الفصل 11
كان الليل هادئًا في الفيلا الكبيرة…
لكن ذلك الهدوء لم يكن مريحًا، بل كان ثقيلًا… كأنه يخفي خلفه شيئًا ينتظر اللحظة المناسبة للانفجار.
الأضواء الخافتة كانت تملأ الممرات الطويلة، وصوت الريح الخفيف يتسلل من النوافذ الواسعة.
كل شيء في المكان يوحي بالسكينة… لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
في غرفة المكتب الكبيرة، جلست ديم خلف الطاولة الخشبية العريضة.
الأوراق القانونية كانت مبعثرة أمامها، وملفات قديمة مفتوحة فوق بعضها.
كانت تقلب الصفحات بتركيز شديد، وقلمها يتحرك أحيانًا لتدوين ملاحظات صغيرة في دفترها.
على الرغم من الهدوء حولها… كان عقلها يعمل بسرعة.
فجأة فُتح باب المكتب بهدوء.
دخل كنان وهو يحمل كوب قهوة سوداء، وبدا عليه الإرهاق بعد يوم طويل في الشركة.
توقف عند الباب لحظة وهو يراقبها.
ثم قال بنبرة هادئة:
"لسه ما نمتي؟"
رفعت ديم رأسها ببطء.
كان التعب واضحًا في عينيها، لكنها ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"مو وقته النوم."
اقترب كنان من الطاولة ووضع كوب القهوة أمامها.
"واضح إنك ناوية تسهرين للصبح."
قالت وهي تنظر للأوراق:
"إذا لزم الأمر."
جلس كنان على الكرسي المقابل لها.
ثم سأل بفضول:
"لقيتي شيء؟"
تنهدت ديم قليلًا… ثم أغلقت أحد الملفات ببطء.
"أكثر مما توقعت."
عقد كنان حاجبيه.
"وش يعني؟"
سكتت لحظة… كأنها تفكر إن كان يجب أن تخبره الآن أم لا.
ثم دفعت نحوه ورقة من الملف.
أخذها كنان وبدأ يقرأ.
كلما تقدم في السطور… بدأت ملامحه تتغير.
حتى توقف فجأة.
قال ببطء شديد:
"هذا… توقيع أبوي."
هزت ديم رأسها بهدوء.
"إيه."
رفع نظره لها، وبدت الحيرة واضحة في عينيه.
"لكن…"
قالت ديم بهدوء وهي تشير إلى عدة أوراق أخرى:
"التوقيع مزور."
تجمد كنان في مكانه.
"وش؟!"
قالت وهي تقلب صفحة أخرى:
"قارنت هذا التوقيع مع وثائق رسمية ثانية من نفس الفترة… الفرق واضح."
اقترب كنان أكثر من الطاولة.
"تقصدين أحد قلد توقيع أبوي؟"
أومأت ديم.
"بدقة عالية… لكنه تقليد."
جلس كنان للخلف ببطء… ومرر يده على وجهه بتوتر.
"يعني أحد زور توقيع أبوي… عشان ينقل ملكية الأرض؟"
قالت ديم:
"هذا الاحتمال الأقوى."
سكت للحظات.
ثم قال بصوت منخفض:
"كل شيء يزداد تعقيد."
قالت ديم بجدية:
"الموضوع مو بس قضية أرض."
رفع كنان عينيه لها.
"أنا بدأت أشك إن فيه شيء أكبر صار قبل ثلاثين سنة."
في نفس اللحظة…
في غرفة الجلوس الكبيرة في الفيلا.
كانت وسن جالسة وحدها على الأريكة.
بين يديها صندوق خشبي قديم كانت قد وجدته في المخزن قبل قليل.
الصندوق كان مغبرًا قليلًا… وكأنه لم يُفتح منذ سنوات طويلة.
مسحت الغبار عنه ببطء… ثم فتحته.
كان بداخله مجموعة من الصور القديمة… ورسائل… وبعض الأوراق.
بدأت تقلبها بفضول.
صور لعائلتها وهي صغيرة.
صور قديمة لسراج مع أطفال صغار.
ابتسمت قليلًا وهي تنظر لها.
لكن فجأة… توقفت.
كانت هناك ورقة مطوية بعناية.
فتحتها ببطء.
بدأت تقرأ السطر الأول…
ثم الثاني…
وفجأة…
اتسعت عيناها.
همست بصوت بالكاد يُسمع:
"مستحيل…"
ارتجفت يدها وهي تعيد قراءة الورقة.
كانت شهادة تبني.
وبالاسم المكتوب فيها…
كان اسمها.
وسن.
ارتجف صوتها وهي تهمس:
"أنا… متبنية؟"
شعرت وكأن الأرض تميد تحتها.
كل ذكرياتها…
طفولتها…
عائلتها…
فجأة أصبحت مشوشة.
في تلك اللحظة…
دخل ريان إلى الغرفة.
كان يمسك هاتفه، لكنه توقف فورًا عندما رأى وجهها الشاحب.
اقترب منها بسرعة.
"وسن؟ وش فيك؟"
رفعت رأسها ببطء.
عيناها كانتا ممتلئتين بالصدمة.
رفعت الورقة بيد مرتجفة.
"ريان…"
صوتها كان ضعيفًا.
"أنا مو بنتهم."
اقترب منها بسرعة وأخذ الورقة.
قرأها… ثم صمت.
كان الصمت طويلًا.
ثم قال بهدوء:
"يمكن فيه تفسير."
ضحكت وسن ضحكة قصيرة مليئة بالألم.
"تبني يا ريان… وش تفسيره؟"
جلس بجانبها.
"حتى لو…"
نظر لها مباشرة.
"أنتِ أختي."
لمعت الدموع في عينيها.
لكنها لم تقل شيئًا.
كانت تنظر للأرض… كأنها تحاول استيعاب ما يحدث.
في الخارج…
في الحديقة الواسعة خلف الفيلا.
كان كنان وريان يقفان قرب الأشجار.
الهواء البارد يمر بينهما.
قال كنان بقلق:
"الأمور تزداد سوء."
رد ريان بحدة خفيفة:
"الغريب يقول إن واحد منا مو ابن أبونا…"
ثم أضاف:
"والحين تبني وسن."
نظر له كنان.
"أنت تفكر نفس اللي أفكر فيه؟"
رد ريان مباشرة:
"أكيد."
قال كنان ببطء:
"أحد يلعب فينا… من زمان."
ساد الصمت بينهما.
لكن هذا الصمت كان مختلفًا.
شيء غير مريح بدأ يتسلل.
الشك.
للحظة قصيرة…
نظر كنان لريان.
وريان نظر له.
كل واحد منهما يفكر في نفس السؤال…
لكن لا أحد تجرأ أن يقوله بصوت عالٍ.
هل أحدهما…
ليس من هذه العائلة؟
في مكان آخر…
في مكتب مظلم في أحد المباني القديمة.
كانت مشاعل جالسة خلف مكتبها الكبير.
أمامها شاشة تعرض عدة ملفات وصور.
من بينها… صورة لكنان وريان.
وبجانبها… ملف قديم مكتوب عليه:
"العائلة."
وقف الرجل الذي يعمل معها بجانب المكتب.
قال لها:
"وصلنا الخبر."
رفعت نظرها ببطء.
"أي خبر؟"
قال:
"وسن عرفت إنها متبنية."
ابتسمت مشاعل ابتسامة بطيئة.
"ممتاز."
قال الرجل بقلق:
"لكن ممكن يسبب فوضى أكبر مما توقعنا."
رفعت حاجبها قليلًا.
"الفوضى… هي اللي تكشف الحقيقة."
ثم وقفت من مكانها.
اقتربت من النافذة ونظرت إلى المدينة المظلمة.
وقالت بهدوء:
"وقريب…"
توقفت لحظة.
ثم أكملت:
"راح يبدأون يشكون ببعض."
نظر الرجل إلى الملف.
"وإذا اكتشفوا الحقيقة؟"
ابتسمت مشاعل ابتسامة غامضة.
وقالت:
"وقتها…"
ثم أغلقت الملف ببطء.
"راح تكون متأخرة جدًا."
في الفيلا…
كانت العائلة التي بدت دائمًا قوية…
تبدأ بالتصدع ببطء.
والأسرار…
لم تُكشف بعد بالكامل.
بل كانت هذه فقط…
البداية.