حادي العيس - الفصل 7 - بقلم البيداء | روايتك

اسم الرواية: حادي العيس
المؤلف / الكاتب: البيداء
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 7

الفصل 7

الورقة السابعة *• تسير السيارة في الطريق الطويل، تتخذ مسارًا غير معبد .. تهتز مرارًا حتى تتوقف أعلى منحدر عالي، منحدر صلب متساوي، يلتفت إلى والده :" هنا يبه؟ " يتأمل المكان بعيني حنين، يفتح باب السيارة ليخرج .. يسير ببطء متحسسًا موضع قدميه، يخرج نجد من السيارة هو الآخر ليلحق بوالده، يمشي بجانبه .. تلمع عينا ياسر وهو يقول :" تعرف يُبه وش هالمكان؟ " يبتسم نجد وهو يكتف يديه :" حدود الهضبة" يهز رأسه إيجابًا :" ووش بعد؟ " يعقد حاجبيه نجد :"طويق؟ " يُمسك بكفه ياسر، يسير به .. يبتعدان عن السيارة، يتخطيان الصخور .. يُبعده عن النباتات الشوكية، حتى يقف بعد مدة بين صخرتين كبيرتين بارتفاع شاهق، يضرب ياسر الصخرة بكفه ليتطاير غبارها :" هنا يا نجد .. إذا ما خيبت الطبيعة والتطور توقعي" يتحسس نجد الصخرة التي يشير إليها والده، يسمعه يتابع :" هنا قبل سبعة وعشرين سنة ونص ولدت" تتسع عيناه بدهشة، تغوص كفه في الصخرة عله يتلمس الموضع الأول لبزوغه في الحياة :" يبه هنا ولدت أنا؟ - بعتاب - ليش ما أخذتني لهالمكان قبل؟ " يبتسم ابتسامة لا تظهر إلا لنجد :" الإنسان كل ما كبر أكثر زاد حنينه للماضي، دخلت الخمسين والظاهر بدت تلعب لعبتها بقلبي ولا زمان ما كان يجي بخاطري أوديك هنا" يجلس نجد، ليجلس والده معه تحت الصخرة.. تدور عينا نجد في الرمال وتشققات الجبل، المكان الذي ردد صدى صراخ أمه .. يكاد يسمع صوت طفل صغير يفجّر أول صرخاته بين هضبة نجد ليرتد صوته، يعود صوت والده :" هنا طحت من رحم أمك ليدي .. كانت أول يد تشيلك وأول حضن يحضنك هو صدري" يسحب كف والده ليقبلها سريعًا، يتابع ياسر :" سبقت موعد جيتك بشهرين، وكأن الله يهيأ ولادتك مع ولادة أخوك يوسف.. كنت أضمك بأول نَفس وبأول صرخة لك، وكان يوسف تو ماله يومين بحضن أمه ما كنت أدري عن ولادته" تذبل عينا نجد وهو يستشعر صوت الندم ينبع من والده، يعود ياسر :" كنت خايف من لحظة ولادتك، وكنت متشوق لها .. بس عرفت شكثر كان الشعور يستاهل كل لحظة شوق وأنا أضمك ... كانت أمك بالقرية ويوم جاء وقت ولادتك حاولنا ناخذها أنا وجدك لأقرب مستشفى، بس استعجلت انت وطلعت عالدنيا واحنا موقفين السيارة هنا لو لا لطف الله ثم الحرمة الكبيرة اللي وقفت بعايلتها بالطريق كان فقدتك انت وأمك..- يصمت وكأن تلك اللحظة برهبتها تعود إليه.. يبتسم ويشير إلى السماء- كانت الدنيا تبرق وترعد .. وجدك الله يرحمه خايف يجي السيل ويحجزنا ، كان موسم السيول .. قبل ولادتك بأربعة أيام جاء سيل كبير وحجزني ما أطلع من القرية .. " يقاطعه نجد :" عشان كذا ما حضرت ولادة يوسف؟ " يهز رأسه إيجابًا، يتابع :" يوسف ولد وحده بدون أبوه، وكبر وحده بدون أمه.. كبر فجأة وأنا غافي عنه - يزفر بشدة ليتابع بعد صمت- وانت للحين ما كبرت بعيني يا نجد، انت للحين أخاف عليك كل ما طلعت من البيت، أخاف إنك تقطع الشارع وحدك.. انت بتبقى ذاك الطفل الموصول بحبل برحم أمه " يصغي إليه نجد بصمتٍ مطبق، صمت يخلف وراءه حب يكبر ويتضخم أكثر لأبيه، الأب الذي بات يراه ابنًا له، يشعر بأنه هو الأب .. يرغب وبشدة أن يأخذ هذا المقام من أبيه ليكون أباه؛ لأنه يدرك أن لا أعظم من الأب.. وتتوق نفسه ليصل إلى هذه الرتبة ليس مع طفل له، بل مع أبيه .. يتابع ياسر :" كان خالك ناصر يقول لي وانت طفل لا تدلله كثير .. الدلال الكثير يقلب في الكِبر، كانوا يقولون الابن المدلل هو اللي يوجع أبوه لا كبر .. بس أنا أشوفك فيني، أنام كل ليلة وأنا أدري ما برتكي إلا عليك.. ولو نفسي خذلتني نجد ما يخذلني" يشد على كف والده، يوجعه قلبه لحديث والده الغريب .. بات والده يسبب له الوجع وكلامه يزداد ألمًا، لا يود أن يفكر .. أن يصطدم بأن هذا حديث الخمسين، حديث الكِبَر .. يدني رأسه على كتف والده، يُقبله :" أنا ..ويوسف، كلنا ظهر لك يبه، الله يديمك لنا ولا يوجعنا فيك" تسقط قطره باردة على خده، يعقد حاجبيه ليصله تهليل أبيه .. يرفع رأسه لتشق الضحكة طريقها مختلطة بضحكة ياسر :" الله أكبر ... أمطرت يا نجد" يتوقفان، تنساب الأمطار لتبلل وجهيهما، تمتلأ صدورهم برائحة الطين، أمطرت نجد .. ولا شيء يعادل شوق قلوب أهلها لقطرة مطر تبدد الجفاف، أمطرت وكأنها تُذعن لقلبيهما اللذين اتصلا وتشابكا لتسقي أوردتهم بماء السماء .. - تستند على نافذتها بضياع شديد، تشعر بعظامها تتفتت .. باتت مريضة من الداخل وكأن باقي جسدها يستجيب لينسل من بيدها، هاتفها مرمي بإهمال.. منذ مكالمة عبدالله الأخيرة رمته بخوف ورهبة، تشعر أنها فقدت نفسها .. لم تنفك منذ هطول المطر وهي تطلب من الله أن يأخذها إليه، ترتسم ببالها صورة العراق .. ذاك البلد الجريح، لماذا تتراءى لها الآن وهي التي كانت ترتجف خوفًا كلما مر اسمها على مسمعها أو سقطت أنظارها خطأً على قناة تبث الأخبار محملة برائحة الدم الذي بات يلازم العراق الجريح؟ كانت صغيرة .. لكن ذاكرتها احتفظت بتلك الأيام المشؤومة لتذكرها الآن، ماذا لو سبق الزمان خالها خالد تلك الليلة؟ تذكر تمامًا صراخ خالد الهزيل على ذاك الوحش الذي يُسمى والدها .. تنتابها الرعشة على ذكرى والدها، تُمسك رأسها تحاول طرد شريط الذكريات الذي بدأ يُفلت وينساب متخللًا مرضها .. تهديده بأن يُبلغ الشرطة، يرد الآخر بصوت مزمجر يهدده بالأذى الذي سيُلحق به، يُذكره بعصابته الإرهابية التي تنتشر كالسرطان، لن ترحمه .. ولن يرحم هو نفسه وزوجته وابنتهم الصغيرة، سيُفجر نفسه والبيت بمن فيه ولن يستسلم، سيقتل نفسه وزوجته وابنته على أن يستسلم... يذبل خالد بخوف، يحاول أن يلجأ لأخته، لكن قلبها وعقلها سُلم لوحوش يدعون أنهم الدين، عمياء هي عن كل السواد الذي يحيط بها حتى صارت أشد قسوة من زوجها .. تؤكد له أنها لن ترحل إلا لقيام الحق، وإن فشلوا فالشهادة هي طريقهم.. تدعو له بأن يعود لرشده ويهرب من الطغيان إلى الجهاد، ييأس خالد، يُدرك أن لا طريق معهم .. هما بالجحيم، لا يبالي .. لكن تلك الطفلة المتعلقة به لن يسمح بإرسالها إلى الجحيم، كان ضعيفًا في وقت سابق .. زُوجت طفلتان لم تتجاوزا الثالثة عشر لأشباه رجال من نفس زمرة أبيها، يُدرك خالد أنهما هُرّبتا مع أزواجهم إلى أفغانستان، لم يكن بمقدوره فعل شيء.. لكن الآن سيُقاتل لأجل رغد، لم يكن قتاله سوى أن استطاع انتشالها والهروب بها منهم ليلة رحيلهم .. كان موقنًا أن أبا رغد لن يتمكن من تحطيم جميع خططه وجميع خطط رؤسائه الشياطين لأجل طفلة! سيلقى حتفه سريعًا بتهمة الخيانة.. تنساب دموعها بشدة، تشعر بعظامها تؤلمها وهي تذكر ضرب والدها .. لم يرحم صغرها، كان شيطانًا على هيئة إنسان، قد يكون هو ووالدتها وأختيها فُجروا منذ زمن بعيد، قد يكونون الآن مجرد عظام بالية تحت التربة .. أو قد يكونون في العراق، سوريا، أفغانستان .. تذكر بالمقابل مسح كفي خالد على شعرها، حضنه الطويل لها .. كيف كان يُغني لها قبل أن تنام، يعود لها صوت عبدالله.. تهز رأسها بيأس، أقرب الناس لها يجهل أعظم سر .. هو لا يدرك بسبب ماذا اضطر خالد لما اضطر إليه، هو لا يعلم أنها ابنة إرهابي مطلوب.. أنها فاقدة للهوية بسبب خوف وقلق خالد بأن تُكشف من قِبل ميليشيات أبيها وأخيه، هو لن يفهم الضياع الذي تعيشه.. لن يستوعب حجم خسارتها لنفسها، انتشلها خالها من ضياع كبير ليُلقيها بضياع أصغر .. لكنه ضياع ينهشها ويفقدها نفسها. تقف بثقل لتفتح النافذة، تمد يدها علّها تُلامس المطر .. هي بحاجة أن تُغسل روحها، لكن يدها الهزيلة كانت أضعف من أن تتبلل بالمطر، تقف فجأة .. ترتدي عباءتها وحجابها، تقف أمام الباب بتردد كبير .. لم تجرؤ مسبقًا على تخطي حدودها المرسومة، هذا الباب .. لا تغادره إلا وحارسها ثامر أمامها، ماذا لو خرجت؟ فقط تبلل وجهها بالمطر وتعود .. لن يحدث ما هو أسوأ من حالها. تفتحه ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تقابلها وحوش تتربص بها .. تطلّ من خلفه، لا أحد .. مجمعهم يغطيه الهدوء دائمًا، تأخذ نفسًا عميقًا لتفتح الباب أكثر، تخطو أولى خطواتها بقلق يشوبه توق كبير لملمس المطر .. يرتد باب الشقة خلفها، تنزل الدرج بخطوات مترددة .. تهب عليها نسمة باردة، تستنشق الهواء بعمق كبير وكأنها سجينٌ أُفرج عنه.. تتجاوز الباب، تقف فجأة وهي تتأمل المنظر .. شارع مبلل بالمطر، أطفال يركضون في كل مكان بمرح، أناس كثر يمشون بعجلة .. تقتل الخوف الذي انتابها من منظر الناس وهي تستشعر قطرات المطر تسقط على رأسها من فوق حجابها، تلامس خدها.. تتسع ابتسامتها، تتحول لضحكة كبيرة .. تقفز لتهرول بحرية تفتقدها، تتوقف فجأة وهي تستوعب أنها حافية القدمين! لا بأس، لا يوجد شعور أعظم من أن تغوص أقدامها في المطر.. تتجاوز المجمع، والشارع الذي يقع عليه .. مذهولة هي بشجاعتها لأمر بسيط كهذا! تدخل الحديقة الصغيرة وضحكاتها تتكاثر وتملأ صدرها .. تتقدم لأطفال يلعبون بالكرة، تنوي أن تركل الكرة بعيدًا لتركض لها مجددًا .. لكن يصدونها بنظرات ريبة وهم يحملون الكرة بعيدًا عنها بعد أن رمى أصغرهم عمرًا كلمته :" مجنونة! " يتملكها الغضب، تعيد كلمته في داخلها .. لتضحك وهي لا تتوقع من طفل يرى شابة كبيرة تود اللعب وتسير بلا حذاء وصفًا أقل من مجنونة، لا تُبالي .. تتوجه إلى المراجيح، تسير بسرعة لتلتقط المكان الخالي الوحيد لتحلّق بها بعيدًا .. تنتشر ضحكتها بمتعة كبيرة والهواء يهب بسرعة كبيرة محملًا بالمطر. يصلها صوت امرأة تمسك كف طفلة صغيرة :" معليش أختي تنزلين وتتركين الصغار يلعبون؟" لا تهتم، تتظاهر بأنها لا تسمع .. لن تضحي بمقعدها ومتعتها هذه لأي كان، تشعر بأنها تحلّق بعيدًا مع الطيور المهاجرة.. هذه متعة قد لا تنتهزها مرة أخرى مطلقًا - يحلّ المساء .. تبدد الغيوم حمرة الشفق الأحمر ليغطي السواد المكان، يصلها رنين هاتفها .. ثامر يستعجلها للخروج، تغلق الهاتف بسرعة.. لتسحب الحقيبة القديمة وتفتحها، يأتي صوت سمر من خلفها :" تدورين على شي؟ " ترفع رأسها يمامة برجاء :" أبيك بس تقفلين الشنطة وترجعينها لمكانها بعد ما أطلع" تهز رأسها سمر إيجابًا، تجلس على سرير يمامة تراقبها .. تُخرج الأخرى حقيبة قماشية لتفتحها بعجلة، وسرعان ما انتشرت ابتسامتها بصدمة.. نعم لا بد أنها الأمانة المزعومة! تغلق الحقيبة الصغيرة لتلتفت إلى سمر :" يلله مع السلامة، لا تنسين ترجعين أغراضي" تهز رأسها الأخرى لتضمها بحب كبير :" لا تطولين علينا" تقبّل خدها لتلبس نقابها بعجلة، تضع الحقيبة الصغيرة في حجرها لتخرج سريعًا وتودع خالتها .. تخرج إلى الشارع لترى ثامر يجلس في سيارته محتميًا من المطر، وما أن رآها حتى خرج سريعًا ليساعدها كي لا تنزلق.. تتمسك بالحقيبة لتبقيها معها، تسير السيارة أخيرًا وبهجتها تزيد على وقع صوت سقوط حبات المطر .. تستنشق الهواء بعمق :" اللــه أخيرًا جاء موسم الأمطار" يبتسم لفرحتها، يفتح نافذتها قليلًا حتى يداعبها المطر.. تتحدث كثيرًا، تبدو أكثر نشاطًا بعد زيارتها لأهلها .. يجده الوقت المناسب ليرمي سؤاله ببراءة مزيفة :" يمامة الحين سمر بنت خالك بعمرك؟ " تعقد حاجبيها على السؤال الذي لا يبدو في محله :" لا طبعًا .. ليش؟ " يتابع ادعاءه للبراءة :" ولا شي، بس جاء ببالي شلون وحدة صغيرة بعمرك ومطلقة" تتنهد بضيق :" الله بيعوضها اللي أفضل منه" يهز رأسه تأكيد :" آمين .. بس كم عمرها هي؟ " " امممم أظن ثلاثين أو تسعة وعشرين" يرتفع حاجبه :" آهاا" تغير مجرى الحديث باستعراضها لحالة الطقس للأيام القادمة، تتحدث بكل شيء .. يُحاول إشراك سمر بطريقة غير مباشرة ليعرف المزيد، اكتشف من خلال ساعة الطريق هذه أنها معلمة .. عملها يبعد عن منزل ذويها قرابة الساعتين، لا تأتي إلا نهاية كل أسبوع .. لذلك استنتج عدم معرفتها بقدومه ذاك اليوم الجميل. تدخل السيارة مدينة الرياض، يقتربان من المنزل.. ولا تزال الغيوم ملبدة، يصادفان في إشارة الشارع القريبة نجد وأباه، تهمس بحنين كبير يمامة وهي ترى ياسر :" ثامر قول لهم يجون يتعشون عندنا، خالتي جهزت العشاء بالحافظة، بس بسخنه" يهز رأسه إيجابًا ليلتفت إلى السيارة بجانبه :" عمي، يمامة حالفة عشاكم الليلة عندنا" تضربه بخفة على ذراعه، ليضحك وهو يرى فرحة ياسر الكبيرة .. تتوقف السيارتان أمام منزل ثامر، يخرج نجد بلهفة شديدة ووالده معه .. يسمع كلمات أبيه لها وسلامها عليه، يعبر عن شوقه الكبير لابنة لم تكن من صلبه .. تدخل المنزل ليتبعها البقية، وما أن دخلت وتوارت خلف الباب الداخلي شعر بحنينه يقتله .. وكأنها ليست قريبة منه.. تُسخن العشاء، يساعدها ثامر .. وها هي وحدها، تُمسك الحقيبة القماشية بحماس شديد، تستخرج الأشياء .. كلها تعود لما قبل تسعة أعوام أو يزيد.. حقيبة ذكرياتها الصغيرة، تبتسم بحنين شديد وهي تمسك بدفتر قديم.. دفتر كانت تحبه كثيرًا .. تتصفحه لتنتابها ضحكة خافتة، إعرابات كثيرة بخطها الركيك.. وقلم أحمر يصحح الأخطاء منتهيًا بتوقيع كبير .. توقيع نجد، الأستاذ نجد .. تقلبه سريعًا حتى وقعت عيناها على ورقة في منتصف الدفتر، لتعقد حاجبيها سريعًا، لا تتذكرها إطلاقًا .. ترفع الدفتر بعقدة حاجبيها وهي تقرأ خط نجد ( يمام العزيزة .. أظنك تعلمين أن قرار إبعادك عني آلمني .. نعم كنا صغارًا وما عدنا كذلك، كنتِ جزءًا مني .. وأعلم كيف كنت مقربًا منكِ، أعلم جيدًا أن مكانتي تعلو مكانة يوسف وثامر عندك.. لم يكن عدلًا أن ينزعوك مني، أن تتواري خلف حجابك كلما اقتربت، هي أمور دين ولا اعتراض .. لكن ارتباطي الروحي بك لم يكن مصادفة، كنت أتساءل الأسبوع الماضي كيف وقع اختيار اسم (اليمامة) عليك من بين جميع أسماء البنات في العالم؟ كيف ضاقت اللغة على والديك حتى لم يبقى غير (اليمامة) لتُسمي به .. لكني وصلت لجواب منطقي، اسمكِ لم يكن عبثيًا .. كان إعلانًا من القدر ليكتب ويقرأ علي مصيرك، مصيرك المرتبط بي.. سميتِ باليمامة تيمنًا باسم مديتنا وانتمائنا، أظنكِ تعلمين أن الرياض كانت تُسمى اليمامة قديمًا .. وأنا نجد، تلك الهضبة التي شهدت التاريخ والممالك .. حتى قادها الزمان لتصبح (اليمامة) عاصمتها ورأسها الشامخ، اليمامة لا تنتمي إلا إلى نجد .. ونجد لا تُباهي إلا باليمامة. هما جزءان لا ينفكان عن بعضهما، تمامًا كما أنتِ وأنا .. أؤمن جدًا بارتباطنا، أراكِ تلبسين الفستان الأبيض.. لأُمسك بكفك الصغيرة وأحملك إلى مصيرنا وأحلامنا، حبيبتي يمام .. اليوم أُنهي آخر اختباراتي في الثانوية .. السنة المقبلة سأكون طالبًا جامعيًا ، أعدك أن تمر سنوات دراستي الأربعة سريعًا، سأثبت نفسي لك، ولأختك نورة .. سأثبتها لثامر ويوسف، ليثق الجميع أني أليق بكِ، كما أنتِ تليقين بي.. يتملكني الخجل وأنا أكتب إليك .. لكن حبي وشغفي يستحوذان على هذا الخجل حتى ما عدت أبالي بما أكتب، انتظريني يا يمامتي الصغيرة ... نجد *التوقيع* 5/1/1428 ) ترتجف عيناها وهي تُعيد قراءة المكتوب، تشعر بحرارة حارقة تحرقها .. كيف فاتتها هذه الورقة؟ كيف انزلقت من بين الأوراق واختفت؟ لماذا تظهر لها الآن؟ تغطي عينيها بكفيها بوجع شديد .. ذاك الدفتر، كان يساعدها في مذاكرة مادة القواعد العربية الفاشلة فيها، كما كان يوسف .. يكتب لها القواعد باختصار ويُعيد إرسال الدفتر إليها لتحل الأسئلة .. كانت تنتهي من اختباراتها قبلهم، وبقي ذاك الدفتر بحوزته .. حتى انتهى من اختباراته هو الآخر وأعاده، لم تبالي به .. وضعته في صندوق ذكرياتها التي تحتفظ به وأغلقته حتى هذه اللحظة.. تتنهد بوجع كبير لتُعيد فتح الصفحة، يقلد والده حتى في أسلوب كتابته المميز.. تتلمس خطه الصغير .. هل ما زال كما عرفته؟ أنيقًا ومرتبًا؟ لماذا تأتي هذه الورقة الآن؟ وفي هذا الوقت؟ هل كان جادًا فيما يكتبه؟ .. يعود إلى ذاكرتها ذاك اليوم الذي أخبرها يوسف بنية خطبة نجد لها، كان ينوي سماع رأيها قبل أن يتحدث إلى خالها .. تذكر جيدًا كيف غضبت، كيف صدت يوسف بنفور شديد وهددته بمقاطعتهم أن فُتح الموضوع مجددًا ..وكيف باتت تتحاشى نجد تمامًا، كانت تعلم أن نجد لا يعرف سواها .. لا يعرف سوى الفتاة المقعدة اليتيمة، من تشتت بين بيت أختها الراحلة وبيت خالها .. كانت تعلم حجم الفقد الذي سببه رحيلها عنهم، عن يوسف وثامر ونجد وحتى ياسر ..والآن يأتي لخطبتها ليلم شملها بهم مجددًا؟ كانت ولا زالت تكره فكرة أن تكون مجرد عالة، أن يراها الجميع بعين النقص والشفقة.. أو أن تتزوج لأنها فقط المتوفرة، كانت تحلم بأن تعيش قصة حب ملحمية، أن يُحارب الجميع لأجلها .. لكن ليس نجد! الصديق الذي سبب لنفسه خسارة بسبب خطوته هذه، أن يتقدم إليها فقط لأنه لا يعرف أنثى غيرها! تشعر ببلل يزحف إلى عينيها، تمسحه بكفها قبل أن تسقط الدمعة.. تزفر بحرارة ولا زالت تتأمل الورقة، تشد أصابعها لتفصل الورقة عن الدفتر .. تطويها بعناية كبيرة لتضعها تحت وسادتها، ستأخذها غدًا معها .. ستُعيدها إليه، الأمانة التي طلبها .. هل طلب استردادها ليمزقها؟ أم طلبها ليُذكرها بالألم الذي سببته له ويفتح ورقة أخرى؟ ورقة وجع جديدة.. تمسح وجهها سريعًا على صوت وقع خطوات ثامر، يقف قُرب بابها بابتسامة واسعة :" الله يسلم يدين خالتك، من زمان ما أكلت بهالشهية" تمثل الابتسامة :" الحمدلله، راحوا؟ " يهز رأسه إيجابًا:" ايه وغسلت المواعين .. نامي الحين وارتاحي" يتركها ليدخل غرفته. - يخرج من المسجد بعد آداء صلاة الفجر بخمولٍ شديد، يُحاول استعادة نشاطه بالمشي السريع حول حديقة الحي الصغيرة .. يُفكر في مشيه باللقاء العلمي الأول للقانونيين في مدينة الرياض، سيُقام اليوم.. ويقدم هو ورقة علمية بين حضور كبير، سيُمثل الجامعة والقسم.. لابد أن يكون مستعدًا، يتوقف فجأة وهو يذكر.. يضرب جبينه بخفة وهو يخرج هاتفه، نسي أن يبلّغ شُعبه الدراسية بإلغاء المحاضرة بسبب اللقاء .. يكتب رسالة جماعية لطلابه يبلغهم بالاعتذار .. يعود لمنزله، يستعد .. يمضي الوقت وها هو يقف بسيارته أمام أحد الفنادق الفخمة، لا تزال أمامه ساعة قبل بدء المؤتمر، يرغب بتفقد طلاب القسم التابعين له.. يتعرف على طلابه سريعًا، يتجه إليهم ليسجل حضورهم.. يبتعد الطلاب قليلًا لتتقدم مجموعة طالبات لا يتجاوز عددهم الخمسة، يرفع رأسه ليلقي نظرة سريعة .. يأتيه أحد الطلاب ليستفسر عن أمور تخص المؤتمر، يترك الورقة مع الطالبات ليركز انتباهه على الطالب، وما أن انتهى منه تُقدم له إحدى الطالبات الورقة لتجلس مع رفيقاتها .. مرر عينه سريعًا على الأسماء يتأكد من عددها، وسرعان ما بهتت عيناه وهو يرى الخط المنظم باسمها (ريم موسى)، لم يطّلع على أسماء الطالبات مسبقًا .. ليتفاجأ الآن أنها معه، يرفع بصره إلى مكان جلوس الطالبات.. يُخمن من تكون، اثنتان بحجابيهما دون نقاب.. واثنتان بنقاب لكن بعبايات ملونة، ووحيدة بعباءة سوداء .. لم يكن من الصعب عليه تأكيد أن تكون هي، ابنة الشيخ موسى مؤكد ستلتزم بمعايير حجاب محددة .. يشتت أنظاره ليُبعدها عن فكره، يترك طلابه ليتقدم ويجلس في واجهة القاعة الكبيرة.. ينشغل مع زملاء وأساتذة وقانونيين في نقاشات كثيرة .. يبدأ المؤتمر، تتوجه إليه الكاميرات.. ليبدأ ورقته، تمضي الساعة سريعًا وهو مستمتع بأجواء المؤتمر.. يرفع حاجبه بانبهار وهو يسمع تدخلاتها التي تلقيها بين الفينة والأخرى، تسأل .. تُناقش وكأنها أستاذة وليست طالبة في مراحل دراستها الأولى، تمتلك هالة هيبة خاصة كأنها ورثتها من أبيها.. فصيحة اللسان، قوية الحجة .. لو كانت فقط تملك اسمًا غير اسمها لما توانى عن إبداء الإعجاب الشديد بها كما فعل معظم الجالسين معه .. يشيدون بها، يتوجه الكلام إليه ليبدون إعجابهم بقدرة طالبة من طالبات جامعته على هذا المنطق. ينتهي المؤتمر .. تتفرق الكراسي، يُغادرون القاعة منتشرين في البهو .. يقف مع مجموعة رجال ونساء يتناقشون، يرى طلابه يقتربون ينتظرونه وكأنه أبٌ يخشون ضياعه في الزحام، يبتعد ليقترب من طلابه بابتسامة واسعة.. فخور هو بما قدّمه وبالإطراء من الجميع على طلابه، يضحك قليلًا مع الطلاب بينما الطالبات يقفن على بعد مسافة منهم، يُعرفهم على أساتذة القانون البارعين ليتقدموا ملقين السلام، يصله صوت رقيق من خلفه :" أستاذ ناصر " يلتفت سريعًا ليجد أمامه طالباته تقف اثنتان منهم بمسافة أبعد قليلًا .. إحداهما ريم، يصله إطراء الطالبات وحماسهن للتجربة الأولى لحضور مؤتمر بهذه الضخامة، تسأل إحداهن :" أستاذ كيف درجاتنا حقت الاختبار؟ " يعقد حاجبيه :" أنتِ مين؟ " "فاطمة" يهز رأسه بقلة حيلة مبتسمًا :" مفروض أنتِ من الطالبات اللي ما يفكرون يسألون هالسؤال" تزم شفتيها بإحباط :" والله كان صعب.. شرايك دكتور الطالبات المشاركات بالمؤتمر ترفعهم خمس درجات؟ " يهز رأسه نفيًا :" وين إقامة العدل اللي بح صوتنا واحنا نعلمكم به؟ " يأتي اعتراضها ومحاولاتها، يهز رأسه بنفي أشد :" كل طالبات الشعبة محتاجين درجات، ظلم أعطيك لأن اسمك ترشّح للحضور وهم انحرموا - يلم أوراقه التي بين يده يلتفت للتي تقف في الخلف مميلًا رأسه - بس طالبة واحدة أبهرتني واستحقت الدرجة الكاملة" ترفع رأسها سريعًا منتبهة له، تلتفت الطالبة الأخرى لتلتقي عينيها بريم .. تضرب رأسها بخفة :" أكيييد ريم! " يبتسم ولا تزال عيونه على تلك الواقفة تنظر إليهما :" طبعًا، وهل في ذلك شك؟ " يصله صوت تنهدها الخافت:" الحمممدلله " يقترب خطوة، ولا تزال بينهما مسافة واسعة .. :" الكل كان يثني عليك بالمؤتمر، رفعتِ سمعة القسم" يكاد يرى ابتسامتها من عينيها، تشتت أنظارها سريعًا بخجل لتتداخل أصوات بقية الطالبات مشيدين بما قامت به، يبتسم هو الآخر في ذات الوقت الذي اقترب منه أحد زملائه:" زين عن إذنكم طالبات" يتركهم خلفه ليبتعد، يهز رأسه بضحكة عابرة ممزوجة بسخرية .. كيف أوصله القدر لأن تكون ابنة الشيخ أمامه قبل قليل، يحدثها .. ويضحك! - على بُعد مسافة، تجلس في الخلف والتوتر يغطيها لم تستطع حتى أن تضع عينيها في عينيه، صوتها هزيل وهو يسألها عن حالها .. تحتضن حقيبتها، تتردد في إخراج الورقة .. تزفر وهي تقرر أن تتناسى الأمانة حتى يطلبها هو، قد يكون نسى ما طلبه! يُقاطع سكونهما صوت نغمة هاتفها :" هلا منى .. - تزفر بلا شعور - أوففف معقولة التغت؟ .. - تتنهد بضيق- لا أنا خلاص طلعت من البيت ما يمديني أرجع... مع السلامة" تضع هاتفها والإحباط يصيبها، لا توجد محاضرة .. وسيارة نجد قطعت مشوارًا طويلًا لا يُمكنها أن تعود إلى البيت، يأتي صوته سائلًا :" أُلغيت المحاضرة؟ " تهز رأسها إيجابًا وبهمس :" ايه" يهز رأسه دون تعليق، يسلك مسارًا آخرًا .. ظنت بداية أنه يرغب في إرجاعها إلى المنزل، لكن لم تمضي إلا دقائق معدودة وها هو يقف أمام أحد المطاعم، ينزل ليعود بعد مدة قصيرة حاملًا أكياس ساندويتشات.. يركب السيارة لينطق :" حرام تروح قومتك هالصبح عالفاضي، قلنا نفطرك" تعض شفتها بتوتر يزيد مع الوقت حتى توقفت السيارة أمام حديقة كبيرة، يخرج ولا يترك لها مجالًا أن تعترض، يحمل كرسيها ليقربه لها .. يفتح الباب لتقابله نظراتها المترددة، يبتسم مشجعًا .. تعقد حاجبيها :" طيب ومحاضراتك؟ " يهز كتفه بلا مبالاة :" ما عندي الحين، محاضراتي مسائية" تشعر بكذبه، ينتابها شعور يدفعها للتقدم معه .. تود لو تفهم رسالته القديمة تلك، هل هي خربشات مراهق؟ أم ما زالت تلك الكلمات تحتفظ بمكانها؟ تتحرك لتخرج من السيارة إلى الكرسي، يحمل هو كيس الطعام .. ويسير بجانبها، هواء بارد منعش يدغدغهما، ورائحة مطر ليلة الأمس ما زال يعبق من التربة .. يراقبها كيف تحاول إمساك عباءتها التي يعبث بها الهواء تارة وتارة تحاول السيطرة على نقابها ومرة تتمسك بحقيبتها، وكفها الأخرى مشغولة بتحريك الكرسي، يتقدم ليسير بجوارها، يمد يده ليسحب حقيبتها :" هاتيها عنك" تزيد ربكتها وهي تشعر بيده خلف ظهرها تثبت الحقيبة على ظهر الكرسي، يعودان للسير .. أصبح يمشي متجاوزًا إياها بمسافة بسيطة، تستطيع تأمل هيأته من الخلف بقليل من الحرية .. نجد ذاك الفتى الصغير أصبح طويلًا، كانت في الماضي ترفع رأسها قليلًا كي تتسنى لها رؤيته من كرسيها.. أما الآن أصبح يُعانق السماء، هي بحاجة لأن يطول عنقها كثيرًا حتى ترتاح بتأمله.. فجأة، تشهق بلا وعي وهي تشعر بكرسيها يرتج قليلًا ليتوقف.. يلتفت بتلقائية لها ليجدها عالقة في مكانها ورأسها للأسفل وكأنها تتفقد شيئًا ما.. يرجع لها بعقدة حاجبه :" وش فيه؟ " تزم شفتها بضيق وهي ترى الكارثة أسفلها، تُشير لعجلتها :" فيه حجرة كبيرة " يقترب، يجلس بجانبها على أطراف قدمه متكأً على ركبته .. تُبعد قدميها بيدها حتى يتسنى له رؤية الحجرة، يُبعدها عن عجلتها ببساطة ليقف مبتسمًا :" خلاص شلتها، انتبهي مرة ثانية" تهز رأسها بخجل وما أن همّت بتحريك الكرسي حتى مالت على أحد جوانبه وذات العجلة تفقد توازنها.. :" نجـــد " أمسك بذراعها بتلقائية يمنعها عن السقوط، تشبثت به أكثر وهي تزفر بضيق كبير .. تكره أن تكون بموقف كهذا، ومع نجد بالذات .. خاصة بعدما قرأت ورقته القديمة تلك، يأتيها صوته قريبًا جدًا ولا يفصل وجهه عن وجهها إلا مسافة شبر :" بنزلك .. " لا يترك لها مجالًا، تلتف ذراعه حول ظهرها .. ويده الأخرى تُمسك ببذراعها، تضرب أنفاسه عنقها المغطى بحجابها .. يشعر هو الآخر بأنفاسها المضطربة أعلى صدره وأسفل كتفه، دوامة حارة تعصف به .. يتوه فيها، يرفعها إليه .. لا يفصله عنها شيئًا، يُغمض عينيه وضربات قلبه ترتفع.. تسلبه روحه هذه اللحظة ويغرق فيها .. يشعر بيدها التي تشبثت بكتفه والأخرى تشد على ذراعه وكأنه تخشى السقوط فيه، تنفرج شفاته في لحظة ضياع.. كتفها يكاد يلامس شفتيه، وشفتاه تجف فجأة وكأنها تطلب أن يسقيها.. :" نجـــد" صوتها المرتجف أفاقه من سكرته، يزيد توتره.. تشير بإصبعها للأسفل :" نزلني هنا" يعض شفته بربكة الموقف، يستدرك نفسه .. يُدني جسده لتجلس على الأرض بسرعة، لم يكن أصعب من قربها إلا انفكاكه عنها وهو يشتت أنظاره في العشب ويقف سريعًا متجهًا إلى كرسيها.. يلقّيها ظهره ليستعيد انفاسه قبل أن يعود إليها وبيده كيس الفطور.. أنظاره كانت تضيع في كل مكان إلا عينيها، وبصوت متوتر :" افطري وأنا بشوف للكرسي" يضعه بجانبها ليتركها خلفه تصارع ضربات قلبها، ترفع كفها لترى ارتجافتها .. تزم شفتيها وبداخلها تسب المحاضرة الملغية التي أوصلتها لموقف محرج معه، يلتفت إليها بعدما تمالك ملامحه ليبدد الإحراج :" يمام.. خذي راحتك، افطري ولو ودك شيلي النقاب .. أنا ببعد هناك" يقف ليخلع شماغه وطاقيته والعقال، رغم برودة الجو الخفيفة إلا أنه يشعر بحر شديد مصدره الفتاة الجالسة خلفه، يحمل حقيبتها ليعود إليها ويتركها بجانبها مع شماغه.. يبتعد بمسافة قصيرة مع كرسيها، يحاول معرفة علة العجلة .. يعقد حاجبيه بتورط، هو لا يفقه شيئًا في التفكيك إلا تفكيك النصوص الأدبية .. يحاول مرارًا، لكن يبدو أنه يزيد الأمر سوءًا .. يصله صوتها من خلفه :" نجد، آسفة" يبتسم ولا يزال منشغلًا بالعجلة :" أنا الآسف .. - يلتفت بملامح باسمة - الظاهر أعدمت كرسيك! " تزم شفتها بضيق، ضيق كونها تورطه معها .. وضيق أكبر لأن أغلى ما تملك يبدو في أسوأ أحواله، تتنهد :" خلاص اتركه، بحاول أمشّي نفسي به الحين ولا رجعت البيت بقول لثامر " يعقد حاجبيه ويده تحاول شد العجلة :" تذكرين يوم كنا صغار .. أنا ويوسف الأغبياء طلعناك التلة - يضحك بخفة وهو يعيد بصره إليها- للحين ما نسيت الضرب اللي أكلناه من ثامر" تضحك وذكرى الماضي تبدد إحراجها:" أووه ثامر المسكين، كان توه مصلح الكرسي ورجعنا عدمناه له" يجلس على الأرض بعد ما كان يستند عليها بأطراف أقدامه، يتكئ بيديه على الأرض وبابتسامة حنين :" أحيانًا أقول ليت ذيك الأيام وقفت ولا عاد مشت ... " تتنهد بضيق، الحنين والماضي بكل ذكرياته يعودان إليها .. تُخرج قطعة ساندويتش من الكيس لتمدها إليه :" افطر نجد واترك الكرسي عنك" يقف ليقترب منها، يأخذ الساندويتش من يدها ليجلس بجوارها يفصله عنها حقيبتها .. يُمدد رجليه مثلها، يبدأ بتناول فطوره ليصله صوتها باسمًا وهي تشير إلى قدميهما :" طولت كثير .. شوي وأوصلك" يبتسم وهو يتأمل أقدامهما، قدمها الرقيقة وخلخالها الناعم، نعم طالت كثيرًا .. لاحظ ذلك في اللحظات القليلة التي حملها فيها، يرفع رأسه ليرميها بنظرة خبيثة :" وش صار على أمانتي؟ " تتذكر الرسالة، تعود كل كلماتها التي حفظتها إلى ذاكرتها .. تزم شفتها بتوتر، تشعر أنها أضعف من أن تُخرج الورقة بكل تلك الكلمات له الآن، تهز كتفيها :" ما ساعدتني انت! " يبتسم، يُمسك حقيبتها ... كاد قلبها يتوقف، لكن سرعان ما عقدت حاجبيها وهي تراه يُمسك بميدالية تتدلى منها ويلعب بها :" أمانة تشبه لهالشي" تشعر بماء بارد يغطي وجهها وهي تسمع كلامه، تبهت .. تُشير مجددًا للميدالية :" ميدالية؟؟؟" يهز رأسه إيجابًا، لتفلت منها ابتسامة صدمة.. ماذا كانت تطن؟ ماذا لو أخرجت الورقة قبل أن يتحدث .. كيف سيكون موقفها وهي تُعطيه ورقة كتبها وهو مراهق معبرًا عن مشاعر طفولية ويوعدها بزفاف وفستان أبيض! تهز رأسها بعدم تصديق .. يتابع :" ليلة وفاة أمي نورة الله يرحمها أخذتِ مفاتيحي وميداليتي .. ووعدتيني بميدالية جديدة.. بس للحين ما شفتها! " هو يتحدث بكل بساطة وهي تقرع نفسها على تفكيرها الأحمق، أمانة .. كانت تظن أن هذه الكلمة تحمل دلالة كبيرة، ورقة ثمينة .. ليست مجرد خيوط كانت تخيطها وهي صغيرة! يزيد اتساع عينيها وهي تراه يفك ميداليتها معلقًا :" باخذها بدل الأمانة اللي ضاعت" لا تعلق، لا زالت مأخوذة بالصدمة .. تراه يُخرج مفاتيحه ليعلّق ميداليتها فيها، يعلو رنين هاتفه .. يعقد حاجبيه بضيق من المتصل الذي يذكره بدوامه، يرد لتُدرك من محادثته السريعة أن هناك ما ينتظره.. يُغلق الخط، يقف ليعود متأملًا الكرسي .. تنطق بسرعة :" عادي بيوصلني للسيارة.. بس قربه لي" يبدو مترددًا، العجلة ما زالت تفقد توازنها .. لكن لا حل آخر، يُقرب الكرسي ليراقبها وهي تستند عليه بثقل، وترفع نفسها إليه .. يُمسك بمقبضي الكرسي ويسيّرها ببطء لئلا تسقط، يفتح باب السيارة لتتسلل كفه وتُمسك بذراعها .. لا ترفض مساعدته، تستسلم له وهي تستند عليه حتى تجلس في السيارة، يقود عائدًا إلى المنزل .. يتحدث كثيرًا، يتذكران الماضي .. يشعر بقربها الشديد منه، وكأنها عادت يمام التي يعرفها وتركها قبل تسعة أعوام في باحة صالة منزلهم تبكي فقد نورة، ليست يمام التي رفضته وصدته يومًا ما.. - يقف أمام مرآته، يُمسك بالورقة ويتأملها .. دعوة وزعتها هديل في آخر مرة التقاها في المركز قبل يومين، مبادرة لدعم مرضى السرطان، لا يهتم إطلاقًا بالحضور .. لا تروق هذه التجمعات الكبيرة لشخص بيتوتي، يرتمي على سريره ولا تزال الورقة في يده .. يبتسم وهو يذكرها وقت توزيع الإعلان كيف تجاوزته لتُعطي الورقة للشخص بجانبه، استنكر فعلها مطالبًا بنصيبه.. نطقت سريعًا بمزاح ( ممنوع حضور العرب)، تضحك على ملامحه المتفاجئة وهي تمد له بالورقة (ترى صدق مو لازم تجي، الحضور مو إلزامي.. النوم على السرير أفضل) .. كانت ملامحه لا تزال متفاجئة من كلامها لتنطق بجدية وهي تبتسم (أمزح.. إذا ودك تجي تعال، بس ترى أبوي وأمي بيكونون موجودين .. - تهمس وهي تقترب منه - يعني سوي نفسك هندي) يرفع حاجبه وهو يدرك سبب عدم رغبتها بحضوره (والله المدينة مو مسجلة باسم أبوك! ) تضحك (لا صدق أمزح، بكيفك بس أنا ما أعرفك ولا انت تعرفني .. ) يتفهم قلقها الشديد، والدها سعودي .. ويعرف جيدًا الحدود المفروضة بين الجنسين في عُرفه. يتأمل الساعة، لم يبقَ على بدء المبادرة سوى عشرون دقيقة.. يهب واقفًا فجأة ليُبدل ملابسه، رغبة شديدة تدعوه للحضور .. يستقل الباص ليصل إلى الحديقة المدونة في الإعلان، يبحث بعينيه عنها .. الكثير من الناس، جلسات أرضية تتوزع في المكان .. يتحلقون بعضهم مجموعات يتوسطهم شخص يتحدث، وفي الجانب الآخر ينتشر مجموعة متطوعين يتحدثون بحماسة .. منهم من يعرض فيلمًا توعويًا ومنهم من يوزع منشورات، ومضمار سباق يلف المكان، تشد انتباهه إحدى الحلقات.. يتعرف على الشخص الذي يتوسطها، والدها .. ابتسامته الوديعة لا تزال، يقترب من الحلقة ليأخذ مكانه.. يسمع حديثه المشجع، يُشير بإصبعه لإحدى الجالسات لينتقل بصر يوسف بتلقائية لها .. امرأة أربعينية بحجاب يغطي شعرها، تلبس معطفًا ثقيلًا يغطي جسدها حتى ساقيها .. تبتسم وعيناها تلمع بحب كبير على كلمات زوجها :" هذه .. هي أملي، من أجلها أنا مستعد لتحمل جميع ألمي.. فقط لأرد لها جزءًا يسيرًا مما فعلته لأجلي، ومما حاربته لأجلي .. - يصفق أفراد الحلقة مشيدين بها .. ترتفع يده مجددًا لتشير لشخص بعيد، يبتسم يوسف وهو يراها منشغلة بتجهيز شيء ما .. يتابع والدها - تلك .. الواقفة هناك - يوجه حديثه لبعض المتطوعين- أظن أنكم تعرفونها .. تلك هي زهرتي، هي ما يبقيني على قيد الحياة .. صحيح أني والدها، لكنها تُمثل لي كل شيء .. أنا لا أرى إلا من خلال عينيها، لا أسمع إلا من أذنيها .. هي عظيمة بعظمة أمها، أنا صغير جدًا أمامها .. لا أكاد أكون شيئًا دونها، سأحارب لأجلها .. " يسمع يوسف بقية حديثه بحنية قاتلة، يكاد يشعر بتحشرج صوت أبيها وهو يتحدث عنها .. عاجز عن وصفها، ينهي كلامه .. يصفق له الجميع، يقفون .. يقف يوسف معهم وفجأة يقترب منه أبوها، يعقد حاجبيه بقلق وخشية .. داهمته كل التوقعات، هل أدرك أنه سعودي؟ هل جاء ليحذره من الاقتراب من هديل؟ سرعان ما بدد قلقه وأبوها ينعطف قليلًا ليُسلم على شخصٍ ما .. يضحك بداخله من الهاجس الغبي! يتأمل ملامحه عن قرب.. جميل هو، يكاد يجزم أن الشيب زاده جمالًا.. يلمح البطاقة المعلقة على صدره ليقرأ الاسم بفضول شديد (عبدالعزيز بن فهد) يليق به اسمه كثيرًا .. ويليق بها أكثر، يبتعد هاربًا ليسير بين جموع الناس، يدخل أحد التجمعات حيث كانت تقف ليراها تجلس على كرسي وكأنها تنتظر شيئًا ما .. يتقدم ليقف أمامها :" وش تسوين؟ " تفز بخوف وللتو تنتبه لوجوده :" بسم الله! خرعتني " يبتسم مميلًا رأسه :" مسموح أتكلم سعودي ولا ممنوع؟ " تدور عيناها بقلق على المكان وهي تحرك كفيها له :" روح روح، أنا ما أعرفك " يضحك على شكلها المتوتر :" كنت مع أبوك قبل شوي! " يراقب تغير ملامحها للخوف الشديد، يضحك مجددًا وهو يستند بذراعه على العمود بجانبها :" بس حضرت كلامه ورحت .. لا تخافين ما شافني" تهز رأسها سريعًا :" طيب طيب بس يلله روح" يعقد حاجبيه متجاهلًا كلامها :" ما قلتِ وش تسوين؟ " تزفر بضيق :" بتبرع بشعري، خلاص عرفت الحين روح" يرفع رأسه متأملًا الحاضرين :" لا تخافين شفته هناك بعيد وشكله مشغول" تتنهد لتحرر شعرها من عقدته، تعود لتأمل الحاضرين بقلق :" زين طيب قدم لي خدمة" لا تترك له مجالًا للسؤال، تُخرج هاتفها لتمده إليه :" صورني .. باخذ صورة وداعية مع شعري" تبهت ملامحه من طلبها، يعتدل بوقفته ليأخذ الهاتف منها .. يلمح سوار الشماغ يغطي معصمها، يتراجع قليلًا ليفتح الكاميرا .. يوجهها إليها وهي تنثر شعرها الطويل حولها :" يللا صور " يتأملها من الكاميرا، تبدو مسالمة وبريئة كما لم يشهد فتاة بوداعتها .. يلتقط الصورة ليُعيد الهاتف إليها :" امممم وين السبحة؟ " تتأمل ملامحها في الصور برضا تام، تُنزل الهاتف لترفع معصمها .. تُزيح سوار أبيها قليلًا لتظهر طرف السبحة :" خبيتها لا يشوفونها أمي وأبوي .. سُبحة هذي مافي مجال أكذب وأقول اشتريتها من السوق! " يشعر بطمأنينة تسري به وهو يرى سبحته، يهز رأسه إيجابًا ليتراجع للخلف :" زين .. أنا ما أعرفك ولا تعرفيني " تتسع ابتسامتها لكلامه، تقترب منها إحدى المتطوعات لتربط شعرها وترفعه .. ينفصل نصفه عنها، تملأ استمارة التبرع .. لتفتح كاميرا هاتفها تتأمل شكلها الجديد، تلتفت حيث كان يقف تنوي سماع تعليقه .. لكنه كان قد اختفى .. - في مقر عمله، يجلس في مكتبه والملل يصيبه إثر حديث زملاء المكتب عن مواضيع لا تشده .. يناقشون مباراة الأمس، يحتد النزاع بينهم .. وهو يكتفي بتأملهم بسخرية كبيرة.. يرنّ هاتفه، يرفعه .. ليعقد حاجبيه .. نفس الرقم الغريب الذي اتصل عليه وكرر اتصاله، يقف ليخرج من المكتب الضيق ويقرر الرد :" هلا " يعقد حاجبيه وصوت امرأة غريب يصله، حديث غير مفهوم .. يبدو بلغة غير عربية، يُبعد الهاتف عن أذنه ليتأمل الرقم مجددًا، قد تكون مخطئة .. يُرجعه لأذنه :" معليش مامـ..." تتسع بؤرة عينيه بصدمة وصوت مألوف يصله، ضعيف هزيل .. هامس :" ثـ..ـامـ..ـر" يزيد تنفسه، غير معقول :" رغد ؟؟؟؟؟" يشعر بالحركة المريبة خلف الهاتف، يعود صوت المرأة الأخرى الغريب .. وصوت بكاء خافت ليس إلا صوت رغد!، يُمسك الهاتف بقوة وكأنه يخشى أن ينسل من بين يديه مخبئًا رغد خلفه :" رغد!!!! كلميني .." يُقطع الخط في وجهه، يشعر بأن قدميه غير قادرة على حمله .. جميع الظنون تفجرت في رأسه، تحامل على نفسه ليخرج سريعًا .. يصله صوت المدير :" على وين ثامر؟؟؟" يتجاهله، لا يسمعه .. يركض مسرعًا إلى سيارته ليقود بسرعة جنونية .. لا يرى سوى رغد، لا يسمع سوى صوتها .. صوت بكائها.. صوت ضحكتها، يكاد يراها كالسراب .. كلما زاد سرعته اختفت وتلاشت للبعيد .. يهمس برجفة :" لا يارب، يارب رغد .. رغد يالله" *• أنا خاتم الماثلين على النطع هذا حسام الخطيئة يعبر خاصرتي فأُسلسل نبعاً من النار يجري دماً في عروق العذارى - سيد البيد