غربية بين الجدران
الفصل: غريبة بين الجدران
لم يكن أسوأ ما في السجن هو الجدران العالية…
ولا الأبواب الحديدية التي تُغلق بصوت يشبه نهاية العالم.
الأسوأ… كان الصمت الذي لا تفهمه
انا.لم ألتفت خلفي عندما أُغلقت الأبواب الثقيلة…
وكم شقني صوت الحديد كان وكأنه يعلن بداية حياة أخرى.
دفعتني الحارسة إلى داخل الزنزانة ببرود،
وقالت دون أن تنظر إليّ:
"هنا… ستتعلمين كيف تعيشين مع الصمت."
نظرت حولي…
جدران باردة، أرض قاسية، ووجوه لا تشبه الحياة.
في ذلك السجن المتوحش لم يكن الألم في القيود…
بل في الأيام التي تمر ببطءٍ قاتل.
في الليلة الأولى لم أنم.
كنت أسمع صرخات بعيدة،
وخطوات الحراس في الممر الطويل.
جلست في زاوية الزنزانة وقلت في نفسي:
ربما كان هذا هو الثمن…
ثمن الطريق الذي اخترته.
لكن الغريب أن الخوف لم يكن يسكنني كما توقعت،
كان هناك شيء آخر…
شيء يشبه الهدوء بعد العاصفة.
مرت الأيام ثقيلة،
وكنت أتعلم كل يوم درسًا جديدًا عن البشر.
بعض السجينات كنَّ أكثر قسوة من السجن نفسه،
وبعضهن يحملن قصصًا أشد ألمًا من قصتي.
ادركت ان قصتي ستبدأ من جديد هنا ستبدأ من خطأ انا ارتكبته ستبدأ من خيانة وستنتهي هنا فاما ان اخرج بعز النفس في حرية او ان اهرب واكون من النسي المنسي
...
كانت علا تجلس على سريرها الحديدي الضيق، تحدّق في السقف الرمادي الذي بدا وكأنه يضغط على صدرها. حولها أصوات كثيرة… نساء يتحدثن بسرعة، يصرخن، يضحكن أحيانًا… لكن الكلمات كانت بالنسبة لها مجرد أصوات غريبة، كأنها لغة قادمة من كوكب آخر.
البرتغالية.
لغة لم تسمعها من قبل إلا في المطار…
وفي المحكمة…
ويوم سُحبت منها حقيبتها.
كانت تفهم شيئًا واحدًا فقط…
أنها وحدها.
في الزنزانة كانت هناك أربع نساء أخريات. واحدة طويلة بشعر أصفر قصير، تضحك دائمًا بطريقة مستفزة. أخرى ممتلئة الجسد بعينين حادتين لا تنظران إليها إلا بازدراء. والثالثة شابة بوجه بارد كالحجر.
كانوا يتحدثون… ثم ينظرون إليها… ثم يضحكون.
لم تكن تحتاج أن تفهم اللغة لتفهم المعنى.
التنمر لغة عالمية.
في الليلة الأولى حاولت أن تسأل إحداهن بالإنجليزية:
"Do you speak English?"
لكن المرأة ضحكت… وقلدت نطقها بطريقة ساخرة، ثم قالت شيئًا بالبرتغالية جعل الأخريات ينفجرن ضحكًا.
لم تقل علا شيئًا بعدها.
تعلمت بسرعة أن الصمت أحيانًا هو الطريقة الوحيدة للبقاء.
لكن السجن ليس مكانًا يتركك بسلام.
في أحد الأيام أثناء توزيع الطعام، تقدمت امرأة ضخمة ودَفعت صحن علا من يدها عمدًا. سقط الطعام على الأرض.
ضحكت المرأة وقالت شيئًا لم تفهمه… لكن نبرة صوتها كانت واضحة: إهانة.
انحنت علا بهدوء وجمعت الصحن من الأرض.
كانت تعلم أن أي رد… قد يحولها إلى فريسة.
في الليل كانت تسمع البكاء.
ليس بكاءً واضحًا… بل ذلك النوع من البكاء الذي يحاول صاحبه خنقه في صدره حتى لا يسمعه أحد.
أحيانًا كانت تدرك بعد لحظات…
أن الصوت خرج منها هي.
مرت الأسابيع ببطء قاتل.
كانت الساعات في السجن لا تمشي… بل تزحف.
وفي أحد الأيام، حدث شيء غريب.
دخلت حارسة السجن ونادت اسمها بلكنة ثقيلة:
"عولا… عولا!"
رفعت علا رأسها بتردد.
أشارت الحارسة لها أن تتبعها.
لم تفهم لماذا.
سارت خلفها عبر الممرات الطويلة. أبواب حديدية تُفتح… ثم تُغلق خلفها. صدى الخطوات يملأ المكان.
حتى وصلتا إلى باب مختلف.
عندما فتحته الحارسة…
وصلتها رائحة لم تشمها منذ شهور.
رائحة طعام.
كانت مطبخ السجن.
قدور كبيرة… بخار… نساء يقطعن الخضار.
قالت الحارسة شيئًا طويلًا بالبرتغالية. لم تفهم علا سوى كلمة واحدة كانت تتكرر:
"Cozinha… cozinha."
المطبخ.
ثم أشارت الحارسة إلى السكاكين والخضار… وكأنها تسألها إن كانت تستطيع العمل.
ترددت علا لحظة.
في هذا المكان… حتى الفرص الصغيرة تبدو كأنها نافذة هواء.
هزّت رأسها ببطء.
بدأت الأيام تتغير بعدها.
لم يكن العمل في المطبخ سهلًا. الحرارة عالية… والصرخات كثيرة… لكن هناك شيء مختلف.
النساء في المطبخ أقل وحشية.
وربما لأن الجميع هناك مشغول… لم يكن لديهم وقت للسخرية منها.
تعلمت الكلمات الأولى.
"Água" — ماء
"Pão" — خبز
"Rápido" — بسرعة
كانت تكررها بصمت مثل طفلة تتعلم الكلام من جديد.
ومع الوقت… اكتشفت شيئًا آخر.
في هذا السجن… كل شيء يتحرك بالمال.
حتى بين السجينات.
بعضهن يطبخن طعامًا إضافيًا… ويبعنه سرًا.
بعضهن يخبزن قطع حلوى صغيرة… مقابل سجائر أو نقود تصل من الخارج.
في البداية لم تفهم كيف يحدث ذلك.
ثم همست لها امرأة عجوز تعمل في المطبخ ذات مساء بلغة إنجليزية مكسورة:
"هنا… إذا كان عندك شيء جيد… الناس تدفع."
وأشارت إلى قدر الحساء.
في تلك الليلة… عندما أمسكت علا الملعقة الخشبية… تذكرت مطبخ بيتها.
تذكرت رائحة البهارات.
تذكرت كيف كانت تطبخ لأهلها.
ولأول مرة منذ شهور… شعرت بشيء يشبه الحياة يعود إلى يديها.
بدأت تضيف لمسات صغيرة للطعام.
قليل من الملح في الوقت المناسب.
طريقة مختلفة في تقطيع الخضار.
خلطة بسيطة من الأعشاب.
لم يمض وقت طويل حتى بدأت السجينات يلاحظن.
في أحد الأيام اقتربت منها امرأة وقالت بالإنجليزية:
"أنتِ… الطبخ… جيد."
كانت تلك أول جملة لطيفة تسمعها منذ دخولها السجن.
شيئًا فشيئًا… بدأت بعض السجينات يطلبن منها أن تطبخ لهن مقابل القليل من المال أو السجائر.
لم يكن كثيرًا.
لكن في عالم السجن… القليل قد يعني البقاء.
وأدركت علا حقيقة مرّة:
في هذا المكان…
القوة ليست في العضلات.
القوة… في أن تجد طريقة تعيش بها.
حتى لو كانت تلك الطريقة…
قدر حساء صغير…
في مطبخ سجن…
في مدينة بعيدة اسمها لشبونة.
لكنها في تلك الليلة… عندما عادت إلى سريرها…
نظرت إلى السقف نفسه الذي كان يخنقها في البداية.
هذه المرة لم تشعر أنه يضغط على صدرها.
فقط همست لنفسها بصوت بالكاد يُسمع:
"سأخرج من هنا يومًا ما."
حتى لو لم تفهم لغتهم…
ستتعلم كيف تعيش بينهم.
لأنها إن لم تفعل…
فهذا السجن
لن يقتل جسدها فقط…
بل روحها أيضا
ومع كل هاذا لازلت اقاوم نفسي وشعور الندم لازلت احاول الاستمرار والمضي قدما لازلت اتمنى وكلي ندم وليتني لم اتركهم وليتني لم ارحل ٱه سعد ماذا فعلت ضيعت اسرت وهل ابيت وهل سألت عن نفسي اقصد علا التي حدثتك بصفة العشرينية وهل سألت عن حالها بعد وصولك لمرادك
وهاذا هو سجن فهنا
الذين يدخلون نوعان…
من يكسرهم السجن…
ومن يصنع منهم إنسانًا آخر