خمسة اشهر مع الشيطان - الفصل الخامس عشر - بقلم بيلا الفارسي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خمسة اشهر مع الشيطان
المؤلف / الكاتب: بيلا الفارسي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس عشر

الفصل الخامس عشر

الفصل الخامس عشر: مرايا الماضي.. والبراءة الموؤودة انتهى ذاك المشهد العاصف وبيلا تجلس على الأرض الباردة بجانب مايك المهشم، تحاول بيديها المرتعشتين مساندته للنهوض وقصده المشفى، بينما كان قلبها يحترق في صمتٍ وهي تسترجع طيف ألكسندر؛ ذاك الجبروت الذي لم يكن يفارق وسادتها قط، والرجل الوحيد الذي كان يلقي بإمبراطورية المافيا خلف ظهره فقط ليشهد لحظة استيقاظها من نومها. ابتسمت بمرارةٍ لاذعة ودموعها تأبى الهبوط؛ فهي تدرك يقيناً أنها مجرد جثة هامدة تؤجل موعد دفنها الأخير لتتم رقصتها الانتحارية. في المشفى، وبعد أن كانت بجانبه وتأكدت أن جروحه ليست سوى كدمات سطحية ستزول آثارها في غضون أيام، قالت له ببرودٍ يسبق العاصفة: "جهز نفسك، فغداً ينتظرنا حفلٌ هام، ولا أريد لأحدنا أن يتغيب عنه يا مايك". تركت خلفها ذاك الحطام وخرجت متجهةً إلى القصر، لتدلف إلى الداخل وتصعق بمشهدٍ لم تتوقعه؛ رأت ماركو جالساً وبجانبه فتاةٌ رقيقة في ربيعها التاسع عشر، تبدو ضئيلة الجسد مثلها، وتشبه نسخة "بيلا الحقيقية" قبل أن تقوم بقص شعرها وصبغه عدة مرات تمرداً على واقعها. نظرت إليها بيلا بـشكٍ وريبة، وقبل أن تنطق بكلمة، اقترب منها ماركو قائلاً: "أهلاً بعودتكِ يا عزيزتي، تعالي معي لنتحدث في المكتب، فالحديث هنا لن يجدي نفعاً أبداً". سارت خلفه بذهول، وعيناها معلقتان بتلك "الفتاة القزمة" التي كانت تجلس مع جاستينو والدها وهما يتبادلان الضحكات. شعرت بيلا بوخزة حنينٍ قاتلة لنفسها الحقيقية، لتلك البراءة التي سُحقت تحت أقدام الحياة. دخلت وراء ماركو بمرارةٍ وتعب يهدّ الجبال، ثم ارتمت على الأريكة وتمددت بإنهاك، فجلس ماركو بجانبها ووضع رأسها على قدمه يربت عليها بحب: "أتعلمين يا بيلا؟ حين اكتشفتُ أنكِ أختي لم أكن أصدق في البداية. كنتُ في العاشرة حين سمعتُ والدي 'فيكتور' يتحدث مع زوجة صديقه (والدتكِ) التي كانت تأتي إليه، لكنه كان يخونها مع الكثيرات. وعندما بلغتُ السادسة عشرة كنتِ أنتِ في السادسة.. حاولتُ مراراً إخبار والدتكِ الحقيقة وأن ذلك الرجل لا يحبها، لكن كيف لي ذلك وهو كان يحبسني كلما جاءت والدتكِ لكي لا أعلم عنها شيئاً. ومع الوقت جئتِ أنتِ، وبعدكِ بـثلاث سنوات علمت أمكِ بحملها الثاني، ولم يكن أمامها خيار سوى الاختفاء ذلك العام؛ فجاستينو لم يمسها منذ زمن، لكنها استغلت كونه مخدراً في ليلةٍ ما ولا يتذكر شيئاً، فأقنعته أنكِ ابنته، فما كان منه إلا أن اعتذر لها عما فعله بها بـسبب ندمه". قالت بيلا بهدوء: "إذن تلك الفتاة التي بالخارج هي أختي الصغرى؟". أجاب ماركو: "نعم، لقد أخفت أمكِ حملها ببراعة في تلك الأيام، وبعد أن وضعتها سلمتها لـوالدي فيكتور، وكانت ستموت بسبب حقده وكرهه، لذا حين بلغتِ أنتِ التاسعة عشرة أخذتها وأخبرتهم أنها ماتت بالفعل، وظهرتُ أنا في حياتكم كابنٍ لفيكتور، لكن فيكتور لم يشبعه مال والدتكِ، بل أراد مني سحب سلطة والدكِ جاستينو هو الآخر". سألت بيلا ببرود: "وما اسمها؟". أجاب بابتسامة: "ليسا.. وتدعى ليسليا، والجميع يناديها ليسا". وقفت بيلا بعد أن كانت ممددة، وخرجت لتتأمل تلك الفتاة؛ يا الله! إنها بريئة تماماً مثلما كانت بيلا قبل أن تتبدل، وربما أكثر براءة. وقفت الفتاة فور رؤيتها، واندفعت نحوها تحتضنها بحبٍ زائف قبل أن تنطق: "أبي جاستينو أخبرني أنكِ أروع مما تخيلت بحق!". نظرت بيلا نحو جاستينو، ثم ابتسمت وقالت: "مرحباً يا صغيرة، أنتِ أيضاً تبدين رائعة حقاً". ردت ليسليا بعفوية: "وأنتِ أيضاً كنتِ رائعة بشعركِ الطويل مثلي، كنتِ تشبهينني كثيراً.. وبالمناسبة، أنا لستُ صغيرة، فزفافي الأسبوع القادم بالفعل.. ألم يخبركِ مايك؟". سألت بيلا ونبرة صوتها تحمل ارتياباً مكتوماً: "مَن هذا الذي تتحدثين عنه؟". أجاب ماركو وهو يراقب رد فعلها: "ألا تتذكرين يوم حفل عودة أنستازيا ولارا؟ ذاك الشاب الذي رقص معكِ في القاعة.. إنه هو، لقد كانت جارته لثلاث سنوات طوال، وهناك ولد الحب بينهما وقررا الزواج". رفعت بيلا حاجبها بذهول ممزوج بسخرية لاذعة: "أتقول إنها في علاقة معه منذ أن كانت في السادسة عشرة؟ أتمازحني يا ماركو؟". تدخلت ليسليا بـخجل فطري صبغ وجنتيها: "أقسم لكِ يا أختي أنه لم يلمسني قط.. كنا نكتفي بالحديث والخروج سوياً، لكنني لا أزال كما أنا، لم يحدث بيننا شيء". تنفست بيلا الصعداء وأردفت بتساؤل: "ذكروني باسمه ثانية؟". قالت ليسليا بـأمل: "يدعى ماركوس يا أختي". ابتسمت بيلا بـغموض وقالت وهي تهم بالنهوض: "سأذهب لأرتاح قليلاً، فغداً ينتظرني حفل عمل بالغ الأهمية". قفزت ليسليا بـحماس وسألت: "هل يمكنني الذهاب معكِ؟". أجابت بيلا وهي تصعد الدرج بـإعياء: "اجعلي ماركو يحضركِ معه". صفقت الصغيرة بـبهجة وهرعت إلى غرفتها لتنعم بـنوم مبكر استعداداً لغدها المثير. في الصباح التالي: كانت بيلا تجلس في مكتبها كـعادتها، تغرق في الأوراق والملفات بكل ما أوتيت من قوة متبقية. دلف مايك بـابتسامة عريضة وقال: "مرحباً بيلا". ردت بيلا بـابتسامة غريبة لم تصل إلى عينيها ودون أن ترفع بصرها عن الأوراق: "مرحباً مايك.. سمعت أن والدتك أصبحت أفضل حالاً عن ذي قبل؟". أجاب والابتسامة لا تفارق وجهه: "نعم، كثيراً". وفجأة، اختفت ابتسامتها وحل مكانها برودٌ جليدي وهي تقف للرحيل: "إذن استعد مساء اليوم، فهناك حفل هام ينتظرنا". غادرت المكتب دون أن تلتفت خلفها، تاركة إياه في حيرة من أمره. حل المساء.. ارتدت بيلا فستان سهرة يخطف الأنفاس، فوقفت ليسليا أمامها مبهورة بجمالها وقالت بـذهول: "ما أروعكِ يا بيلا! حتى شعركِ الذي بدأ يطول ثانية ليصل لمنتصف ظهرك زادكِ سحراً". نظرت بيلا لـفستان أختها الصغير وابتسمت بـهدوء: "وذوقكِ في اختيار ملابسكِ لا يقل روعة، يا صغيرتي". أردفت بيلا بـحزم: "هيا، ستذهبين أنتِ مع ماركو وأبي، أما أنا فـسأذهب مع مايك". سألت ليسليا بـبراءة: "ومَن هو مايك؟". لم تجبها بيلا التي كانت قد بدأت بـالسير فعلياً، لـيتدخل جاستينو بـابتسامة حانية: "إنه زوج أختكِ بيلا، هيا بنا". استغربت ليسليا وسألت: "ولماذا لا تعيش معه في منزل واحد؟". أجاب ماركو وهو يدفعها بلطف لـتصعد السيارة: "هذه قصة طويلة ومعقدة، المهم أنهما منفصلان وعلاقتهما تقتصر على العمل.. كفى أسئلة الآن ولنذهب للحفل". دخلت بيلا القاعة ومايك يسير بـجانبها، اتجهت نحو والدها جاستينو، وفي تلك اللحظة رأت ماركوس يقترب منهم بـابتسامة خجولة؛ لم يكن يعلم أن ليسليا هي أخت تلك المرأة القوية التي رقص معها سابقاً. قال ماركوس بـصوت خفيض: "مرحباً". ردت بيلا بـابتسامة: "أهلاً بك". مالت ليسا بـشقاوة نحو أختها وقالت: "ما رأيكِ أختي، أليس وسيماً؟". ضحك الجميع على عفويتها، وابتسمت بيلا لهم في صمت. قال مايك بـهدوء: "سأذهب للمرحاض"، ثم غادر المكان. اغتنمت بيلا الفرصة وقالت لـماركوس: "تعال معي أيها الصغير". خرجت معه لـحديقة القصر وقالت بـصراحة حادة: "ماركوس، أختي لا تزال صغيرة وحمقاء، وأنت خجول بـطريقة تثير دهشتي.. أخبرني بـصدق، أتحبها حقاً؟". أجاب ماركوس بـسرعة وانفعال: "أحبها جداً، ولا أريد التخلي عنها أبداً، أرجوكِ آنستي". ابتسمت بيلا وقالت: "اسمي بيلا، ولستُ آنسة". رد ماركوس بـهدوء: "لكنكِ لم تتزوجي ألكسندر بعد، أليس كذلك؟". ضحكت بسخرية مريرة وهي تشعل سيجارتها: "أنت حقاً أحمق وصغير.. ليست كل العلاقات تنتهي بـالزواج، أنا تزوجتُ بالفعل ذاك الرجل الذي غادر للمرحاض منذ قليل". اعتذر ماركوس بـإحراج، لـتكمل بيلا وهي تنفث الدخان: "أخبرني، هل تعمل مع ألكسندر براندو، وروبيرتو، وماكس؟". أجاب: "نعم، أعمل معهم وأعلم تماماً عن أعمالكم غير القانونية". قالت بيلا بـنظرة ثاقبة: "إذن أهلاً بك معنا.. تعال معي الآن، فهناك اختبار بـانتظارك لنرى مدى وفائك، ولتعلم جيداً بشاعة الخيانة قبل أن تخطو خطوة واحدة في عالمنا." صعدت بيلا ومعها ماركوس إلى طابقٍ علوي، توقفت أمام غرفة معينة وفتحت الباب ببطء وهدوء يسبق العاصفة، لترى عيناها ما كانت تتوقعه تماماً؛ مايك يفتش الغرفة بجنون وسرعة محمومة، يهمس بلعناتٍ مكتومة وهو يبحث عن شيء ما. في تلك اللحظة، ضغطت بيلا على زر الإضاءة الخافتة وقالت بنبرة يملؤها الخبث والهدوء: — "ما تبحث عنه ليس هنا يا مايك.. الأوراق التي تريدها في مكان آمن معي بالفعل، يا زوجي العزيز." التفت مايك بصدمة ممزوجة بالرعب والغضب، وصرخ بفحيح مكتوم: "اللعنة عليكِ أيتها العاهرة!". اقتربت منه بيلا بخطوات واثقة تحت أنظار ماركوس المذهولة، وقالت بتهكم: "تؤتؤتؤتؤ.. هذا ليس جيداً يا ماركوس، يعتقد أنني عاهرة! بينما الحقيقة يا مايك أن والدتك هي أكبر عاهرة عرفها التاريخ.. ألم تعلم بعد أن فيكتوريا هي أمك الحقيقية، وأن أليسيا هي أختك، أيها العاهر؟". احتقن وجه مايك بالحقد وصرخ: "سأجلب لهما حقهما وسأقتلكِ..". لم يكد يتم جملته حتى باغته خنجر بيلا وهو ينغرس في أحشائه ببرود لا يوصف. استند بضعف على يديها التي كانت تغرس النصل بعمق، وهي تبتسم في وجهه وتستشعر حرارة دمائه التي لوثت يديها، بينما بدأ الدم يتدفق من فمه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بصدمة وانكسار. سقط أرضاً يحتضر، وهي ترمقه بقسوة قائلة: — "كان يجب أن تتعلم أن عالمي لا يتسع لمن يخونني، ولستِ بالحمقاء التي تثق بابنة عاهرة أيها المخنث. صدقني، موتك الآن هو رحمة لك، فما كنتُ سأفعله بك لو تركتك حياً كان سيجعلك تتوسل لنيل هذه الميتة ولن تنالها مني." أخرجت منديلاً، مسحت الدماء عن يديها ببرود، ثم ألقته فوق جثته الهامدة وخرجت. وجهت أمرها لرجل كان يقف بالخارج: "تخلص من كل الأدلة التي قد تشير لهوية القاتل". أجابها بطاعة: "أمركِ سيدتي". وهي تهبط الدرج، التفتت لماركوس وقالت بجمود: "كان يجب أن ترى هذا يا ماركوس؛ فأختي بريئة لا تعلم شيئاً، ومهمتك الآن هي حمايتها معنا". رد ماركوس بهدوء وبرود لم يتوقعه أحد: "أعلم بكل ذلك، لا تقلقي يا بيلا". ابتسمت له بيلا ابتسامة رضا، وكأنها تمنحه مباركتها ليكون مع أختها. اندفعت ليسليا نحوها واحتضنتها بـحب: "أحبكِ بحق يا بيلا!". ابتسمت بيلا بمرارة وهمست: "هيا يا صغيرتي، اتركيني الآن فلدي عمل لإتمامه". أكملت هبوط الدرج، لتصدم برؤية ألكسندر يقف بجانب فتاة غريبة لا تعرفها، يحاوط خصرها بتملك مريب وهو يتحدث بوقار للرجل الذي أمامه. نظرت إليه بيلا بسخرية ممتزجة بمرارةٍ تذبح القلب، ثم أشاحت بنظرها للأمام؛ فهي تدرك أن جسدها يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأن المرض استشرى في عروقها بالكامل. كانت تبذل مجهوداً خرافياً لتقف بصلابة هكذا، فلم يتبقَّ سوى أسبوع واحد على زفاف أختها الصغرى، ويجب أن يتم كل شيء على أكمل وجه قبل أن تسقط الورقة الأخيرة من حياتها.