اليوم السابع عشر
"غربة الروح.. وحنين المائدة"
كانت رائحة محشي ورق العنب بالريش تمهد الطريق للإفطار قبل الأذان بساعة، وهي الرائحة التي طالما وصفها عادل في مكالمات "السكايب" الباردة من بلاد الثلج بأنها رائحة الجنة. وضعت زينب الصينية الكبيرة في منتصف المائدة، وتصاعد منها البخار كأنه سحاب يغطي الوجوه.
الجميع بدأ الأكل بهمة، إلا عادل؛ كان يمسك بـ صباع المحشي وينظر إليه بتركيز غريب، ثم يرفعه أمام عينيه ويسرح بصرُه في فراغ الصالة. لاحظت سلمى ذلك، فتوقفت عن تصوير طبقها للانستجرام وسألته بقلق: بابا؟ إنت معانا؟ المحشي فيه حاجة غلط؟ ده إنت كنت بتقولنا وانت في الغربة إنك مستعد تدفع نص مرتبك في صباع واحد من إيد ماما!
أفاق عادل من سرحانه، ورسم ابتسامة هادئة يملؤها الشجن وقال: لا يا بنتي، ده تسلم إيد ماما، الورق عنب بيدوب في البُق. أنا بس افتكرت أول رمضان ليا هناك.. كنت قاعد في شقه صغيره يدوب اوضه ومعايا 5 غيري ومطبخها ضيق، كان الجو بره بيبقي تلج والليل طويل ومبيخلصش. الأذان كنت بسمعه من (أبلكيشن) على الموبايل بصوت واطي عشان الجيران ميتضايقوش. كنت بفتح علبة تونا باردة، وأقطع رغيف عيش ناشف، والسكوت في الشقة كان له صوت يا سلمى.. صوت بيوجع الودان أكتر من أي دوشة.
صمت قليلاً ثم أكمل وهو ينظر لـ عمر: كنت بفتح الكاميرا وأشوفكم وإنتوا بتتخانقوا على مين ياخد (النايب) الأكبر، ومين يشرب العصير الأول، وكنت بضحك وعيني بتدمع. كنت بحس إني باكل معاكم بقلبي، بس بطني كانت بتشبع من الوجع مش من الأكل. الغربة يا ولاد بتخلي الواحد آلة بتجمع فلوس، بس بتنسيك إزاي تعيش اللحظة.
هنا، وضعت الجدة هنية" يدها الحانية على يد عادل، وقالت بنبرة فيها دفء السنين: يا حبيبي يا ابني، الحمد لله الذي ردك إلينا رداً جميلاً. الغربة دي يا ولاد هي صيام الروح عن الحبايب. زمان كان اللي يتغرب من الحارة، كنا نحس إن البيت انطفى نوره. كانت الحتة كلها تبعت لأهله أطباق فطار، ده من ريحة الغايب، وده عشان خاطر فلان. مكنش حد يقدر يبل ريقه وهو عارف إن فيه أب ولا ابن بيفطر لوحده في بلاد غريبة.
التفتت الجدة لسلمى وعمر بحدة بسيطة ولكنها حكيمة: وإنتوا يا ولاد، بتزعلوا لما بابا يقولكم سيبوا الموبايلات واقعدوا نحكي مع بعض. بابا شاف أيام كان مستعد فيها يدي عمره كله بس عشان يسمع صوت خبط المعالق دي في الحقيقة، مش من ورا شاشة. في الغربة يا ولاد، رمضان بيبقى مجرد تاريخ وجوع وعطش، لكن هنا في مصر، رمضان حياة بتجري في العروق. اللقمة اللي مفيهاش إيد حبيب بتشد معاك، بتبقى واقفة في الزور مهما كانت غالية.
قال عادل بمرح لتلطيف الجو: عارفين يا ولاد؟ كنت بشتري أغلى ياميش وأفخر نوع تمر مجدول، بس كان طعمه في بوقي زي القش. النهاردة، حتة العيش والملح دي وأنا بسمع عمر وهو بيغلس عليكي يا سلمى، عندي بالدنيا وما فيها. الغربة علمتني إن الوطن مش أرض بنمشي عليها، الوطن هو الناس اللي بتستنانا على الفطار، وبتحجز لنا مكان وسطهم حتى لو غيبنا سنين.
نظر عمر لوالده بأسف وقام وقبل رأسه، وقالت سلمى وهي تمسح دمعة خفيفة: وعد يا بابا، من هنا ورايح مش هنشتكي من أي زحمة ولا عزومة، ولا هنمسك موبايل وإنت قاعد. إحنا بجد مكناش حاسين بالنعمة دي.
ضحكت الجدة هنية وقالت: أيوة كدة يا عادل، طلع المستخبّي عشان يعرفوا إن الله حق واللمة دي كنز! بس بلاش تقلبوها دراما بقى، إحنا لسه في أول الفطار والمحشي هيبرد. كُل يا عادل، دي زينب لفت لك المحشي ده صباع صباع كأنها بتطرز منديل فرح، عشان تنسيك أيام التونا والعيش الناشف!
رد عادل وهو يضحك ويملأ طبقه من جديد: ده أنا هاكل الصينية ورا ورق عنب يا حماتي! رمضان في مصر وسطكم.. ملوش بديل ولا تعويض.
الرسالة المستفادة:
"الأهلُ هم الوطنُ الصغير.. واللمةُ هي الرزق الحقيقي."
لا تستهينوا بقيمة اجتماعكم كل يوم على مائدة واحدة؛ فهناك ملايين القلوب المهاجرة التي تتمنى لحظة واحدة من دوشة العائلة التي قد تزعجكم أحياناً. رمضان في الغربة هو اختبار لصلابة الصبر، ورمضان في الوطن هو مكافأة لدفء الروح. قدروا وجود أحبابكم، فالمكان يضيق بلا أهل، واللقمةُ تَمُرُّ مُرّةً بلا ونيس يشاركك الملح والضحك.
الخاتمة:
ساد جو من الامتنان العجيب على المائدة، وأطفأت سلمى هاتفها تماماً، وبدأ عمر يحكي لوالده عن مواقفه في المدرسة وكأنه يريد أن يعوضه عن كل سنوات الصمت.
قالت الجدة هنية وهي ترتشف شربها: أهو كدة السفرة بقى ليها طعم وصوت يشرحو القلب. ربنا يديمكم لبعض يا ولاد، ويجعل بيتنا دايماً عامر بحس الغايب والحاضر.
غمز عادل لزينب وقال: المحشي ده عالمي يا زينب، حاسس إنه غسل سنين الغربة كلها!
قالت الجدة : طبعاً يا واد.. ما هو معمول بخلطة الحب، والخلطة دي مبيعرفهاش غير اللي داق مرارة البعاد!