جذور الرمال - الفصل العاشر - بقلم وسن حمد | روايتك

اسم الرواية: جذور الرمال
المؤلف / الكاتب: وسن حمد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل العاشر

الفصل العاشر

كان الصباح ثقيل في مقر الشركة العائلية. المبنى الزجاجي العالي في قلب المدينة يعكس ضوء الشمس الساطع، والسيارات تمر في الشارع أسفله بشكل طبيعي كأن العالم كله يمشي كما هو. لكن داخل المبنى… الأجواء مختلفة تمامًا. السكرتيرات يتحركن بسرعة في الممرات. الهمسات تنتقل بين الموظفين. والكل يعرف أن هناك مشكلة كبيرة. في الطابق العلوي، تحديدًا في قاعة الاجتماعات الرئيسية، كانت الأبواب مغلقة. داخل القاعة جلس أعضاء مجلس الإدارة حول الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب داكن فاخر. الجو مشحون. في مقدمة الطاولة جلس سراج. ظهره مستقيم كعادته، يديه متشابكتان فوق الطاولة، ونظرته تمر على الجميع بهدوء… لكنه هدوء ثقيل. على يمينه جلس كنان. أمامه مجموعة أوراق كثيرة، يقلبها ببطء، لكن واضح أن عقله ليس فقط في الأوراق… بل في كل ما يحدث حولهم. وعلى يسار سراج جلس ريان. كان أقل هدوءًا. حرك قدمه تحت الطاولة بعصبية خفيفة، وأصابعه تضرب على الخشب بدون وعي. ثم فُتح باب القاعة. دخلت ديم. كانت تحمل ملفًا سميكًا بيدها، وخطواتها هادئة لكن واثقة. وقفت عند الطاولة وقالت: "صباح الخير." رد سراج: "صباح النور يا ديم… تفضلي." تقدمت وضعت الملف على الطاولة وفتحته. نظرت للحاضرين واحدًا واحدًا. ثم قالت بجدية: "وصلنا صباح اليوم إخطار قانوني رسمي." تحرك ريان في مكانه فورًا. "من الغريب؟" هزت ديم رأسها ببطء. "إيه." تنهد كنان وهو يسند ظهره للكرسي. مرر يده على وجهه قليلاً. "وش يبي هالمرة؟" قالت ديم وهي تقلب الصفحات داخل الملف: "رفع دعوى رسمية يطالب فيها بوقف المشروع بالكامل… إلى أن يتم التحقيق في ملكية الأرض." ساد الصمت في القاعة. الصمت هذه المرة… ثقيل. أحد أعضاء المجلس، رجل في الخمسينات، قال بانزعاج واضح: "وقف المشروع؟! هذا مستحيل." ردت ديم بواقعية: "لو المحكمة قبلت الدعوى… ممكن يصير." ريان ضرب الطاولة بيده بخفة. "هذا ابتزاز واضح." أحد الأعضاء قال: "يبغى فلوس… أكيد." لكن سراج رفع يده قليلًا. وسكت الجميع. قال بصوت هادئ لكنه حازم: "خلونا نفهم الموضوع كامل قبل ما نحكم." نظرت ديم لورقة أخرى. "هو يدّعي إن عنده مستندات تثبت إن الأرض انتقلت لعائلتكم بطريقة غير قانونية قبل ثلاثين سنة." بدأت الهمسات تنتشر في القاعة. كنان نظر لسراج مباشرة. "أبوي… أنت تعرف شيء عن هالموضوع؟" كل العيون اتجهت لسراج. بقي صامت لحظة. ثانية. ثانيتين. ثم قال: "لا." لكن نبرته… لم تكن مقنعة تمامًا. ريان لاحظ ذلك فورًا. مال قليلًا للأمام وحدق فيه. "متأكد؟" رفع سراج نظره له بحدة خفيفة. "قلت لا." الصمت عاد. لكن هذه المرة… كان فيه توتر حقيقي. تدخلت ديم بسرعة محاولة تهدئة الجو: "حالياً أهم شيء نركز على الرد القانوني." أومأ كنان. "طيب… وش وضعنا قانونياً؟" تنهدت ديم. "الوضع مو بسيط." قال ريان بحدة: "ليش؟" قالت وهي تشير للأوراق: "بعض الوثائق القديمة ناقصة… وبعضها فيه تناقض." تجمد كنان. "تناقض؟" هزت رأسها. "التواريخ في بعض العقود مو متطابقة… وفي توقيعات ما عندنا نسخة أصلية منها." أحد أعضاء المجلس قال بقلق: "يعني ممكن المحكمة تشكك فيها؟" قالت ديم: "ممكن." بدأ القلق ينتشر. أحد الأعضاء قال: "لو توقف المشروع… بنخسر ملايين." آخر قال: "والأسهم ممكن تنزل بسرعة." ريان قال بعصبية: "ما راح نخلي واحد مجهول يخرب كل شيء." لكن سراج كان يفكر. نظر للجميع. ثم قال بحزم: "المشروع ما راح يتوقف." ثم التفت لديم. "ابذلي كل اللي تقدرين عليه." قالت بثقة: "أكيد." لكن داخلها… كانت تعرف أن القضية أعقد مما تبدو. بعد الاجتماع خرج أعضاء المجلس تدريجيًا. الأصوات خفتت في الممر. بقي كنان واقف قرب النافذة الزجاجية الكبيرة. المدينة تمتد تحته. السيارات الصغيرة تتحرك كالنقاط. دخلت ديم بهدوء. وقفت بجانبه. قالت: "أنت مو مرتاح." تنهد كنان. "واضح؟" ابتسمت بخفة. "واضح جدًا." ظل ينظر للخارج. ثم قال: "الغريب هذا… ما جاي بس عشان الأرض." نظرت له. "تقصد كلامه عنكم؟" هز رأسه قليلًا. "لو كان يكذب… ليش كل هالوثائق؟" سكتت ديم لحظة. ثم قالت بلطف: "الحقيقة دايم تظهر بالنهاية." نظر لها كنان. لأول مرة… ملامحه خفت قليلًا. "وجودك معنا فرق كثير." ابتسمت. "أنا هنا عشان العدالة… مو عشانكم." رفع حاجبه. "أكيد؟" ضحكت بخفة. "تقريباً." وللحظة قصيرة… وسط كل الفوضى… كان هناك هدوء بسيط بينهم. لكن هذا الهدوء… لم يدم. في الممر كان ريان واقف بعيد قليلاً، يراقبهم بدون ما يقصد. لاحظ ابتسامة كنان. شد فكه قليلاً. ثم أدار وجهه ومشى. ليس لأنه غاضب… بل لأن الأفكار في رأسه كانت كثيرة. كلام فهد. الاختلاف الجيني. الأرض. وأبوه. كل شيء بدأ يختلط. في مكان آخر في مكتب مظلم في أحد المباني القديمة. كانت مشاعل جالسة خلف مكتبها. الستائر مغلقة. والضوء الوحيد يأتي من شاشة كبيرة أمامها. الشاشة تعرض أخبار الشركة. عنوان الخبر كان واضح: "دعوى قانونية تهدد مشروع العائلة الكبير." ابتسمت مشاعل ببطء. ثم قالت بهدوء: "تمام… كل شيء يمشي مثل ما خططت." الرجل الذي يقف بجانبها فتح ملفًا. قال: "والخطوة الجاية؟" أغلقت مشاعل الملف بيدها. ثم قالت بنبرة باردة: "الخطوة الجاية…" توقفت لحظة. ثم نهضت من كرسيها ببطء. ومشت نحو النافذة. المدينة ممتدة تحتها. ابتسمت ابتسامة غامضة. "نكشف السر الأكبر." رفع الرجل حاجبه. "سر التوأم؟" لم تجب فورًا. لكن ابتسامتها كانت كافية. ثم قالت بهدوء: "لما يعرفون الحقيقة…" "العائلة بتتفكك بنفسها." أطفأت الشاشة. وغرق المكتب في الظلام. العاصفة… لم تبدأ بعد. بل كانت الآن فقط… تتشكل.