الفصل الحادي والاربعين
أول ما سارينات الإسعاف وقفت قدام باب الطوارئ، المستشفى كلها اتكهربت. الممرضين والأطباء كانوا واقفين مستنيين على الباب بـ "التروللي" وكأنهم في حالة حرب.
العربية الأولى فرملت بقوة، ونزل منها المسعف وهو بيزعق
"حالة حرجة! إصابة بطلق ناري ونزيف حاد واختناق، جهزوا العمليات فوراً!"
نزلت منة وهي غايبة عن الدنيا، وشها تحت قناع الأكسجين كان زي الشمع، والدكاترة هجموا عليها، واحد بيقيس الضغط وواحد بيفتح وريد، والكل بيجري بالسرير في الطرقة وهي مابين إيدين ربنا.
في اللحظة دي، وصلت العربية التانية اللي فيها رزان. أول ما الباب اتفتح، رزان زقت إيد الممرضة اللي كانت بتحاول تسندها ونزلت تجري وهي بتعرج وبتنهج
"منة فين؟ ودتوها فين؟"
مروان وسامر نزلوا وراها زي الظل، مروان مسكها من دراعها
"يا رزان اهدي، إنتي كمان تعبانة ولازم تتفحصي، الدكاترة معاها جوه!"
رزان صرخت فيه بدموع وقهر
"سيبني يا مروان! أنا كويسة.. منة هي اللي بتصارع الموت بسببي !"
رزان مكنتش شايفة الجروح اللي في إيدها ولا الهباب اللي مغطي وشها، كان كل اللي هاممها هو "الخط الأحمر" اللي السرير بتاع منة رسمه وهو داخل العمليات.
سامر وقف قدام باب غرفة العمليات اللي النور الأحمر بتاعها نور، ومنع رزان إنها تقتحم المكان
"خلاص يا رزان، دخلت العمليات.. مفيش في إيدنا حاجة غير الدعاء دلوقتي."
رزان وقعت على الكرسي في الطرقة، وسندت راسها بين إيديها وهي بتترعش، ومروان واقف جنبها وعينه على الباب .
المستشفى ساد فيها هدوء مرعب، مبيقطعوش غير صوت الممرضات وهما بيجروا، ورزان قاعدة بتهمس لربنا
"يا رب رجعهالي.. يا رب ماتحرقش قلب اهلها عليها"
_____
الساعات كانت بتمر كأنها سنين، الممر الطويل بتاع المستشفى بقى يضيق على رزان وسامر ومروان مع كل دقيقة بتعدي. وفجأة، السكون ده انكسر بصوت خطوات سريعة وصريخ مكتوم.. أهل منة وصلوا.
كانوا جايين في حالة ذهول وتوهة، هما أصلاً كانوا في المستشفى فوق عند مراد بيطمنوا عليه، ولما جالهم الخبر نزلوا زي المجانين مش مستوعبين إزاي بنتهم اللي "نزلت الشغل الصبح" بقت هي اللي بين الحيا والموت في العمليات دلوقتي.
خالة مراد (والدة منة) أول ما شافت سامر، هجمت عليه وصوتها بيرعش
"بنتي فين؟ إيه اللي حصل لمنة؟ انطق!" سامر كان بيحاول يختار كلامه، بيحاول يشرح لها "المصيبة" بأبسط وأهدى طريقة ممكنة وهو مراعي سنها وحالتها، بس الكلام كان بيتحجر في زوره.
أبو منة وقف بعيد، مذهول تماماً، ساند على الحيطة وعينيه مبرقة في الفراغ، مش قادر يصدق إن بنته "نوارة البيت" هي اللي جوه الأوضة دي دلوقتي.
أما الأم، فأول ما عينيها وقعت على رزان، اللي كانت قاعدة في الركن بملابسها المتبهدلة ووشها اللي لونه أسود من الدخان، نار الحقد والكره القديم ولعت في قلبها. هي أصلاً من زمان شايلة من رزان لأنها كانت شايفة إن بنتها أحق بمراد، وإن رزان "خطفت" مراد من منة وكسرت وعد العيلة.
هجمت عليها رزان ومسكتها من كتفها بعنف وهي بتصرخ "عملتي إيه في بنتي ؟ هي دي الأمانة؟ بنتي راحت معاكي الشغل ترجع لي غرقانة في دمها؟ إنتي إيه.. نحس؟ إنتي عايزة تاخدي كل حاجة وتموتي بنتي؟ مش كفاية عليكي جوزك اللي ودتيه في داهية بسبب مشاكلك ؟! جاية دلوقتي على بنتي!!"
رزان مدافعتش عن نفسها ولا بكلمة، كانت بتعيط في صمت، ونظرة الندم والكسرة في عينيها كانت تقطع القلب، وكأنها بتقول لها
"معاكي حق.. أنا السبب."
مروان وسامر اتدخلوا بسرعة، مروان حاول يشد خالة مراد بعيد
"يا طنط اهدي، والله رزان مالهاش ذنب، هي اللي أنقذتها!"
وسامر بيحاول يهدي الجو وهو بيقول
"يا جماعة وحدوا الله، إحنا في مستشفى والوضع صعب."
آسيا ورنيم نزلوا جري من فوق، آسيا راحت لأختها وحضنتها وهي بتبكي
"اهدي يا أختي، ادعيلها.. منة قوية وهتطلع منها."
لكن خالة مراد مكنتش بتبطل، وفضلت تطلق لعناتها على رزان
"الله لا يسامحك يا رزان.. يا رب لو بنتي حصل لها حاجة ما تشوفي يوم حلو في حياتك!"
وفجأة، وسط الهيستيريا دي كلها، صوت أبو منة طلع "رعد" في الطرقة وهو بيزعق بوجع وقهر
"خلااص! اسكتوا بقى! إحنا في مستشفى.. وبنتي بتموت جوه! مش عايز أسمع صوت حد!!"
الطرقة فجأة ساد فيها سكوت مرعب، الكل بص للأرض، وصوت شهقات رزان المكتومة كان هو الوحيد اللي مسموع، والنور الأحمر بتاع العمليات لسه قايد، كأنه شاهد على المأساة دي.
_____
داخل غرفة العمليات، الجو كان مشحوناً بتوتر يقطع الأنفاس. رنة أجهزة القياس "بيب.. بيب.. بيب" كانت سريعة ومضطربة، وكأنها بتسابق الزمن اللي بيجري من بين إيدين الدكاترة. منة كانت غايبة تماماً، وشها شاحب لدرجة البياض الثلجي، وجسمها متوصل بعشرات الخراطيم والوصلات.
الجراح الرئيسي كان واقف وعرقه مغرق جبينه رغم تكييف الأوضة العالي، صرخ في الممرضة
"بسرعة.. كيسين دم "O" موجب كمان، الضغط بيقع مني! والنبض مش مستقر!"
الحالة كانت "معقدة" جداً لدرجة تخلي أي دكتور قلبه يقف من نزيف حاد فالرصاصة كانت عاملة تهتك في الأوعية الدموية، ومنة فقدت كمية دم كبيرة جداً من ساعة ما اتصابت في المخزن لحد ما وصلت المستشفى، وده خلى أعضاء جسمها في حالة صدمة. ده غير نقص الأكسجين الدخان الكثيف اللي استنشقته في الحريقة عمل لها "تسمم بأول أكسيد الكربون"، وده خلى الرئة مش قادرة توصل أكسجين كفاية للمخ، وده كان أكبر تخوف للدكاترة؛ إن يحصل تلف في خلايا المخ.
الجراح بدأ يشتغل بالمشرط وهو بيكلم مساعده بلهجة عسكرية
"فيه شظايا قريبة من الكبد، والنزيف الداخلي مش راضي يقف.. لازم نربط الشرايين دي فوراً!"
الاوضة كانت عبارة عن معركة حقيقية؛ أطباء التخدير عينيهم مش بتنزل من على شاشة المونيتور، بيحاولوا يوازنوا السوائل في جسمها، والجراحين إيديهم غرقانة دم وهم بيحاولوا ينظفوا مكان الرصاصة ويخيطوا التهتكات اللي حصلت.
في لحظة، المونيتور طلع صوت صفارة طويلة مستمرة.. "بييييب".
"توقف عضلة القلب!" صرخ دكتور التخدير.
فجأة الأوضة اتحولت لخلية نحل، الجراح ساب المشرط وبدأ يعمل "إنعاش يدوي" لقلبها بكل قوته وهو بيبص لجهاز الصدمات الكهربائية
"شحن 200.. ابعدوا! .. صدمة!"
جسم منة انتفض على السرير ورجع وقع تاني.. المونيتور لسه مطلع الصوت المرعب.
"شحن 300.. ابعدوا! .. صدمة ثانية!"
الدكاترة كانوا بيحاربوا الموت اللي كان بيحاول يخطف روح منة في اللحظة دي، وكان السؤال اللي شاغل بالهم كلهم: "هل الجسم الضعيف ده هيتحمل كل الأضرار دي؟ وهل المخ لسه سليم بعد كل الدخان اللي استنشقته؟"
______
في أوضة الاستجواب...
الإضاءة كانت خافتة ومسلطة بس على التربيزة اللي في النص. بدر كان قاعد، ساند ضهره على الكرسي وبيرجعه لورا وبيهزه بهدوء يستفز الحجر، والقلم في إيده بيقلبه بين صوابعه بملل . قدامه كان قاعد بلال، هدومه لسه فيها أثر الرماد، وعينيه بتزوغ في الأوضة بتوتر حاول يداريه بوش خشب.
بدر فتح الملف اللي قدامه بكسل ، وقلب الورق بصوت مسموع، وبعدين بص لبلال بنظرة اخترقت عينيه وقال بنبرة هادية بس تخوف
"منور يا بلال.. كنت بقرأ في التقرير إنك كنت (البطل) الهمام اللي دخل وسط النار وعرض حياته للخطر عشان يخرج.. (بص في الملف عشان يتذكر ).. أيوة، مدام رزان، مرات السيد مراد شاكر. احكي لي بقى يا بطل، إيه اللي وداك هناك في الوقت ده بالظبط؟"
بلال بلع ريقه، وحاول يثبت صوته
"يا سيادة المحقق، أنا كنت معدي بالصدفة، شفت دخان ونار قايدة، والناس بتصوت، مكنش ينفع أقف أتفرج.. أي حد مكاني كان هيعمل كدة ...زيك بالضبط " وانهى بابتسامة بريئة
بدر بطل يمرجح الكرسي، وميل بجسمه لقدام لحد ما بقى وشه في وش بلال بالظبط، وابتسم ابتسامة صفراء مستفزة
"جدع يا بلال.. شهامة ولاد البلد برضه.. بس الغريب بقى، إن المنطقة دي مقطوعة، لا فيها محلات كتيرة ولا بيوت، ولا حتى كلاب ضالة بتعدي من هناك.. وإنت ساكن في المعادي.. إيه اللي جاب (الصدفة) بتاعتك لحد طريق ده وفي ساعة زي دي؟"
بلال سكت لثانية، وعقله شغال بيدور على مخرج، ورد بذكاء
"كنت مخنوق وبتمشى بالعربية.. الطريق ده هادي ومحدش فيه، ومكنتش أعرف إن فيه مخازن أصلاً لحد ما شفت النار."
بدر ضحك ضحكة قصيرة مكتومة، وبدأ يلعب بالأسئلة زي اللي بيلعب بـ "قطة وفار"
"تمشية؟ يا أخي سبحان الله! الصدفة برضه خلتك تروح صيدلية الكيلو 42 وتجيب شاش ومطهرات وحقن نزيف (قبل) ما المخزن يتحرق؟ إيه، كنت متوقع إنك هتلاقي حد بينزف في وسط التمشية؟ ولا كنت ناوي تفتح مستشفى ميداني هناك؟" بدر كان سبق وجاب المعلومات دي من سامر اللي كان طلب والشرطة وبلغ بكل حاجة وبخطة منه.
بلال بدأ يعرق، وحس إن الأرض بتتهز تحتيه، ذكاء بدر كان بيحاصره في زاوية ضيقة
"أنا.. أنا شفت النار وخمنت إن أكيد فيه حد جوه محتاج إسعافات، فقلت أجهز نفسي."
بدر رجع بضهره لورا تاني وبدأ يمرجح الكرسي وهو بيصفر بصوت واطي، وبعدين بص لبلال وسأله بسؤال ملوش علاقة باللي فات
"بقولك إيه يا بلال.. إنت بتعرف تكتب روايات ؟ أصل الخيال الواسع اللي عندك ده خسارة يتهدر بين الشغل والحساب"
وفجأة.. بدر قام وقف مرة واحدة، وبصوت خبطة الكرسي في الأرض بلال انتفض من مكانه وبص له باستغراب وذهول. بدر عدل البالطو الرمادي بتاعه، وبص لبلال ببرود تام وقال
"كفاية كدة النهاردة.. الاستجواب خلص."
بلال اتفاجئ، كان مستني هجوم أو اتهام مباشر
"خلص؟ يعني أقدر أمشي؟"
بدر هز راسه وهو بيفتح باب الأوضة
"تقدر تمشي.. محتاج أخرج أدخن سيجارة "
بلال قام بسرعة، عدل هدومه وقال بلهجة فيها راحة وهمية
"شكراً يا سيادة المحقق." وتحرك ناحية الباب بخطوات سريعة عايز يهرب من تحت نظرات بدر.
بدر فضل واقف مكانه، مراقب ضهر بلال وهو ماشي، وابتسامة غامضة ارتسمت على وشه. مساعده أحمد قرب منه وسأله بذهول
"يا فندم سيبته يمشي ليه؟ ده كلامه كله متناقض!"
بدر طلع الولاعة وولع سيجارته ببرود وقال وهو بيبص للدخان: "سيبه يا أحمد.. الصيد لما بيبقى خايف بيجري للي مشغله..."
_____
بعد ساعات طويلة من الرعب، والانتظار القاتل اللي خلى طرقة المستشفى كأنها قاعة محكمة مستنية حكم بالإعدام، باب غرفة العمليات اتفتح فجأة.
الكل انتفض مرة واحده من مكانه.. رزان قامت من على الكرسي وهي بتترعش ومش قادرة تسند طولها، وأبو منة وأمها جروا على الدكتور بلهفة تخلي الحجر ينطق. خالة مراد (أم منة) كانت ماسكة في إيد جوزها بتعصرها، وعينيها متعلقة بشفايف الدكتور مستنية كلمة واحدة.
الدكتور قلع الكمامة بتاعته، ومسح عرق جبينه بتعب، وبص لهم بهدوء طمن قلوبهم قبل ما ينطق
" الحمد لله، قدرنا نسيطر على النزيف ونخرج الرصاصة، والمريضة عدت مرحلة الخطر بفضل ربنا."
الفرحة انفجرت في المكان زي العيد.. آسيا
حضنت أختها بقوة وهي بتبكي وبتهلل
"الحمد لله يا رب! بنتك رجعتلك يا أختي! الحمد لله!"
رنيم بصت لرزان بابتسامة صافية كأنها بتبارك لها، ورزان وقتها رجليها ما شالتهاش، وقعت على الكرسي وهي بتسجد في سرها لربنا ودموعها بتغسل السواد اللي على وشها.
الدكتور كمل كلامه بجدية
"بصوا يا جماعة، هي فقدت دم كتير وأنا مش هخبي عليكم، الحالة كانت صعبة جداً، والجرح كان قريب من مناطق حيوية.. بس هي بطلة وقلبها قاوم. دلوقتي هيتنقل لغرفة العناية المركزة تحت الملاحظة 24 ساعة، وممنوع الزيارة نهائياً لحد ما تفوق تماماً وتسترد وعيها."
الممرضين خرجوا بـ "التروللي" وعليه منة، وشها لسه شاحب بس الأجهزة كانت بيدي إشارات مستقرة. أهلها مشيوا ورا السرير بدموع الفرحة والصلوات مابطلتش من لسانهم.
وسط السعادة والهرجلة دي، موبايل سامر رن.. سامر بص على الشاشة، ملامحه اتغيرت فجأة، ده الدكتور المسؤول عن حالة مراد فوق.
سامر فتح الخط وبعد عنهم خطوتين، وفضل واقف "صنم".. مبيتكلمش، بس عينه بتوسع ونفسه بيعلى، والسكوت طال لدرجة إن مروان لاحظ إن فيه حاجة مش مظبوطة.
مروان قرب منه وضربه بخفة على كتفه وهو بيهزر
"إيه يا صاحبي ؟ الخبر الحلو خلّاك تنسى النطق؟ "
لكن سامر مردش.. فضل ساكت، ووشه بقى أصفر كأنه شاف عفريت، وعينيه كانت بتبص لكل واحد فيهم بنظرة غامضة ومرعوبة. الصمت ده خلى الأنفاس تتكتم، والانظار كلها اتجهت لسامر.. خالة مراد، وآسيا، ورزان اللي قامت وقفت بقلب مقبوض.
رزان همست بصوت يدوب مسموع
"سامر؟.. فيه إيه؟ "
سامر نزل الموبايل من على ودنه بإيد بتترعش، وبص لرزان بذهول وقال بكلمة واحدة هزت كيان الكل
"مراد.."
______
الأوضة اللي اتنقل ليها مراد شاكر كانت واسعة وتليق باسمه، بس ريحة المطهرات والهدوء اللي فيها كان بيقطعوا صوت الجري والأنفاس الملهوفة في الطرقة. رزان كانت حاسة إن رجليها خلاص مش شايلاها، تعب اليوم المرعب والحريقة والمواجهات، كل ده كوم ولحظة "الجري" دي كوم تاني خالص.
دخلوا الأوضة بلهفة، الدكتور المسؤول والممرضين كانوا حوالين السرير بيشيكوا على الأجهزة لآخر مرة، وأول ما الباب اتفتح.. الزمن وقف.
آسيا، رنيم، سامر، مروان.. ورزان.
كلهم اتسمروا مكانهم، العيون وسعت والقلوب دقت دقة واحدة.. مراد.
مراد كان ساند ضهره بضعف على المخدات، وشه لسه شاحب وفيه أثر التعب، وعينيه دبلانة، بس كانت "صاحية". أول ما شافهم، ملامحه هديت وكأنه كان مستني اللحظة دي عشان يصدق إنه لسه في الدنيا.
آسيا ماقدرتش تمسك نفسها، صرخت صرخة فرحة وجريت على ابنها ضمت رقبته وهي بتبكي بهستيريا
"يا حبيب قلبي يا مراد! حمد لله على سلامتك يا ضنايا.. يا رب ألف حمد وشكر ليك!" ورنيم وقعت على ركبها جنب السرير، مسكت إيده وبكت بوجع وقهر كان مكتوم جواها "أخويا.. حبيبي.. ما تسيبناش تاني يا ابيه"
مروان وقف بعيد شوية، عينيه لمعت بدموع حقيقية وهو بيشوف صاحبه بيرجع للدنيا، وسامر كان واقف بيضحك من قلبه ومش مصدق، كأن جبل انزاح من على صدره.
أما رزان.. ففضلت واقفة عند الباب، مابتتحركش، كأنها خايفة تقرب فيطلع حلم. فضلت تبص له بذهول ودموعها نازلة بصمت، لحد ما مراد، من ورا حضن والدته، لمحها.
ابتسامته الحنونة المعهودة رسمت على وشه، ابتسامة "الأمان" اللي رزان كانت بتموت عشان ترجعلها.
رزان أول ما شافت الابتسامة دي، انطلقت زي السهم لعنده، زقت كل الخوف والتردد وراها في حضنه. مسكت إيده بقوة وكأنها خايفة يختفي، ومراد، برغم ضعفه، رفع إيده المرتعشة ومسح على خدها بحنان. رزان غمضت عينيها واستشعرت لمسته اللي وحشتها، الدفا اللي افتقدته في وسط برد المخازن والنار.
مراد قرب من ودنها وهمس بصوت واطي ومبحوح، بس فيه النبرة اللي بتموت فيها
"مراتي عملت إيه في غيابي؟ "
رزان انفجرت في البكاء، مكنتش قادرة ترد، كانت بس بتهز راسها وهي دافنة وشها في كتفه، وكأنها بتفرغ كل كبت الأيام اللي فاتت في ايده
الدكتور اتدخل بهدوء عشان يهدي الجو
"حمد لله على سلامته يا جماعة، المعجزة حصلت بفضل ربنا، بس أرجوكم.. هو محتاج راحة تامة، والكلام والزيارة يبقوا بحساب. هيفضل تحت الملاحظة هنا كام يوم لحد ما نتأكد إن كل وظائف الجسم رجعت طبيعية."
آسيا شكرت الدكتور وهي بتمسح دموعها، ورنيم كانت قاعدة تحت رجل أخوها اللي كان بيضحك لها ويطمنها، بس إيده التانية كانت متبتة في إيد رزان، كأنه بيحلف إنه مش هيسيبها تاني.
رنيم لفت بوشها لمروان، وضحكت بدموع وهي شايفة نظرة الفرحة في عينيه.. في اللحظة دي، رنيم نسيت الزعل، نسيت الخناقات، نسيت كل حاجة وحشة، وما فضلش غير فرحة رجوع السند.
______
الأوضة ساد فيها هدوء غريب، هدوء ما بعد العاصفة. رزان كانت غرقانة في نوم عميق، نايمة على الكرسي وجسمها مهدود، وساندة راسها وخدها على إيد مراد.. كأنها كانت خايفة يسيب إيدها فتموت هي، أو كأنها بتعوض أيام السهر والرعب في حضنه. بكت قدامه بكاء مرير، فرغت كل الكبت والخوف والظلم اللي شافته، ومسحت فيه تعب الدنيا لحد ما نامت وهي متبتة فيه.
الكل انسحب وساب مراد يرتاح، لحد ما الباب اتفتح بهدوء ودخل سامر. سامر وقف ثواني يتأمل المشهد، ابتسم براحة وهو شايف رزان نايمة "نومة قتيلة" على إيد صاحبه، وكأنها لقت بر الأمان أخيراً.
قعد سامر قبال مراد، اللي بص لصاحبه بامتنان حقيقي وقاله بصوت واطي ومبحوح عشان ما يصحيهاش
"شكراً يا سامر.. رزان كانت بتتكلم بكلام كتير ومخربط أول ما فقت، بس وسط الكلام ده فهمت إنك إنت ومروان كنتوا ضهرها اللي متكسرش.. أنا مدين ليكم بعمري."
مراد حاول يعدل وضعه بس جمد مكانه لما حس برزان بتتحرك في نومها، فضل مثبت إيده تحت راسها بحنان وقال وهو بيبتسم لسامر
" بجد شكرا من اعماقي ، إنكم كنتوا سندها وسند اهلي في غيابي "
سامر هز راسه بوجع وقال بصدق
"إنت أخويا يا مراد، واليوم هذاك كان كابوس علينا كلنا، إنت رعبتنا يا راجل.. مكنتش متخيل إننا ممكن نعيش هذيك اللحظة أبدا "
مراد اتنهد تنهيدة طويلة وطالعة من جواه
"صدقني يا سامر، أنا كمان كنت مرعوب.. مكنتش خايف من الموت، أنا كنت خايف أمشي من غير ما أودعها، من غير ما اطمن على رنيم انها راحت بيتها وامي خايف أسيبها لوحدها في غابة دياب.. كنت حاسس بيكوا وبصوتكم بس مش قادر أرد، كأن فيه جبل على صدري.. الحمد لله إن ربنا كتب لي عمر جديد عشانهم "
سامر اوما وابتسم لصاحبه وبعدها اعتدل في قعدته، وملامحه قلبت لجدية تامة، وقال
"مراد..اسمعني إحنا دلوقتي في وقت الجد. الحكاية كبرت أوي، والشرطة قالبة الدنيا، وفيه محقق اسمه (بدر) ماسك القضية وده راجل جن، مبيسيبش فتفوتة. بلال اتمسك النهاردة واتحقق معاه، ورزان المفروض بكرة تروح النيابة عشان الاستجواب الرسمي، لأنها شاهدة على اللي حصل في المخزن.. وبلال ده قصته قصة، ده اللي دخل النار وشال رزان، بس المحقق شاكك فيه بنسبة مية في المية."
مراد حواجبه انقبضت وسأله باهتمام
"ومنة؟ رزان كانت عمالة تنطق اسمها بحرقة.. منة حصلها إيه؟"
سامر سكت شوية، وبعدين قال بأسف
" الانسة منة هي البطلة الحقيقية يا مراد.. البنت دي خدت رصاصة عشان كانت هتشهد ضد بلال واتحبست معاها في المخزن، ولما النار ولعت فضلت إن رزان تخرج وهي تضحي بنفسها.. لولا ستر ربنا والمحقق بدر اللي دخل جابها من وسط النار في آخر ثانية، كانت زمانها بقت رماد.. هي دلوقتي في العناية، والعملية نجحت بس حالتها لسه مش مستقرة."
مراد اتنفض في مكانه من الصدمة، جسمه اتهز وجرحه سمّع عليه، كان عايز يقوم يروحلها بس عينه وقعت على رزان اللي لسه نايمة بعمق ومحستش بحركته. سكن مكانه وهو بيتمتم بذهول
"يا نهار أسود.. كل ده حصل؟ منة تعمل كدة؟ البنت دي شالت عنا كتير أوي يا سامر.. أنا مش عارف هوديها من ربنا فين لو جرالها حاجة.. إزاي الموضوع يوصل لكده؟ إزاي يقرر يحرقهم أحياء؟!"
كمل مراد وهو بيجز على سنانه وعينيه بتلمع بشرارة
" الراجل الكبير ده حسابه تقل معايا أوي.. المرة دي مفيش قانون هيبرد ناري، المرة دي يا أنا يا هو في الدنيا دي."
سامر حط إيده على كتف صاحبه يهديه
"اهدى يا مراد، إحنا مش هنسيب حقنا. أنا حالياً وظفت طقم حراسة كامل للمستشفى، ومحدش هيدخل ولا يخرج من غير تفتيش، وهشدد الأمان على رزان ومنه بالذات لحد ما نقبض عليه وعلى رجالته.. إنت بس ركز في صحتك، والباقي سيبه عليا أنا ومروان."
مراد هز راسه بضيق، وبص لرزان اللي نايمة في سلام، وحلف في سره إن دي آخر مرة حد يمس فيها شعرة منها وهو موجود.
_______
بلال كان قاعد في قلب الشقة الفاخرة بتاعه بس الفخامة دي مكنتش مديا له أي إحساس بالأمان. ريحة الدخان والرماد لسه معششة في مناخيره، وصوت صريخ رزان ومنة بيرن في ودانه. هو عارف اللعبة خلاص بتلفظ أنفاسها الأخيرة، والمحقق بدر مش الشخص اللي يقتنع بكلمتين "شهامة" في أوضة استجواب.
طلع الموبايل الجديد اللي اشتراه "دليفري" بشريحة مجهولة، وصوابعه كانت بتترعش وهو بيطلب الرقم اللي مبيتصلش بيه غير في الكوارث.
الجرس مكملش مرتين وجاه الرد.. صوت "الراجل الكبير" كان هادي لدرجة ترعب، هدوء حد واثق إن خيوطه لسه في إيده.
بلال بصوت واطي ومجهد
"يا باشا.. الدنيا ولعت بجد. المحقق بدر ده مش سهل، ده شمشم ورايا لحد الصيدلية وعارف تفاصيل توديني ورا الشمس. ورزان.. رزان أكيد هتشهد ضدي أول ما تفوق من الصدمة، حتى لو كنت أنا اللي مخرجها، هي عارفة إني كنت شريك في حبسها."
الراجل الكبير بنبرة رصينة ومطمئنة
"اهدى يا بلال.. إنت عملت اللي عليك، والمخاطرة اللي أخدتها عشان تخرج البنت دي هي اللي هتشوش على المحقق شوية وتدينا وقت. أنا مش هسيبك تقع، إنت عارف قيمتك عندي."
بلال بلع ريقه
"وقت إيه يا باشا؟ ده مروان وسامر حاطين عيونهم عليا، والشرطة مراقبة كل تحركاتي. أنا لازم أختفي حالا."
الراجل الكبير
"وده اللي هيحصل. اسمعني كويس.. قدامك ساعة واحدة، تلم فيها "الخفيف" بس، فلوسك وباسبورك وحاجة بسيطة. وتطلع على المينا، الرصيف رقم 9. هناك هتلاقي لانش سريع ومعه (سائق بحر) من بتوعي، بيفهم في الموج أكتر من السمك. هيوصلك لبلد تانية، بعيد عن اختصاص المحقق بدر وعن عيون الكل.. وهناك هتفضل معزز مكرم لحد ما الدخان ده كله يختفي والملف يتقفل نسيان."
بلال أخد نَفَس طويل وكأنه لقى طوق نجاة
"ماشي يا باشا.. ساعة وهكون هناك. بس أرجوك، أمن لي الطريق، مش عايز أقف في لجنة دلوقتي."
الراجل الكبير بابتسامة خبيثة مسموعة في التليفون "الطريق متأمن يا بلال.. روح وإنت مطمن، إنت ليك عندي جميل ولازم أرده."
_______
نور الفجر كان لسه بيشقشق بخيط أبيض ضعيف وسط عتمة الليل، والضباب مغطي رصيف المينا ببرود يقبض القلب. بلال كان ماشي بخطوات سريعة ومهزوزة، لابس جاكيت أسود تقيل وكاب حانيه على عينه عشان يداري ملامحه اللي التوتر أكلها. في إيده شنطة سوداء صغيرة، شايلة كل "تحويشة العمر الحرام".. فلوسه، باسبوره، وتذاكر خروجه من الجحيم ده.
وصل لنهاية الرصيف، وهناك لمح القارب الصغير اللي بيتمايل مع الموج. وقف قدام الراجل اللي ساند ضهره على الدفة، ونطق الشفرة اللي "إسحاق العتوري" مبيغيرهاش مع رجالته المخلصين. الراجل هز راسه من غير ولا كلمة، وشاور لبلال يركب.
بلال طلع القارب، وأول ما المحرك اشتغل وبدأ القارب يبعد عن المينا ويدخل في حضن البحر، بلال أخد نَفَس طويل.. افتكر إنه نجا، افتكر إن دهاء المحقق بدر خسر قدام ذكاء الباشا. وقف جنب السواق وبص للسما اللي بدأت تفتح، وقال بنبرة فيها راحة وهمية
"اخلص بينا يا سطى.. مش عايز أشوف بر مصر تاني."
وفجأة.. وسط صوت الموتور والموج، حس بخطوات تقيلة وراه. وقبل ما يلحق يلف أو حتى يستوعب إيه اللي بيحصل، حس بنصل سكين بارد بيخترق أحشائه من الظهر ويطلع من الناحية التانية. صرخة بلال اتحبست في زوره، لف بجسمه وهو بيترنح، وعينيه وسعت بصدمة لما شاف الوش اللي كان بيطارده في كوابيسه.. الراجل اللي لابس كاب.
مأداهش له فرصة ينطق، طعنه التانية في صدره، والتالتة، والرابعة، وبلال بدأ يقع على ركبه والدم بيسيل منه بغزارة وبيغرق خشب القارب. كان واقف فوق راسه، عينيه كانت خالية من أي رحمة أو مشاعر، وكأن اللي قدامه ده حشرة وداس عليها. ميل راسه ببرود وقال بصوت واطي
"الباشا بيسلم عليك يا بلال.. وبيقولك رحلة سعيدة.. يا خاين."
بلال في اللحظة دي شاف الموت بعينيه.. الوجع كان رهيب، بس وجع "الغدر" كان أقوى. إزاي كان بالغباء ده؟ إزاي وثق في تعبان زي إسحاق؟ هو اللي كان إيده اليمين، هو اللي عارف إن إسحاق بياكل ولاده قبل أعدائه.
شريط حياته القذر عدى قدامه.. افتكر صالات القمار اللي كان بيصطاد فيها الغلابة والبلهاء عشان يرميهم في حضن إسحاق. يخليهم يمشوا في سكة الديون والكمبيالات، ولما يقعوا، إسحاق "يسفرهم" بره البلد بحجة سداد الدين.. ومن هنا مابيرجعوش. إسحاق كان بيتاجر بيهم، بأعضائهم، وبأرواحهم، وبلال كان هو "السمسار" اللي بيقبض التمن.
كل ده عشان إيه؟ عشان الفلوس؟ عشان النجاح السريع؟ بلال ساب أصحاب عمره، مراد وسامر ومروان، عشان مكنش مصدق إنهم هينجحوا بجد وتعبهم هيجيب نتيجة. ولما شاف مراد شاكر بقى "الحيتان" والثرابة بتزيد، الغيرة أكلت قلبه، وبدل ما يشتغل بجد، اختار أقذر طريق ممكن يمشيه بني آدم.
بلال بص للسما لآخر مرة، الرؤية بدأت تضلم، والدم اللي نازل منه بقى هو كل اللي فاضل من حياته. ابتسم ابتسامة أليمة ومكسورة.. ابتسامة واحد عرف إنه خسر كل حاجة، الدنيا والآخرة. عينيه قفلت لآخر مرة، وجسمه ارتمى في القارب وهو شايل معاه أسرار "مملكة إسحاق العتوري" للقبر