الفصل 30
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
كانت لا تزال فاقدة للوعي… ترقد فوق السرير الكبير في غرفته.
الغرفة كانت دافئة على غير العادة، فقد حرص بنفسه على رفع درجة الحرارة قليلًا، كأنه يريد أن يسرق عنها حتى برودة الألم.
جسدها كان مستلقيًا بهدوء فوق الملاءات البيضاء الناعمة، صدرها ملفوف بالكامل بالضمادات التي تحيط بكتفها وتنساب قليلًا نحو جانبها حتى بطنها المكشوف ، بينما شعرها الأسود الطويل كان متناثرًا فوق الوسادة كخيوط ليلٍ هارب فوق الثلج.
منذ ساعتين…
لم يتحرك من مكانه.
كان جالسًا على الكرسي بجانب السرير، ساكنًا تمامًا، يراقبها كما لو أنه يخشى أن تختفي إن أدار عينيه لحظة واحدة.
لم يستطع أن يبعد نظره عنها.
تبا…
كانت ستختفي.
كانت ستغادره في لحظة.
بعد أن وجدها أخيرًا… بعد أن بدأ يشعر بوجودها يملأ فراغًا داخله لم يعترف بوجوده يومًا… كانت ستتركه ببساطة.
قبضته انغلقت بقوة حتى برزت عروق يده.
سيحرقهم.
سيحرق من كان السبب…
وسيحرق كل من تجرأ وفكر في إيذائها.
عيناه المظلمتان انتقلتا إلى وجهها مجددًا.
كيف يمكن أن يمر يوم… دون أن يغرق في تفاصيلها؟
في تلك الملامح التي أصبحت مألوفة له أكثر مما ينبغي…
اقترب ببطء من السرير.
وضع يده على طرف الملاءة، وانحنى قليلًا حتى أصبح وجهه قريبًا جدًا من وجهها… قريبًا إلى حد أن أنفاسها كانت تلامس بشرته.
كان ينظر إليها بتركيز عميق…
إلى رموشها الطويلة الساكنة…
إلى شحوب وجهها الذي لم يفقد جماله رغم التعب…
صدرها كان يرتفع وينخفض بسرعة.
أنفاسها قوية…
حرارتها مرتفعة.
لكن هذا طبيعي.
فقد خرجت من العملية منذ ساعتين فقط.
ابتسامة خفيفة تسللت إلى شفتيه وهو يراقبها.
مد يده ببطء شديد… وكأنه يخشى إيقاظها، ثم أبعد خصلة شعر سوداء سقطت فوق خدها.
— كدتِ تفلتين مني…
همسها بصوت منخفض بالكاد سُمع.
— وهذا شيء لن أسمح بحدوثه مرة أخرى.
اقترب أكثر… حتى لامست أنفاسها الحارة وجهه بوضوح.
ثم انحنى قليلًا وفي لحظة قبّل شفَتيها قبلة هادئة، طويلة بما يكفي ليترك أثرها.
ابتعد بعدها ببطء، ومسح شفتيه بإبهامه وهو يبتسم ابتسامة خافتة مليئة بشيءٍ مظلم ولطيف في آنٍ واحد.
وقف مستقيمًا أخيرًا.
ألقى عليها نظرة طويلة أخرى، كأنه يطمئن أنها ما زالت هناك… لم تختفِ.
ثم اتجه نحو الباب وفتحه بهدوء حتى لا يوقظها.
وقبل أن يخرج، قال بصوتٍ منخفض يحمل وعدًا واضحًا:
— سأتركك ترتاحين قليلًا يا بيكينيا ميا…
توقف لحظة، ابتسامته اتسعت قليلًا.
— لكن أعدك… سأعود بعد قليل لأزعجك.
.
.
.
.
.
.
كان يمشي ببرود، يديه داخل جيبيه وخطواته طويلة وهادئة كعادته، وكأن العالم كله لا يعنيه.
أما هي… فكانت تركض خلفه بغضب واضح، أنفاسها تتسارع وهي تناديه بغيظ.
— هااااي أنت… توقف!
لم يتوقف.
بل واصل السير وكأنه لم يسمع شيئًا، وابتسامة خفيفة تشق وجهه بوضوح مستفز.
زادت سرعتها حتى تجاوزته بخطوة واحدة ثم وقفت أمامه فجأة، أجبرته على التوقف.
شعرها القصير تطاير حول وجهها مع الهواء الدافئ، وخصلاته انعكست تحت ضوء الغروب بلونٍ مميز يشبه الكراميل… خليط بين الأشقر والبني يتغير مع الضوء بين دفء الشمس وبرودة الظلال.
رفعت رأسها إليه بعينين مشتعلتين وقالت بغضب:
— اسمع… أريد الذهاب لرؤية دالين الآن.
نظر إليها ببرود تام، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الانفعال.
— ألم أقل لكِ إنها بخير الآن؟ لذلك ليس عليك الذهاب.
ثم تجاوزها ببساطة وواصل السير.
لكن ذلك كان كافيًا لإشعال غضبها أكثر.
استدارت بسرعة نحوه وصرخت:
— قلت أريد الذهاب! أريد رؤية صديقتي! لا يهمني رأيك… سأذهب!
توقف.
بطء حركته جعل الجو حولهما يبرد فجأة.
استدار نحوها، وتحولت ملامحه إلى برودٍ حاد.
قال بهدوءٍ منخفض لكنه قاطع:
— قلت… لا.
ثم أضاف وهو ينظر إليها مباشرة:
— وتذكري أنكما ممنوعتان من رؤية بعضكما. لذلك… كلامي واضح.
تجمدت للحظة، تحدق فيه بحقد واضح.
ظل الصمت بينهما ثقيلاً…
ثوانٍ طويلة وهما يتبادلان النظرات، كأنها معركة صامتة لا يريد أي منهما التراجع فيها.
ثم أدارت وجهها فجأة واستدارت بعنف.
— أحمق.
تمتمت وهي تبتعد عنه بخطوات غاضبة.
ظل واقفًا يراقبها وهي تبتعد، حاجبه ارتفع قليلًا بسخرية.
مرر يده على شعره ببطء، ثم همس لنفسه بتهكم خفيف:
— أحقًا… سأفعل هذا؟ يا للسخرية.
بعد لحظات قليلة
تحرك خلفها.
خطواته الطويلة لحقت بها خلال ثوانٍ.
وفجأة…
مد يده وسحبها من خصرها بسرعة قبل أن تفهم ما يحدث، ورفعها على كتفه بعشوائية.
— ماذاااا؟!
صرخت بغضب ورعب في آنٍ واحد وهي تتشبث بكتفيه بقوة خوفًا من السقوط.
— أفلتني أيها الغبي! أفلتنييي! أنزلني!
قال ببرود وكأنه يحمل حقيبة لا فتاة فوق كتفه:
— اششششش يا صغيرة…
ثم أضاف بنبرة هادئة تهديدية:
— لا تجعليني أغير رأيي وأعيدك إلى غرفتك… ولن آخذك لرؤية صديقتك.
اتسعت عيناها فورًا.
لحظة صمت قصيرة مرت…
ثم ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها.
آه… إذًا سيأخذها لرؤية دالين.
حاولت كبح ضحكتها المنتصرة وهي ما تزال معلقة على كتفه.
للمرة الأولى…
هو من يخسر أمامها ويفعل ما تريده.
تابع ريكاردو السير وكأن شيئًا لم يحدث.
وفي منتصف الممر الطويل… تصادفا مع داميان.
توقف داميان ونظر إليهما للحظة…
ثم ابتسامة ساخرة بطيئة ظهرت على وجهه.
— ماذا تفعلان هنا؟
أجاب ريكاردو ببرود دون أن يغير وضع سابين فوق كتفه:
— سأخذها لرؤية فتاتك.
انتقلت نظرة داميان إلى سابين…
خدودها كانت قد احمرت من شدة الإحراج وهي معلقة هكذا.
ابتسم بهدوء وقال:
— يمكنكِ الذهاب… لكن لا تتأخري.
توقف لحظة ثم أضاف بمرح خفيف:
— سبع دقائق فقط.
رفعت سابين حاجبها بسخرية وكادت ترد…
لكن ريكاردو سبقه ببرود:
— أكره أن يملي أي شخص أوامره على فتاتي…
ثم نظر مباشرة إلى داميان وأكمل:
— أنا الوحيد الذي يملي الأوامر هنا.
ابتسامة داميان اتسعت قليلًا.
استدار ليغادر…
لكنه همس فجأة بنبرة باردة:
— والتي ستزورها فتاتي… لذلك لا تتدخل أنت.
توقف داميان نصف خطوة.
التفت نحوه ببطء… ونظراته أصبحت حادة قليلًا.
قال بهدوء:
— لا أحبذ أن يرى أحد فتاتي بتلك الحالة… غيري.
— لذلك ستدخل هي فقط.
ساد صمت قصير بين الرجلين.
ثم ابتسم ريكاردو ابتسامة خفيفة.
وأخيرًا… أنزل سابين عن كتفه.
ما إن لمست الأرض حتى ركضت بسرعة نحو الباب ودخلت إلى غرفة داميان حيث كانت دالين ترقد.
بينما بقي ريكاردو في الخارج.
واقفًا بهدوء… يراقب الباب.