انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل الثاني والاربعين - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني والاربعين

الفصل الثاني والاربعين

كلهم بصوت واحد قالوا "قلت إيه؟!" مراد ساند ضهره ومبتسم وبدا يتحسن ، رنيم قاعدة على طرف السرير وماسكة إيده، ورزان جنبه عينيها لسه فيها أثر التعب بس لمعتها بدأت ترجع وهي شايفة "روحها" بيتنفس قدامها.و سامر كان دخل ومعاه بلقيس اللي كان وشها منور بضحكة غريبة اكثر من العادة ، ضحكة صافية ومشرقة لدرجة إنها خطفت الأنظار أول ما عتبت باب الأوضة. سامر كان واقف في نص الأوضة، ماسك إيد بلقيس وبص لمراد وللكل وقال بصوت ماليان فخر وفرحة مكتومة كأنها كانت محبوسة بقالها سنين "يا جماعة.. بلقيس حامل.. إحنا هنبقى بابا وماما أخيراً!" الثانية دي الدنيا وقفت فيها، والسكوت عم المكان لثانية واحدة من الصدمة، وبعدين كلهم بصوت واحد وانفجار فرحة هز جدران المستشفى صرخوا  "قلت إيه؟! إنت بتتكلم جد يا سامر؟!" الخبر وقع عليهم زي المطر في عز العطش؛ سامر وبلقيس بعد خمس سنين صبر، وخمس سنين تمني ودعوات، ربنا أخيراً استجاب ليهم. رزان ورنيم من غير تفكير "نطوا" من مكانهم وجريوا على بلقيس، حضنوها بقوة وهما بيضحكوا ويبكوا في نفس الوقت، وبلقيس كانت بتضحك وسط دموعها وهي مش مصدقة إن الحلم اللي استنته خمس سنين بقى حقيقة ملموسة في بطنها. مراد رسم ابتسامة واسعة أوي على وشه، وبص لصاحبه وعشرة عمره سامر بنظرة كلها حب وامتنان، وكأنه بيقوله "تستاهلها يا صاحبي، والله تستاهلها.. ربنا ما بيضيعش تعب حد." لكن وسط الهرجلة والاحتفال ده، الكل سكت فجأة ولفوا وشهم لمصدر صوت "شهقة" عالية أوي ومكتومة.. شهقة مروان. مروان كان واقف في ركن الأوضة، وشه احمر وعينيه غرقانة دموع، مغطي عينيه بإيده وكأنه طفل صغير تاه من أهله ولقاهم. رنيم بصت لخطيبها بذهول وضحك وهي مش مصدقة إنه مؤسس النواة بفخامته ده بينهار كدة  "مروان؟! إنت بتعيط بجد؟!" مراد وسامر بصوا لبعض وضحكوا من قلبهم، دي "صداقة العمر" اللي بينهم، عارفين إن مروان رغم بدلته الكلاس والقوة، هو أكتر واحد فيهم قلبه رهيف وبيتأثر بأي حاجة تخص "إخواته". سامر ساب بلقيس وقرب من مروان، وبدأ يمسح دموعه ويهزر معاه وهو بيلعب في شعره اللي لسه محتفظ بنعومته من صغره  "يا واد اهدى فضحتنا! لو سمعوك موظفي الشركة هيقولوا علينا إيه دلوقتي؟ ده إنت هتبقى خال العيال يا بطل، شد حيلك بقى!" مروان حاول يداري كسوفه وهو بيمسح وشه بظهر ايده "والله يا سامر غصب عني.. أنا فرحت لكم فرحة مكنتش متخيلها.. أخيراً يا صاحبي، أخيراً ربنا جبر بخاطركم!" الأوضة اتملت ضحك وسعادة، والكل كان بيبارك لبعضه، رزان بصت لمراد وهي حاسة إن ربنا بدأ يفتح لهم أبواب الخير تاني، وإن اللي جاي أكيد هيكون أحسن بكتير من اللي فات، وكأن الطفل اللي جاي ده هو "بشرة الخير" لرجوع حياتهم طبيعية. ______ الساعتين اللي فاتوا كانوا أجمل ساعات عدت على الشلة دي من سنين، الضحك كان مالي الأوضة وصوت الهزار غطى على وجع الأيام اللي فاتت. مروان كان في حالة تانية خالص، بدأ يرسم خطط لابن "أخوه" اللي لسه مجاش، وقعد يقول لسامر "أنا اللي هعلمه السواقة ، وأنا اللي هوديه الحضانة، ومحدش هيقدر يكلمه في المدرسة وأنا موجود!" سامر ومراد كانوا بيضحكوا عليه وعلى طفل مروان اللي بيطلع فجأة في وسط المصايب. وسط الضحكة دي، سامر لمح رزان وهي مندمجة في الكلام مع بلقيس ورنيم، ملامحها بدأت تنطق تاني والحياة رجعت لوشها. سامر ميل على مراد وقال بصوت جدي وهادي عشان ميفصلش البنات عن فرحتهم "مراد..  مساعد المحقق بدر كلمني، وهيعدي عليكم هنا في المستشفى بعد العصر. لازم ياخد الأقوال الرسمية منك ومن رزان، عشان يقدر يبدا في اجرائاته " مراد هز راسه بجدية وهو بيبص لرزان "تمام يا سامر، إحنا جاهزين. رزان لازم تحكي كل اللي شافته، وأنا هقوله على كل الخيوط اللي كانت معايا قبل الحادثة. المرة دي اللعب هيبقى على المكشوف."  رزان بصت ليهم وأكدت بكلامها إنها مستعدة تواجه أي حاجة عشان حق منة وحق جوزها. بعدها الباب خبط ودخلت الممرضة عشان تشيك على علامات مراد الحيوية وتديله جرعة العلاج، وده كان إشارة إن وقت الزيارة خلص ومراد محتاج يرتاح. بلقيس وسامر ودعوهم بحب، ورنيم قررت تروح البيت تجيب هدوم وحاجات لمراد ولرزان وترجع تاني. وهما خارجين في الطرقة، مروان استنى رنيم ومسك إيدها فجأة بحنان، رنيم ضحكت بخجل وبصت في عيونه وهي بتقوله  "إيه يا سيادة الخطيب؟ لسه عينك مدمعة ولا خلاص بقيت جامد؟ بصراحة شهقتك دي مش هنسهالك طول العمر!" مروان ضحك من قلبه وشد على إيدها "يا قلبي دي دموع فرحة، وبعدين اللي يحب أهله وصحابه كدة لازم يدمع.. اجهزي بقى عشان لما نخلص الحوار ده، الفرحة الجاية هتكون في بيتنا إحنا." ابتسامتها وسعت ونزلت راسها بخجل لكن اول ما قالها  " يخربيت اللي يخجل ، مش عارفك خجولة كده يا رنيم "  بصتله بعصبية ودفشت ايده بضيق مزيف وهو ضحك وسار وراها وهو ينادي باسمها باستفزاز عشان يوصلها .  ______ بعد ما الممرضة خرجت وقفلت الباب، الأوضة رجعت تانى هادية ومفيش فيها غير أنفاسهم. رزان كانت واقفة جنب السرير، عينيها مش بتنزل من على مراد، بتفلي كل حتة فيه بخوف وحرص. قربت منه وسألته باهتمام  "مراد، قولي بجد، عايزني أعدلك المخدة؟ رقبتك مش وجعاكي من البتاع اللي هما ملبسينهولك ده؟" (كانت تقصد دعامة الرقبة الطبية اللي لابسها). مراد ابتسم بحنان وهز راسه بـ "لأ" خفيفة، ومد إيده مسك إيدها وشدها عليه براحة. رزان ابتسمت وجت تقعد على الكرسي اللي جنب السرير، بس مراد ضغط على إيدها وقال بنبرة فيها رجاء خفيف "لأ.. .. تعالي في حضني يا رزان." رزان اتخضت وقالت بقلق جمل سريعة ومتكررة "حضنك إيه يا مراد! إنت لسه طالع من عمليات وجروحك لسه طرية، وبعدين دراعك ده والنيابة اللي هتجيلنا.. لازم ترتاح يا حبيبي، أنا لو قربت منك ممكن أضغط على حاجة وتتعب." مراد بص في عينيها بنظرة خلت قلبها يضعف، وقال بصوت واطي ومبحوح "الراحة مش في السرير ده ولا في المحاليل دي.. الراحة إني أحس إنك جنبي بجد، إن الكابوس ده خلص وإنتي في حضني.. تعالي وما تخافيش، أنا عارف جروحي فين." رزان حاولت تقاوم بقلة حيلة وقالت "طيب افرض الدكتور دخل فجأة؟ ولا الممرضة جت تدي حقنة؟ هيقولوا إيه علينا؟ " مراد ضحك ضحكة خفيفة رغم التعب وقال بـ "عنجهية" مراد المعهودة  "دكتور مين وممرضة مين؟ محدش يقدر يفتح بؤه معاكي وأنا موجود.. وبعدين إنتي مش عارفة إنك أساساً علاجي؟ إنتي اللي هتقوميني على رجلي." رزان بصتله بذهول وبعدها استسلمت قدام إصراره، وطلعت السرير جنبه بحذر شديد جداً، كانت بتتحرك وكأنها ماشية على بيض، خايفة تلمس أي جرح أو توجعه. و أول ما استقرت في حضنه ومراد ضمها بدراعه السليم، سمعت منه تنهيدة طويلة وعميقة، كأنه كان حابس نَفَسه بقاله أيام وطلعه دلوقتي. رفعت راسها وبصتله بتوتر  "في إيه يا مراد؟ تعبان؟ أنزل؟" مراد ماسابهاش تنطق، وسند ذقنه على راسها وهو مغمض عينيه براحة، فابتسمت هي ودفنت وشها في كتفه. فضلوا شوية في صمت تام، بيستمدوا القوة من بعض، وكأنهم بيغسلوا وجع  اللي فاتت في اللحظة دي. بعد شوية، رزان حبت تطمنه وقالتله بصوت هادي "مراد، اطمن على منة.. أنا سألت الممرضة ونزلت شفت مامتها. هي صحيت شوية وتكلمت معاهم، بس نامت تاني بسرعة عشان الأدوية وتعب العملية.. هي بقت أحسن بكتير والله." مراد اتنهد بوجع وقال  "أنا آسف يا رزان.. آسف على كل اللي حصل لمنة، وآسف أكتر على اللي عشتيه وإنتي لوحدك في غيابي.. أنا ورطتك في عالم ملوش أمان، وكان ممكن أخسرك بسببي." وفجأة، ملامح مراد اتغيرت، وعصب بخوف حقيقي وبص لرزان بحدة  "بس إنتي كمان غلطانة! إزاي تدخلي نفسك في الحوارات دي؟ إزاي تقرري تروحي المركز وتجازفي بحياتك كدة؟ إنتي كنتي عايزة تموتيني بجد لو جرالك حاجة؟" رزان اتصدمت من التحول المفاجئ لمراد، وبعدين غصب عنها ضحكت ضحكة رقيقة وسط كل ده ، فمراد كشر بطفولية وقال بضيق  "إيه اللي بيضحك؟ أنا بتكلم بجد، الموضوع ده مايضحكش خالص!" رزان رفعت إيدها ومسحت على خده بنعومة وقالت بصوت ماليان حب "بضحك عشان رجعت مراد اللي بيخاف عليا وبيهزأني.. يا حبيبي أنا مكنتش شايفة قدامي غيرك، مكنتش هسمح لحد يلمس ورقة تخصك.. وبعدين المهم إننا مع بعض دلوقتي، صح؟" مراد هدي أول ما لمست وشه، ومسك إيدها اللي كانت بتمسد عليه وباسها بكل حنان، ورجع يبتسم تاني. وقضوا بقية الوقت يتكلموا في مواضيع عشوائية، يفتكروا مواقف قديمة، يهزروا ويضحكوا، وكأنهم بيحاولوا يسرقوا دقايق فرح قبل ما "المحقق بدر" يوصل ويبدأ وقت الجد. واحدة من المواضيع اللي اتكلموا فيها بابتسامة واسعة عن بلقيس وسامر، وإزاي خبر  الحمل ده كان "الروح" اللي ردت فيهم كلهم. رزان كانت بتحكي بإنبهار عن شكل بلقيس وهي ميتة فرحة ، وسعادة سامر اللي مكنتش سايعاه الأرض. ​وفجأة، صوتها هدي خالص، وبدأت ملامحها تتغير، وشها اتلون بـ "حمرة" خجل غريبة، وعينيها بدأت تهرب من عين مراد وهي بتفرك صوابعها بتوتر واضح. همست بصوت يدوب مسموع  "مراد.. أنا كمان عايزة.. نفسي بجد." ​مراد مكنش مركز، أو يمكن التعب خلاه ما يلقطش الإشارة بسرعة، فبصلها باستغراب وقال "عايزة إيه يا حبيبي؟ " ​رزان رفعت عينيها وبصتله بصدق وعفوية، وقالت والتوتر واكلها  " انا لما  شفت بلقيس النهاردة، وشفت الفرحة في عين سامر، وحرص بشرى على ابنها طيلة الوقت حتى لو بتشتغل.. حسيت إن قلبي دق. إحنا عمرنا ما اتكلمنا في الموضوع ده صح، ولا رتبنا هنجيب ولاد دلوقتي ولا لأ، بس بجد يا مراد.. نفسي أجرب الإحساس ده.. حلو أوي إن يبقى فيه حاجة حتة مني ومنك، تربطنا ببعض أكتر.. أنا عمري ما طلبت ده، بس اللحظة دي خلتني أحس إنه ده وقته." ​مراد فضل ساكت تماماً، ملامحه كانت هادية بس عينه ثابتة عليها، ماردش ولا بكلمة. رزان توترت أكتر، وافتكرت إن كلامها ممكن يكون ضايقه أو إنه مش بيفكر في الموضوع دلوقتي، فرفعت راسها بسرعة تبصله، ولقت نظرته فيها نوع من "الاستياء" الخفيف أو العتاب. ​لسه هتعتذر أو تغير الكلام، لقته بيقول بنبرة رجولية فيها شوية إرتباك واستياء  "يعني إنتي يا رزان استنيتي لما بقيت مرمي في السرير ومتربط بالشاش والجبيرة كدة.. عشان تقولي الكلمة دي؟" ​رزان وشها بقى "طماطم" من الخجل، وقبل ما تنطق، مراد كمل وهو بيضغط على إيدها بحنان ومكر في نفس الوقت "ماشي يا قلبي.. استني عليا بس، وحياة غلاوتك عندي أول ما أقوم من السرير ده وأقف على رجلي، هحققلك الرغبة دي وهنشوف وقتها مين اللي هيشيل المسؤلية.. أنا ماعنديش أغلى منك ومن حتة منك تربطنا ببعض العمر كله." ​رزان خبت وشها في كتفه بكسوف، وضحكت ضحكة مكتومة، ومراد فضل يضحك عليها وهو بيشدها لحضنه أكتر، وكأن الأمنية دي بقت هي "الحافز" اللي هيخليه يقوم ويتحدى الوجع عشان يبني العيلة اللي رزان بتحلم بيها. ________ الأوضة كانت هادية، مبيقطعش سكونها غير صوت مروان اللي مكنش بيبطل ثرثرة وهو بيحكي عن بطولاته الوهمية، وسامر ومراد ورزان بيسمعوه بابتسامة غلب عليها قلة الحيلة، لحد ما الباب خبط خبطة خفيفة. اتفتح الباب وظهر أحمد، مساعد المحقق بدر، بابتسامة عملية نصها رسمي ونصها مجاملة وقال "مساء الخير يا جماعة.. إحنا جينا عشان الاستجواب، ونوعدكم إننا مش هناخد من وقتكم أكتر من دقايق بسيطة." مروان رحب بيهم بسرعة  "اتفضلوا يا فندم، البيت بيتكوا.. قصدي المستشفى مستشفاكم." ومراد أيد كلامه بكلمة "اتفضلوا" هادية وهو بيعدل نفسه . دخل بدر بخطواته البطيئة ، وشه كان زي الكتاب المقفول، وتقدم لحد ما بقى قدام السرير.. دي كانت أول مرة عينه تيجي في عين مراد شاكر وجهاً لوجه. بدر هز راسه وقال "حمد لله على السلامة يا سيد مراد..."  مراد رد عليه بأسلوبه المحترم والمترزن "الله يسلمك يا سيادة المحقق، تعبناكم معانا." سامر ومروان بدأوا يلموا موبايلاتهم عشان يخرجوا، لأن قانوناً هما أدلوا بأقوالهم قبل كدة. بس مروان، بفضوله اللي مبيخلصش، وقف عند الباب وسأل بدر "يا حضرة المحقق، هو لما رزان تشهد دلوقتي، شهادتها هتكون كافية إنها ترمي بلال في السجن للأبد، صح؟" بدر بصله بنظرة غامضة ورد بجملة واحدة مقتضبة  "ده كان المفروض." مروان أومأ براسه من غير تركيز وهو بيلف عشان يخرج، بس مراد وسامر انتبهوا للكلمة، والاتنين سألوا في نفس الوقت باستغراب  "قصدك إيه بكلمة (كان) دي؟" هنا أحمد، المساعد، مقدرش يمسك لسانه واتدخل بسرعة وهو بيعلن الخبر  "المشتبه به بلال اتوفى يا جماعة.. لقينا جثته مرمية في المينا النهاردة الفجر، والمعاينة المبدئية بتقول إنها عملية قتل وتصفية حسابات." بدر لف لـ أحمد ونظره له نظرة نارية "تخرس الحجر"، وهو مضيق عينيه اللي اساسا كانت صغيرة أحمد ضحك بتوتر وبص في الأرض، وعارف إنه "بقّه فلت" واتكلم في تفاصيل كان المفروض بدر هو اللي يمهد لها. الصدمة نزلت على الأربعة زي الصاعقة.. الأوضة سكتت تماماً. مروان كان أول واحد ينطق، رسم ابتسامة باهتة ونبرة فيها سخرية   "وده جزاته.. اللي يبيع أهله وصحابه لازم نهايته تكون كدة." وداهم ضهره وطلع بسرعة . مراد ملامحه مكنتش مفهومة، عينه كانت بتلمع بغضب مكتوم وصدمة وحزن على صاحب عمره اللي ضاع في سكة الشمال، بص لسامر نظرة "فهم"، وسامر فهم الرسالة فوراً وخرج يلحق مروان عشان ميسيبهوش لوحده . رزان كانت هي الثانية مصدومة من التطورات ، بس حاولت تتماسك ، وبصت لبدر وقالت  "اتفضل يا سيادة المحقق، اقعد عشان نبدأ.." وقبل ما تكمل جملتها، كان بدر أساساً سحب الكرسي وقعد بمنتهى الحزم والهدوء، وفتح الملف اللي في إيده. رزان قعدت جنب مراد على الكرسي ، ماسكة إيده بقوة كأنها بتستمد منه الشجاعة، وبدر بدأ يوجه أول سؤال وهو عينه مش بتفارق ملامحهم.. _____ كان واقف في آخر الرواق، ساند راسه على الحيطة الباردة، وجملة "بلال مات" بتخبط في دماغه زي المطرقة. كان بيحاول يقنع نفسه إن الموضوع ميهمهوش، إن بلال خاين ويستاهل، بس قلبه مكنش مطاوعه. وفجأة، الحصن اللي بناه انهار، واجهش بالبكاء مرة واحدة، شهقات مكتومة وطالعة من وسط ضلوعه. سامر كان بيدور عليه، وأول ما لمحه من بعيد نادى عليه بصوت هادي "مروان.." مروان أول ما سمع اسمه، لف بسرعة وأدا لسامر ضهره، مش عايز حد يشوف انكساره، ولا عايز صاحبه الذكي يشوف دموع شريكه اللي علا طول ايجابي ومبتهج. رفع إيده بإشارة "إيقاف" لسامر وهو لسه بيدي له ضهره، وصوته طالع مهزوز ومقطع  "ماتقربش يا سامر.. أنا مش ببكي عليه.. بلال مايستحقش.. ده حقير وخاننا.. ده كان عايز يموت مراد ... أنا مش زعلان عليه!" بس الغريبة إن كل كلمة كان مروان بيقولها ضد بلال، كانت بتخليه ينهار أكتر، ودموعه تنزل بغزارة أكبر. سامر تنهد بحزن عميق وقرب منه بخطوات بطيئة لحد ما وقف وراه بالظبط. سامر كان فاهم الوجع ده جاي منين؛ هو ومراد عرفوا بلال في الجامعة، كانت صحوبية كبار، لكن مروان.. مروان ده حكاية تانية. مروان وبلال دول "عشرة الحارة"، العيال اللي جريوا حفا ورا الكورة ، اللي اتقاسموا الساندوتشات في المدرسة، اللي كبروا وهم بيحلموا بكل حاجة مع بعض. مروان هو اللي اتوجع لما بلال سابهم وشكك في حلمهم، وهو اللي جاهد نفسه مية مرة عشان ما يضعفش قدام "عشرة العمر" ويقف في صف بلال ضد مراد. وهو اللي قلبه اتعصر لما شافه راجع يشاركهم في "مدينة الذكاء الاصطناعي" وهو شايل غلّ في قلبه. سامر حط إيده على كتف مروان وضغط عليها بحنان وقال بصوت واطي  "طلّع اللي جواك يا مروان.. ما تمثلش علينا ولا على نفسك. " مروان لف لسامر، وشه كان غرقان دموع وعينيه حمرا زي الدم، وبدأ يتكلم كلام مبعثر وكل نَفَس فيه طالع بوجع  "عارف يا سامر؟ أنا مش ببكي على بلال الشريك الخاين.. أنا ببكي على بلال اللي كان بيقعد معايا على الرصيف نحلم بمستقبلنا.. ببكي على الواد اللي كان يخبي عليا لما اغلط عشان أبويا ما يضربنيش.. ليه عمل في نفسه وفينا كدة؟ كان ناقصه إيه عشان يروح يرمي نفسه في حضن واحد بلا قلب؟ ليه اختار إنه يموت مقتول ومنبوذ وخاين؟ أنا كنت مستعد أسجنه بإيدي يا سامر، كنت هروح أوديه الزنزانة وأنا قلبي بيتقطع، بس على الأقل كنت هعرف إنه لسه بيتنفس.. لكن دلوقتي؟ دلوقتي مات وهو شايل ذنبنا كلنا.. مات وهو عدونا!" مروان كمل وهو بيشهق بصوت يقطع القلب "أنا مش قادر أنسى شكله وهو صغير.. مش قادر أمسح ذكرياتنا مع بعض.. الخيانة بتموت يا سامر، بس الموت بيخليك غصب عنك تفتكر الوش النظيف اللي كان لصاحبك قبل ما الشيطان يلحس دماغه." سامر شد مروان لحضنه، وطبطب على ضهره بقوة وقال بنبرة ماليانة حزن وحكمة  "محدش فينا هيلومك يا مروان.. ولا أنا، ولا حتى مراد اللي بلال كان عايز يدمره. مراد نفسه أول ما سمع الخبر عينه لمعت بوجع ميتوصفش. بلال مهما عمل، بيفضل حتة من ماضينا، حتة من عمرنا اللي راح. الحزن عليه مش ضعف، ده دليل إنك بني آدم نظيف وقادر تسامح في لحظة الموت. هو اختار نهايته يا صاحبي، والوجع ده هو التمن اللي إحنا بندفعه عشان كنا بنحبه بجد في يوم من الأيام." فضلوا واقفين في الرواق، صوت بكاء مروان الهادي هو اللي مسموع، وسامر سنده بقلبه قبل إيده، في لحظة وداع لصاحب ضل الطريق وانتهى نهاية مأساوية.. نهاية "خاين" بس في قلوب أصحابه لسه فيه "وجع" على الشاب اللي كان يوماً ما أخوهم.