرتوا....الله يسعدكم ويجازيكم بالخير.
اقتربت هواجس منها خطوة، وامسكت بيدھا ، وقالت بنبرة أخوية حنونة /لا تسوين نفسك غريبة. انتي أختنا… وراح تبقين أختنا للأبد.
ثم أضافت بابتسامة خفيفة /أول ما توصلين… اتصلي علي...
تعلقت عينا الفتاتين ببعضهما للحظات طويلة. نظرات وداعٍ صامتة، حزينة، لكنها ممتلئة بالمحبة .عانقتھا رتيل بشدة ...اخر حضن واخر عناق ...ربما لم تعود الى ھنا أبدا ....
ابتعدتا عن بعضھما وقد لمعت نظرة حزينة في عيني ھواجس فدفعت رتيل للأمام برفق، وقالت مازحة وهي تحاول كسر ثقل اللحظة /تراني راح أبكي… يلا ضفّي وجهك، أحسن ما أكنسل كل شي!
ضحكت رتيل رغم ثقل قلبها وقالت وهي تتراجع خطوة /رايحة رايحة… يلا مع السلامة.
توقفت هواجس في مكانها ولوحت لها بيدها، بينما اتجهت رتيل نحو الكاونتر .
من ثم سلّمت حقائبها وجواز سفرها للموظفة، وبعد أن تم التحقق من أغراضها وهويتها، أعطتها الموظفة بطاقة الصعود إلى الطائرة ورقم البوابة.
حملت رتيل حقيبتها وجواز سفرها، ثم استدارت خلفها.رأت هواجس ومازن يقفان من بعيد.
تأملت ملامحهما طويلًا…رفعت يدها ولوّحت لهما
ثم التفتت، وأكملت سيرها.
وصلت أخيرًا إلى بوابة الطائرة، وبدأ المسافرون بالصعود تباعًا. صعدت على متن الطائرة حتى عثرت على رقم مقعدها.وضعت حقيبتها في مكان الحقائب العلوية، ثم جلست.....كان مقعدها قرب النافذة.
أغلقت حزام الأمان، وأخذت تحدق من الزجاج إلى المدرج الواسع، تنتظر الإقلاع.
بعد ساعة من صعود المسافرين والانتهاء من تعليمات الأمان… بدأت الطائرة تتحرك ببطء.
ثم انطلقت....
وها هي تحلّق في السماء.
بعد ست ساعات بين السحاب… هبطت الطائرة في مطار إيطاليا.
فتحت رتيل حزام الأمان ببطء، ونهضت بتعبٍ شديد. جسدها مثقل بالإرهاق...تنفست بعمق و مدّت يدها نحو حقيبتها، ثم توجهت نحو درج النزول.....