حادي العيس - الفصل 5 - بقلم البيداء | روايتك

اسم الرواية: حادي العيس
المؤلف / الكاتب: البيداء
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

الورقة الخامسة تتعلّق عيناه بعينيها، يحاول تفسير سبب وقوفها أمام بابه .. يعقد حاجبيه باستياء شديد وهو يسمعها تناديه (جوزيف)، لكن طاقته أضعف من أن يناقشها في تحريف اسمه العربي إلى بديله الانجليزي، يختصر الطريق ليدفع الباب ويهم بإغلاقه، إلا أنّ قدمها سبقته لتكون حاجزًا عن إغلاقه للباب :" أرجوك " اشمئزاز كبير يداهمه، تتسلل عينه أخيرًا لها.. يرغب بدفعها وصفع الباب خلفها، عيناها تنظر إليه برجاء، تتابع :" لا تستلم، أعلم أنها نوبة من نوباتك.. لا تستلم لها، هيا يمكنك فقط أن تخطو خطوة واحدة للأمام لتحاربها" يتوه، وكأنه رُمي في صحراء لا نجوم تلحفها .. وكأنها دليل يشك في صدقه، يتمسك به كي ينتشله من ضياعه، يعود صوتها مشجعًا وهي تُمسك الباب كي لا يغلقه :" ما يحول بينك وبين تخطي ضعفك هو هذا الباب، إن تجاوزته ستنتصـ..." تبتر كلمتها وتتحرك بتلقائية للخلف على فتحه القوي للباب وبأقل من لحظة يتخطى الباب ويغلقه سريعًا خلفه وتنفسه يضطرب وكأنه قام بمجهود كبير، تمر لحظة صمت بينهم وهو يستند على باب شقته مغمضًا عينيه، تستوعب ما حصل لتبتسم ابتسامتها المعهودة :" وااااااو! أنت رائع" يفتح عينيه ليجدها تقف أمامه، يعقد حاجبيه ليميل برأسه للخلف يتأمل الباب المغلق.. يشعر بسواده يتربص به من خلف الباب، يلومه بسبب ما فعل، على تركه ومحاربته له .. يشعر بأن روحه أصبحت أخف، وكأنها تركت جزءًا منها في شقته المظلمة، يغمض عينيه ولا يزال يتكئ على الباب يراجع نفسه .. يعود ذاك الصوت مجددًا :" لا .. لا تفكر كثيرًا- يفتح عينيه ليجدها تبتسم الابتسامة التي يكرهها كثيرًا، تُشعره بأنها حرة وبكم القيود التي تلف رقبته هو- اممممم يمكننا النزول الآن؟ " يتنهد تنهيدة كبيرة، ما فعله تعد خطوة كبيرة لم يعتقد أنه قادرًا عليها.. يُدرك أن نزوله للأسفل سيولد فيه شعورًا غريبًا، لكنه بحاجة هذه الغرابة .. يعتدل بوقفته، يخطو للأمام لتتبعه بانتصار .. تسير برفقته والصمت سيد الموقف، حتى يتخطيان بوابة المجمع.. تضمّ يديها بقشعريرة إثر البرودة التي داهمت جسدها، تتسلل عيناها إليه لتداهمها برودة أشد وهي ترى سترته الرمادية الخفيفة. يتوقفان أمام إشارة المرور لينتظرا عبور السيارات، بينما هو شارد مطأطئ رأسه وكأنه يحسب الخطوات التي تفصله عن شقته وعزلته.. يأتيه صوتها ليجبره على رفع رأسه قليلًا :" اممممم لأكن صريحة، لم أتوقع إطلاقًا أن تكون بهذه القوة والشجاعة! " لا يعلق، يكتفي بالنظر إليها لتتابع :" من خلال تجاربي الكثيرة .. أظن أن عزيمتك قوية وإيمانك أقوى" ينطق أخيرًا مستعيدًا صوته الذي بدأت تنساه :" منذ متى وأنتِ في المركز؟ " يبتسم قلبها ويرفرف لسماعها صوته، وأخيرًا استطاعت فعلها! تتمالك نفسها لتظهر ابتسامتها ذاتها :" منذ كنت في الثانوية،امممم تقريبًا منذ ثلاثة أعوام " تتوقف السيارات، ليضيء لون المشاة بالأخضر.. يتحركان وهي تتابع :" لم أكتسب خبرتي من المركز أكثر من اكتسابي لها بسبب شخص ما يهمني أمره منذ سنين طويلة" لا يُعلق، هو أبعد شخص عن الفضول .. يعقد حاجبه فجأة وهو يشعر بها تتقدم لتفتح باب أحد المقاهي :" إلى أين؟ " تُمسك الباب لئلا يُغلق، تتسلل ضحكة لها :" أخبرتك مسبقًا أننا ذاهبان لشرب القهوة! " يتوقف في مكانه عاقدًا حاجبيه، خرج من شقته هربًا من عزلته ووجد نفسه فجأة برفقتها .. لا يتذكر موضوع القهوة هذا، لم يسبق له بأن تناول كوب قهوة مع فتاة ما .. جميع النساء اللاتي يعرفهن ينحصرن في أمه نورة وخالته يمامة، لا يعرف كيفية التصرف في مواقف كهذه.. يصل صوتها :" هل عقدة حاجبك ستطول كثيرًا أو أنتظرك ؟" يتدارك نفسه ليخفف من حدة ملامحه، يتقدم إليها ليدخل المقهى الدافئ، تُغلق الباب خلفها لتفرك كفيها بسرعة :" أوه يا إلهي، البرد كاد يجمدني" يتقدمها ليجلس على طاولة جانبية بجانب النافذة التي تعكس أضواء الشارع .. تلحق به لتجلس أمامه :" كنت أتساءل طوال الطريق كيف لا تشعر ببرد كهذا وسترتك خفيفة! - تصمت قليلًا قبل أن تتابع - هذا بالإضافة إلى أنك قادمٌ من بلاد حارة! " يلتفت إليها بعد ما كانت أنظاره تضيع في النافذة، يرفع ذراعه ليثبتها على الطاولة مسندًا رأسه بكفه وبنبرة جامدة :" كيف عرفتِ أن بلادي حارة؟ " تزم شفتيها قبل أن تجيب :" اممم في الواقع ملامحك تشي بأنك عربي، ليس شيئًا صعبًا " ينطق بسرعة بنظرة ذات مغزى :" صحيح .. نفس ملامحك تمامًا! " لم يلحظ التوتر الذي بدا عليها بسبب عودة عينيه إلى النافذة، وكأنه لا يهتم بما تقوله أو بما قاله .. يعود ليلتفت عليها بذات البرود :" هيه .. بالمناسبة لا أهتم، أعلم أن في بلاد الغربة غالبًا يهرب العرب من بعضهم البعض، ولا أعلم السبب حتى الآن .. لكن اطمئني لا يهمني ذلك إطلاقًا " ترف عينها بتردد، ما يقوله صحيح تمامًا .. وهي أعلم الناس بهذا الأمر، يقاطعهما وصول النادل.. لتنطق سريعًا :" أنا سأختار لك .." لا تترك له مجالًا لأن يعلق لتطلب سريعًا، يبتعد النادل ليعقد حاجبيه :" قهوة فستق؟ " تهز رأسها :" صدقني، لن تندم " يعود بأنظاره للنافذة :" لا .. أظن بأنني سأندم، أنا تقليدي جدًا " يعم الصمت قليلًا، تقف فجأة وتتجه لإحدى اللوحات المعلقة .. :" جوزيف! " يعود بأنظاره من النافذة إليها، يزم شفته بضيق أكبر واسمه بات يكرهه بسببها .. تلتفت إليه وهي تشير للوحة :" يا للصدفة! .. لم تكن هذه اللوحة موجودة قبل يومين! " يتأمل اللوحة التي تشير إليها ولا يجد رابطًا بينها وبين كلامها، هي مجرد لوحة زيتية غريبة تذكره بأخيه ثامر .. يعود صوتها أقرب للهمس :" هلّا أتيت؟ " يزفر بقوة ليقف ويتجه إليها، يعقد حاجبيه ناقلًا بصره بينها وبين اللوحة.. لتتابع :" لوحة فان جوخ الشهيرة، هل تعرف ما تعني؟ " يعود ليتأمل اللوحة مجددًا، يغوص فيها وفي تفاصيلها .. لونها الأزرق وحركتها الدائرية، وكأنها تحكي دوامته.. بهز رأسه نفيًا :" لا، فقط أشعر بأنها تلمس شيئًا في" تبتسم :" لأنها تصور قصة جوزيف والأحد عشر كوكبًا - تشير إلى الكوكيبات المنتشرة في اللوحة- إخوة جوزيف، والشمس والقمر" تشده اللوحة بعد كلامها، يزيد من تأمله لها .. ليأتي صوتها مجددًا ضاحكًا :" هذا ما أخبرني أبي به، لا أعلم إن كان حقًا أم مجرد تخيلات تدور في رأسه" تعود إلى الطاولة والنادل يضع كوبيهما على الطاولة، تلتفت للخلف إلى حيث يقف :" هيه جوزيف! القهوة " كان لا يزال يقف في مكانه مشدودًا إلى اللوحة، يلتفت أخيرًا ليعود إليها .. يجلس على الكرسي ليحتضن كوب قهوته الدافئ، للتو شعر بالبرودة التي تغلف المكان .. تأمل كوبه للحظات قبل أن ينطق :" والدك مهتم بالفن؟ " ترتشف قهوتها لتهز كتفيها :" لا .. ليس كثيرًا، إنما هذه اللوحة شدته في يومٍ ما وأخبرني بذلك" يهز رأسه بهدوء :" أخي رسام .. لكن لا أظنه يعرف من هذا فان جوخ! أو غيره من فناني اللوحات، يرسم فقط ولا يُلقي بالًا لشيء" يبتسم قلبها وهي تشعر به يجاريها ويخرج من صمته.. يلين صوتها :" أظنه يهتم لأمرك كثيرًا .. كن قويًا لأجله" يرفع رأسه عاقدًا حاجبيه لتتابع :" في الحقيقة هو من اتصل بالمركز وكان قلقًا عليك.. زودنا بعنوان شقتك فقط للاطمئنان عليك" تتسع عيناه بداية الأمر، لكن سرعان ما انطلقت منه ضحكة خفيفة هازئة :" أووه ليس هو، هذا أخي الآخر.. الرسام لا يمكن أن يصدر منه فعل كهذا" تزم شفتها مدركة الأمر، ليتابع بذات الضحكة :" وأنتِ حضرتِ بأمرٍ من المركز كي لا يفقد المكتئب صوابه ويقتل نفسه؟ " تهز رأسها نفيًا :" لا ليس الأمر بهذه الصورة، صحيح أن المركز كان ينوي تكليف شخص ما.. لكني أحببت أن أقوم أنا بهذا .. أعرف كيف للغربة أن تنهش روحك - تُنزل رأسها لتعبث بمنديل الطعام- أنت لا تدرك كم يُسعدني فعل هذا" يزفر بقوة ولا يُعلق.. يشرب قهوته الحارة سريعًا ليقف :" شكرًا لكِ" تقف معه بسرعة :" إلى أين؟ " يلتفت إليها :" أتممتِ المهمة على أكمل وجه، صدقيني " يتخطاها ليتجه إلى الباب، يفتحه لتداهمه برودة شديدة جعلته ينكمش على نفسه، يأتيه صوتها من خلفه :" الثلج يتساقط، انتظر قليلًا " يلتفت نحوها :" بالمناسبة.. كنت فاقدًا الإحساس بالبرودة، أما الآن فأنا أشعر بها تمامًا .. عادة عندما يتملكني الاكتئاب أفقد الإحساس بأي شيء، أدرك أني تجاوزته عندما يعود لي الإحساس بالبرودة أو الحرارة" يولّيها ظهره ليمشي بخطوات سريعة .. يقف أمام المرآة متأملًا شكله، يعود ليعدّل شماغه مرة عاشرة .. يتطيّب بعوده، يصله صوت أبيه :" ماشاء الله صاحي بدري اليوم! " يبتسم ليلتفت إلى أبيه :" ما نمت بعد الفجر، أحس إني مصحصح" يُدرك ياسر سبب إشراق وجهه، يعلم ما يعيشه ابنه .. يُذكره بنفسه والاضطرابات التي عاشها مراهقًا وشابًا، ونفس الوجع الذي لازمه .. لا يُريد لابنه أن يتعلق بوهم، رفض اليمامة له أشد وطأة من انتظار طويل.. يزفر بشدة ليطبطب على كتف نجد المشغول بتجهيز اللاب توب ومجموعة أوراق :" لا تسرع - وبنبرة لينة - ولا تحسسها بشي " يلتفت لأبيه بنبرة ضيقة :" يا يبه الله يهديك تعرف إنها عزيزة وغالية علي.. مستحيل أضايقها بشي! " يغمض عينيه بضيق :" أدري والله، بس الهوى غلّاب" يغلق حقيبته ويحملها، يُقبل كتف والده وجبينه :" ادعي لي يالغالي" يتمتم ياسر بدعواته له، يستودعه الله ليضم اسم يوسف البعيد في الدعاء، يخرج نجد من بيته وحفلة صاخبة تُقام داخله.. تنتقل أنظاره إلى المنزل القابع في زاوية الشارع كما كان يفعل في مراهقته .. يتأمل البيت بشغف وكأنه يراها، ماتت الحياة فيه بعد رحيلها المتوافق مع رحيل سيدته نورة .. وها هي تعود لتجعل المنزل والحي وكل الرياض تزهر وتخضّر وتغني. يركب سيارته وابتسامته تشق طريقها إلى وجهه، لا يمكنه كبحها .. تسير السيارة قليلًا حتى تصل إلى مراده، أخرج هاتفه ينوي الاتصال برقمها الذي يحفظه غيبًا .. لكن تعلقت يده بمنتصف طريقها وهو يرى الظل القابع خلف الباب، تمتد يدها لتفتح الباب .. وها هي تطل عليه لتزلزله، يتوتر .. يزم شفته، لا يعلم ما يجب عليه فعله، يراها تنحدر من المنحدر الصغير بجانب الدرج.. وُضع خصيصًا لها قبل عشرين عام، تتوقف قرب السيارة .. يعقد حاجبيه لوقوفها، يستدرك أخيرًا ليخرج بسرعة من سيارته وينتقل للباب الخلفي من الجانب الآخر، بقربها .. يفتح الباب بربكة، يتوقف بجانبه منتظرًا الخطوة التالية .. تسحب عجلاتها حتى تقترب منه، يمد كفه دون استيعاب ظنًا منه أنها تلك الصغيرة التي تتشبث بذراعه كلما سنحت لها الفرصة. ترفع بصرها له لترميه بنظرة حادة زادت من توتره ليستوعب كفه الممدودة، يعيدها إليه بسرعة ويشتت أنظاره ، تقترب أكثر لتضع حقيبتها على مقعد السيارة، ترفع جسدها متكئة بيديها وتجلس على المقعد.. يرفرف قلبه أكثر وعباءتها تكشف بلا قصد أسفل قدمها، حذاء رياضي صغير يعلوه خلخال ذهبي ناعم يُزين ساقها .. يغض بصره سريعًا بتوتر لينشغل بكرسيها المتحرك ويضعه في الخلف. يعود إلى مكانه، يتمالك نفسه قبل أن يعيد تشغيل السيارة .. وبصوت حاول أن يكون واثقًا قدر الإمكان :" شلونك يمام؟ " تزم شفتيها وهي تغلق عباءتها بإخراج :" تمام الحمدلله" تسير السيارة قاطعة الطريق الطويل، يرفع نظره للمرآة ليراها منشغلة بشيء ما في كفها :" شلونه خالك وخالتك؟ " تهز رأسها سريعًا :" الحمدلله، كلهم بخير" يعقد حاجبيه بضيق وهو يستشعر اختصارها للحديث معه، يزداد ضيقه بسبب الحواجز التي فصلتهما عن بعض.. يرغب وبشدة أن يعيد تلك الأيام الجميلة. أما هي كانت تسب اللحظة التي فكرت فيها أن ترتدي خلخالها، لم تعتد الخروج بدون خلخال يزيّن قدمها .. تذكر تأنيب خالتها لها بسبب اهتمامها الشديد بقدميها! ، تدرك أنها تبالغ باهتمامها هذا.. أكثر ما يحيّرها في السوق هو نوع الخلخال الذي ستشتريه وأكثر ما تصرف عليه .. حتى أن صندوق اكسسواراتها مملوء بأنواع كثيرة أكثر من العقود أو الأساور .. لا ترغب بأن تُميت قدمها وإن كانت عاطلة عن العمل، تستشعر أهميتها وتعوضها بالدلال نيابة عن إهمالها، تتخير لها أجمل وأغرب أنواع الجوارب.. وأريح الأحذية، ترفع رأسها على صوته الذي قطع تفكيرها بخلخالها :" امممم فطرتِ؟ " تهز رأسها إيجابًا :" ايه فطرت " صوتها جميل، ليست أول مرة يشعر بهذا.. لكنه اليوم يبدو لذيذًا على غير المألوف.. يتوقف أمام قهوة (ستاربكس) :" شوي وأرجع" يخرج لتزفر بقلق وهي تراقب الساعة التي تجاوزت العاشرة إلا ثلث، لا ترغب بأن تتأخر في أول يوم لها.. تعلم ما سينتظرها من قلق وبحث وضياع في ساحات الجامعة الفسيحة، وهو بالمقابل يخرج ليشتري له كوب قهوة! تلمحه يخرج وبيده كوبي قهوة، يتقدم ليفتح باب السيارة ويدخل .. يزيد من إحراجها وهو يُمسك بكوب قهوة ويلتفت إليها مادًا الكوب لها .. تأخذه بسرعة من الأسفل كي لا تمسّ يده، لتخرج شهقتها سريعًا وتكبحها بشكل أسرع، يبتسم :" حارة! .. امسكيها من الحامي" تزم شفتها على كلامه، هل يظنها جاهلة بالأمر البديهي؟ أو هل سيظنها تأخذ الكوب من بين أصابعه! .. يعود ليقود السيارة، يعلو رنين جوالها .. يصله صوتها :" هلا ثامر .. ايه مع نجد .. زين، مع السلامة" تغلق الخط لتنشغل بقهوتها، ينتهي مشوار الطريق بشكل سريع أسرع مما اعتقد.. تلوّح بوابات الجامعة أمامه، يتوقف أمام أحدها ليخرج ويُخرج كرسيها.. تفتح الباب لتستند على ذراعي كرسيها وتخرج إليه، كان ينوي إغلاق باب السيارة إلا أن صوتها جاء قريبًا جدًا :" نجد! شنطتي! " يزم شفته متذكرًا شنطتها، يسحبها من المقعد لتتلقفها.. كادت تنطق (وقهوتي) لكن بترتها ظنًا منها أنه سيراها بتلقائية .. لكن يبدو أن ربكته لم تسمح له بملاحظة شيء سواها وهاهو يغلق الباب .. حركت كرسيها قليلًا ليأتي صوته :" يمام! متى تطلعين؟ " يمام :" الساعة ثنتين، بس ... بشوف لثامر لو يقدر يطلع من دوامه" يقاطعها سريعًا :" لا لا تكلمينه، أنا بجيك بس على ثنتين ونص.. عادي؟ " تهز رأسها وهي ترجع كرسيها للخلف مستعدة للرحيل :" ايه عادي" وترحل ... يتأملها وهي تجر كرسيها حتى باب الصالة، يرى فتاة تعرض المساعدة لتصدها يمام بغضب.. نعم هي تكره هذا النوع من المساعدة، كما كانت .. يتنهد بقوة ليعود إلى سيارته، يخرج من بوابة الطالبات إلى بوابة كليته.. كلية الآداب، يوقف السيارة ليخرج حاملًا حقيبته، وقبل أن يغلقها يلفت نظره كوب القهوة الموضوع بالخلف.. تتسلل يده بتلقائية ليأخذه، يتأمل خطوط شفاهها الملونة بالوردي مرسومة بفتنة على كوبها، يشعر به لا يزال مليئًا بالقهوة .. بدون أن يشعر يرفعه لفمه ليرتشفه. تتوقف يده فجأة مستوعبًا ماذا يفعل، ماهذه المُراهَقَة والصبيانية التي تملكته؟! أهذا فعلًا ما يشعر به كل عاشق؟ درس الأدب كثيرًا ودرّسه .. قرأ كثيرًا من نوبات العشاق الذين يتحولون فجأة لصبيان ومراهقين، يتراءى له بيت شعري يحفظه جيدًا ( خطيئتي الكبيرة الكبيره .. أني يا بحرية العينين يا أميرهْ.. أحب كالأطفالْ.. وأكتب الشعر على طريقة الأطفالْ.. فأشهر العشاق يا حبيبتي كانوا من الأطفالْ .. وأجمل الأشعار يا حبيبتي ألّفها الأطفالْ) يُدندن بالقصيدة وهو يرتشف من كوبها متحسسًا أثرها، حتى فرغ منه .. أوجعه قلبه أن يرميه، فتح درج السيارة ليضعه فيها أملًا بأن يعود له في الظهيرة ويخبئه في غرفته الصغيرة.. يُلقي عليه نظرة أخيرة وكأنه يودّعه. " هلااااا بأبو ياسر! " يفز سريعًا على صوت القادم من خلفه وطرقه لباب السيارة، يُغلق درجه ليلتفت ويجد خاله يقف خلفه .. :" هلا هلا خالي" يعقد ناصر حاجبيه :" وش عندك متوزي هنا؟ - ينظر له نظرة لئيمة - لا يكون تدخن من ورانا!" يضحك بتوتر ليخرج من السيارة ويغلقها :" دخان يا خالي؟ - يسير معه - الله يصلحك، لو إنه دخان شميت ريحته" يضحك ناصر :" وانت وش فيك خفت؟ كنت أمزح معك .. بس واضح وراك بلا" يضحك ضحكة خفيفة ليُنسي خاله الأمر، يسيران معًا حتى يدخل نجد كليته ويفترق عن خاله الذي أكمل طريقه إلى كلية الحقوق والعلوم السياسية.. يدخل قاعة البث المباشر، يجلس على كرسيه ويتأكد من إغلاق الكاميرا .. يدندن بخفة وهو يفتّش أوراقه، تروق له المحاضرات التي يلقيها لطالبات، على عكس الطلاب .. التفاعل كبير واهتمام أكبر خاصة أن طالباته هذه المرة مستجدات، كما أنه متى ما ضجر من الأسئلة يمكنه أن يتظاهر بأنه لا يسمع وأن البث لا يصله .. يُخرج كشف الطالبات ليمرر عينه سريعًا عليه بتلقائية، يعود لتشغيل الكاميرا المنصوبة أمامه مع مكبر الصوت :" السلام عليكم " تصله أصوات بعيدة ترد السلام، يزم شفته :" اممممم الظاهر ما زال الحضور قليل! وش هالاستهتار يا بنات! انتو كبرتوا الحين ما عادكم طالبات مدارس! .. المرة الماضية مشيتها ولا حضّرت، لكن من اليوم نبدأ النحضير .. " يُمسك بالورقة، يفتحها .. يبدأ بنداء الطالبات واحدة واحدة، يزيد استياؤه لتغيب الكثير.. :" نورة محمد السالم ... ريم مو***- يتوقف فجأة، يعقد حاجبيه وهو يقرأ الاسم مرارًا بداخله، ينتابه شعور قاتل يخنقه .. لا يمكن أن يكون هو! .. - يصله صوت رقيق :" دكتور ريم إيش؟ في ثنتين ريم هنا .. " يتنفس، يزفر وهالة سوداء تغطي وجهه .. ينطق بصوت مختلف تمامًا :" الطالبتين اللي اسمهم ريم، ممكن تعطوني أسماءكم من جديد .. مو واضحة عندي" " ريم محمد العلي " يزيد شده للقلم وهو يسمع الصوت الآخر :" ريم موسى الحمد " يرفع رأسه قليلًا حتى توازي الكاميرا :" ريم، بنت الدكتور موسى الحمد؟ " تبتسم، هي تعلم أن والدها شيخ كبير يعرفه معظم الناس.. ودائمًا ما يوجه لها هذا السؤال :" ايه دكتور بنته" شيء ما يفيض في صدره ويحرقه، يزفر بضيق ليضع الورقة جانبًا .. يبدأ محاضرته بثقل كبير، يختصر ردوده .. يقول ما لديه ويتظاهر بعدم السماع في معظم الوقت، يمضي الوقت بطيئًا وهاهو يلم أوراقه :" أحتاج طالبة أتواصل معها في حال استجد شي " يأتي صوتها سريعًا :" أنا دكتور .." يعقد حاجبيه :" أنتِ مين؟ " :" ريم موسى " يغمض عينيه بشدة، ما هذه الكارثة التي حلت عليه؟ لا مفر بأن يردها .. :" زين، ارسلي لي رقمك على الإيميل الجامعي" يخرج من المكتب بضيق شديد، ينوي التوجه للمطالبة بتبديل شعبته.. لكنه يدرك تمامًا أن هذا مستحيل، معظم زملائه يتهربون من شعب الطالبات، لن يجد بديلًا .. ولا مفر من بنت الشيخ! - يتملص من دوامه، يتحجج بحجج واهية ليسمح له مديره أخيرًا .. وها هو يجلس في صالة الزيارة على الطاولة منتظرًا قدوم خالد، يبتسم وهو يراه يدخل برفقة بعض السجناء والحراس، يقف مستقبلًا إياه :" السلام عليكم" يتقدم خالد ليصافحه، يبتسم ابتسامة ميتة :" وعليكم السلام" يجلسان متقابلين، ليبدأ سؤاله المعتاد :" شلونها رغد؟ " يهز رأسه إيجابًا :" بخير الحمدلله، متى ما احتاجت شي دقت علي" يهز رأسه الآخر :" صبرت كثير علينا ثامر، هانت ما بقى إلا القليل" يزفر بضيق :" خالد! .." يلتزمان الصمت ، كل منهما يواسي همه.. خالد الذي يخطط ليوم الرحيل ويحسب حساب حتى الطعام والعصير الذي سيحتاجانه.. وثامر الذي يتآكل قلبه بسبب هم الآخر، بدا خائفًا من لحظة خروج خالد.. من تفكيره الجهنمي، ومن ردة فعله حال معرفته طبيعة العلاقة بينه ورغد، يشبك أصابع كفيه ببعضها :" خالد .. الفكرة اللي براسك ما ودك تلغيها؟ " يعقد حاجبيه قليلًا، يفهم مقصد ثامر تنطلق منه ضحكة سخرية :" ثامر؟ " يزفر بضيق شديد، يميل بجسده للأمام قليلًا حتى يقترب منه :" أخاف ينعاد كل شي! هذي مجازفة خالد ما تضمنها" يهز رأسه نفيًا وهو يلبس نظارته :" الموضوع منتهي، وكل شي ماشي صح.. مستحيل ألغيها دام النمل طلع من حجره" تتحول ملامحه للاستياء وهو يفهم ما يرمي إليه خالد، (النمل) عمها الخارج من السجن قبل عشر سنوات .. يزفر بضيق ليعود بأنظاره إلى خالد الذي نطق بثقة كبيرة :" ثامر صدقني كل شي بيصير نفس اللي نبيه، أبيك بس تصبر هالكم شهر " يهز رأسه إيجابًا بضيق، ينتهي وقت الزيارة .. يودعه ويوصيه على رغد، ويخرج محملًا بهم أكبر - تتوقف السيارة أمام المنزل، يلتفت خلفه ليراها بنفس وضعيتها قبل عشرون دقيقة.. مائلة على النافذة تنام باستسلام وتعب، يبتسم بحنو.. يتمنى لو يتوقف الزمن هنا وتبقى خلفه تنام باطمئنان، أخذها من مقرها لتدخل السيارة وعلامات الضيق والتعب تغطي صوتها، يسألها مستفهمًا عن يومها الأول لتجيب باقتضاب.. يعود ليسألها مجددًا عن نكهة الآيسكريم التي تفضلها، لكنها لا تجيبه وتدخل في نوم عميق. يفتح باب السيارة، يُحضر كرسيها من الخلف .. وما أن همّ بفتح الباب تفز بخوف لتستيقظ، تعقد حاجبيها .. تستوعب موقفها، تعتدل بجلستها لتعدل نقابها، يبتسم وهو يقف متكئًا على بابها :" صح النوم! " تزم شفتيها بتوتر، لا ترد .. يُقرب كرسيها منها لتنزل إليه وهي تسحب حقيبتها، تجر عجلاتها حتى تدخل المنزل. يودّعها بعنينه وابتسامة كبيرة ترتسم على وجهه، يعود لسيارته متجهًا إلى بيته .. يكاد يجزم بأنه أفضل يوم جامعي على الإطلاق، لا يزال يحمل رائحتها فيه.. يشعر بها خلفه. يفتح درج السيارة ليأخذ كوبها ويضعه بين أشيائه، يخلع شماغه ليغطيه به.. يدخل البيت بوجه مشرق مفعم بالحيوية :" السلام عليكم .. وش هالريحة الزينة؟ " يبتسم أبوه الذي يجلس أمام ناصر، يقترب نجد ليقبل رأس أبيه :" وخالي حلا له بيتنا؟ كل يوم ناط عندنا؟ " يبتسم ابتسامة ميتة، لا يرد .. يرد والده مستاءً من كلامه .. يضحك ويغادر نجد إلى غرفته، يرمي حقيبته على مكتبه الصغير، يأخذ الكوب المتخفي تحت الشماغ .. يتأمله مجددًا بمشاعر ملتهبة، يدسه في صندوق أسفل المكتب.. ليخرج إليهما، يرفع أكمامه لينضم إليهما.. يتبادل مع والده أحاديث روتينية، وخاله يلتزم الصمت .. يعقد حاجبيه ياسر :" ناصر" يرفع رأسه ليزفر بضيق، لا طاقة له بتحمل المزيد .. ياسر وحده من يعي ألمه :" موسى الحمد " يرفع ياسر رأسه بسرعة، كهرباء باردة تسري بجسده .. منذ مدة وزمن طويل تناساه ناصر، هل عاد الذكر المشؤوم؟ يبتلع لقمته نجد ليلتفت إلى خاله :" وش فيه بعد؟ صادفته؟ " يحك جبينه بإبهامه بضيق :" لا الله لا يقوله ويقطع طاريه وطاري عايلته " لا يعلم مدى الألم الذي سببه لياسر، عائلة الحمد .. رفاق الطفولة وأخوة الشباب ووجع الكهولة، يتابع ناصر :" بنته أثاريها طالبة عندي" يزم شفته نجد :" الدنيا صغيرة والله .. بس حط ببالك خالي إنها طالبة عندك" يزفر بضيق :" يعني أنا بايعها عشان أأذيها؟ .. والله من شفت اسمه والدنيا قالبة عندي" يخرج صوت ياسر ثقيلًا :" يكفي ناصر، بتقتل نفسك وانت باقي واقف بالماضي وتحمّل ناس مالها دخل الذنب" يغطي وجهه السواد، ينطق بقلة صبر :" أنا يا ياسر؟ .. انت تعرف إن لو لا موسى كان قدرت آخذ بحق أخوي وتهدا النار بقلبي! " يتدخل نجد موجهًا حديثه لوالده :" يبه لا تلومه، لو أنا مكانه ما برضى يروح دم أخوي هباء.. وهو خالي اللي ما أعرفه قلبي مو مسامحهم، كيف تلوم خالي ناصر وهو أخوه الوحيد ! " تنتقل أنظاره لنجد، تتعلق عيناه به .. ليتابع ناصر بضيق :" الجوزاء الله يرحمها ماتت وقلبها محروق، شلون يطاوعك قلبك تنسى؟ " لا يسمعه، لا تزال عيناه متشبثة بنجد، وكأنه يستنجد به بأن ينهيا الحديث.. ترف عين نجد وهو يشعر بما ألمّ بوالده، يقف بسرعة :" يبه بخير؟ " يُمسك برأسه وصداع شديد يدكه، يغمض عينيه علّه يهدئ منه .. يحاول الوقوف لكن دوار شديد داهمه، يشعر بيد نجد التي أسرعت له تمسكه وتسنده، يوصله إلى غرفته ويساعده على الاستلقاء في سريره .. يناوله دواءه، يهدأ صداعه .. يجلس بجواره ممسكًا بكفه :" يبه بخير؟ " يغمض عينيه لوقت، يهز رأسه :" بخير .." تنتابه نوبة نوم لا يعلم مداها، حتى استيقظ على همسات نجد التي تردد الدعاء، يشعر بشفاه نجد التي تقبل كفه ثم ترتفع إلى جبينه، يطلق تنهيدة حارة آلمت نجد قبل أن تؤلمه هو .. يفتح عينيه لتصطدم بنجد الذي ينظر له بقلق ممزوج بحب كبير ويده تمسح على شعره بحنان الأب والابن .. :" يبه أفضل؟ " يكرر سؤاله كثيرًا خشية من جواب يؤلمه :" الحمدلله .. " تتسلل لوجهه ابتسامة وهو يزيد من شده لكفه:" الحمدلله " يجلس لوقت طويل بجانبه، حتى هدأ صداعه، يتوقف نجد ينوي تغيير ملابسه بعدما اطمأن على أبيه .. يشعر بكف والده التي شدت عليه، يلتفت بسرعة :" هلا يبه آمر " حكت عيناه الوجع الذي يسكنه، يدرك نجد أن حديث خاله السبب.. وخاصة بحديثه عن وجع أمه، وكأنه يتهم أباه المتيم بحب أمه بأنه لا يهتم ويكترث! .. يصل صوته ثقيلًا :" نجد عيني.. أبي منك وعد" تدق طبول قلبه بقلق، يعود ليجلس :" كل الوعود لك اعتبرها منفذة" تتعلق عينيه به وكأنه يشك، يشد عليه نجد ليهمس ياسر :" مهما صار ومهما بيصير في المستقبل، حتى لو اندفنت أنا تحت التراب .. لا تشارك بقضية دم خالك" ترتعد عيناه بخوف، ماذا يمكن أن يحدث في المستقبل؟ قضية خاله المغدور مر عليها الزمان وطواها .. لا تُذكر إلا كلما أشعل القهر قلب ناصر، يهز رأسه :" لا تخاف يبه، أصلًا القضية منتهية من زمان .. خالي ناصر يتكلم بس من حرقة قلبه" ترف عينه بتعب :" أدري .. بس أبيك توعدني لأتطمن" يقبل كفه :" وعد، - يبتسم ليخفف من ألم والده - كل اللي تبيه أوعدك أكون عليه" ياسر بذات النبرة الذابلة :" خالك نجد الله يرحمه مافي أعز من صحبته عندي، بس ماعاد يفيد هدر الدم " يهز رأسه بسرعة ليطمئن والده :" ايه يبه، لا عاد تفكر بالموضوع .. وخالي ناصر بقص لسانه لا طرا هالطاري عندنا" يهز رأسه على مضض، يغمض عينيه هاربًا من كل شيء.. يقبله نجد ليغادر الغرفة، يزفر بضيق وهو يرى خاله مستلقي على المقعد، يفز سريعًا على خروجه :" شلونه؟ " يتقدم ليجلس أمامه :" أفضل.. - يعقد كفيه - خالي هالموضوع لا عاد تطريه قدام أبوي" يفرك عينه بضيق شديد، حتى أقرب الناس إليه يفر منه :" ابشر ... أبوك عرفت علته" يتابع واهتمام نجد يزيد :" كانوا أصحابه، والظاهر للحين صحبتهم باقية بقلبه - يقف ليسحب شماغه وأوراقه وبضيق شديد- كنت أظن بعد اللي صار عرف صاحبه وعدوه .. لكن ! " يلتفت على نجد :" قفل الباب وراي " يخرج تاركًا خلفه نجد بدوامة قاتلة، تحول يومه المليء باليمامة .. وصوت اليمامة، إلى توتر حاد بين أبيه وخاله وأسئلة كثيرة تؤرقه. - تفتح مكبر الصوت لتضع جوالها على علبة السكر، تزفر بضيق وهي تحضر القهوة :" خلاص بقفل، أخاف يدق ويلقى الخط مشغول! " يصلها صوته :" عادي، قولي له صديقتي ولا أي شي" ترفع حاجبها :" صديقتي؟ عبدالله كم مرة قلت لك ما عندي صديقات، ما عندي خوات، ما عندي إلا هو! " يصمت قليلًا، ليعود صوته هادئًا :" آخ بس .. رغد، أمانة فتحي عقلك شوي وخليك معي.. معليش والله بس وش هالوضع اللي تعيشينه؟ يا رغد يا حبيبتي ترى مافي أحد يرضى بهالوضع.. أمانة أنتو عايشين معنا بالسعودية؟ اوكي مو لازم السعودية.. ببلد عربي؟ عند ناس مسلمين؟ .. بقول شي بس لا تزعلين" تكتف يديها وأنظارها تتأمل القهوة الذهبية :" قول" يبدو مترددًا، لكن ينطلق بضيق :" رغد مع احترامي الشديد بس أنتِ إنسانة يستغفلونك وأنتِ بيضاء .. زين قلنا خالك المسؤول عنك مسجون، طيب كيف يتركك كذا مع شاب أعزب؟ لحظة أصلًا حتى لو متزوج! .. صدقيني خالك مريض، ما ودي أفتح عقلك على أشياء واضح أنتِ ما تفهمينها بس خالك وخويه هذا نقمة عليك" تقاطعه قبل أن يتم كلامه وهي تمسك الجوال :" عبدالله! .. وش هالتفكير؟ ترى ثامر هذا بحسبة أخو خالي" " بحسبة خالك؟ - يضحك ضحكة سخرية مستنكرًا - رغد يا عمري والله أنتِ فعلًا بسيطة ونيتك طاهرة.. بقولها بصراحة، أنا رجال.. وأعرف الرجال كلهم وتفكيرهم، لا تحاولين تقنعيني بهذا أخو خالي بأخوي .. يا ماما صحصحي، مافي رجال طبيعي كذا! .. هذا شي مفطورين عليه، يمكن انتو البنات عاطفيات وما تفكرون إلا بقلوبكم .. لكن الواقع يقول الرجال غير! " تُمسك رأسها بألم من ثرثرته، هو لا يفهم شيء :" طيب عبدالله يعني انت مثلهم؟ مثل كل الرجال بنظرتك؟ " يصمت قليلًا، يعود صوته هامسًا رقيقًا :" الإنسان الطبيعي يحب بقلبه، بس ما يكتفي بحب القلوب .. الحب يحتاج يتغذى، اوكي أنا أحبك وتعرفين هالشي .. بس أبيك، أنا فعلًا أبيك.. ما يكفيني مجرد حب بعيد، أبي يجي اليوم اللي تكونين فيه معي.. تعوضيني وأعوضك - يصمت للحظات، تزم شفتها بتوتر من كلامه وصوته، يتابع- رغد ما تعرفين شكثر أتعذب أكثر بعد ما أكلمك، تجيني حالات أحس إني بخطفك ما أتحمل، بس أتمنى أشوف عيونك وتمسكين يدي... آخخخ بس خلاص ما عاد بتكلم" تمسك خدها لتلاحظ اشتعاله، يرق صوتها مجبرة :" عبدالله خلاص! " " أنا بكل مرة أكلمك أضغط على نفسي، مابيك تشوفيني بنظرة سيئة .. مابي هالحب يتحول لشي مبتذل، أحاول أتماسك عشانك بس، أعرف شكثر أنتِ بريئة.. - يهمس بنبرة قلقة- وأخاف عليك والله منهم، من خالك ومن هاللي اسمه ثامر" تغمض عينيها لتفركها بتوتر :" والله يا عبدالله أحلف لك بكل شي ثامر إنسان منشغل بنفسه .. ما يشوفني أكثر من أخت، كم سنة وهو قدامي .. عمره ما تجاوز حدوده" " ما تجاوز حدوده؟ رغد لا تجننيني! مو أمس تقولين كان عندك وساعدك بتركيب المكتب الجديد؟ " تهز رأسها :" ايوه وش فيه؟ " " آخخخخ يا رغد، الله يلعنهم .." تقاطعه سريعًا :" لا تلعن! خالي يقول قولي كل شي بس لا تلعنين" يضحك هازئًا :" وااااو! والله فيه الخير يعلمك.. مفروض دامه خايف عليك لهالدرجة يعلمك الحدود، يعلمك تجلسين مع مين وتكشفين على مين .." تقاطعه بضيق :" يالله ليتني ما قلت لك، انت مستحيل تفهم" " والله يا حبيبتي أنتِ اللي مستحيل تفهمين، أنتِ الملعوب عليك .. مستحيل أرضى على خواتي هالشي، مافي رجال طييعي يرضى اللي يصير لك .. هذا خالك مع احترامي (ديـ***ث) " تعقد حاجبيها باستغراب من الكلمة، تعي أنها من السباب، لكن لا تعي معناها :" عبدالله وش يعني؟ " يأتيها صوته مصدومًا " وش يعني؟ .. رغد .. أنتِ حياتك ضايعة، محرومة من الدراسة محرومة من الطلعات ومحرومة من صديقات.. ما عندك تواصل بالعالم الخارجي طبيعي ما تعرفين أبسط الأمور، أنا فعلًا حزين عليك.. بس تعرفين، تقدرين تبلغين بالشرطة .. صدقيني بيتلونهم من رقابهم هالمجرمين الاثنين، أنتِ مسكينة ما تعرفين أبسط حقوقك اللي حارمينك منها.. خالك وهالصايع الثاني لو عرفوا عنهم بياكلونها بالسجن بقضايا تعنيف وحرمان وقضايا أخلاقية دينية " تغمض عينيها بتشتت، ماذا يقول عبدالله؟ ما الجرم في حياتها؟ .. يصلها صوته مجددًا :" رغد والله يهمني أمرك، فوق ما تتصورين .. أقدر أساعدك، صدقيني بس يبي لك خطوة شجاعة وبكون معك .. والقضاء بينصفك، لا تخافين .. والله حالتك ما تسر لا عدو ولا صديـ***" تغلق الخط بسرعة وتوتر وهي تسمع صوت طرقات الباب، تعض شفتها :" يااااويلي " تفتح جوالها مجددًا لتحذف المكالمة الأخيرة، تتركه جانبًا لتسرع إلى الباب .. تفتحه بعد ما أخذت شهيقًا طويلًا .. تبتسم بتوتر وهي تراه يقف عاقدًا حاجبيه بضيق :" هلا ثامر " يتقدم خطوة إلى الإمام ليُمسك الباب ويغلقه خلفه.. يستند عليه بذراعه :" كنتِ تكلمين مين طول هالوقت؟ " تزدرق ريقها :" امممم .. وحدة من بنات الدورة اللي قلت لك سجلت بها بالواتس" يرتفع حاجبه :" كل هالوقت؟ .. صار لي داق عليك أكثر من ثلاث مرات" تخطو للخلف وتلقيه ظهرها :" يوه والله ما انتبهت " يستند على الباب بظهره ضامًا كفيه للخلف :" رغد " جميع المصائب تجمعت في رأسها، هل عرف؟ هل يراقب مكالماتها .. تلتفت إليه :" هلا " تضيع عيناه في عينيها .. تتوتر، تشعر به يقرأ ما فيها، يشتت أنظاره وهو يزفر :" خففي علاقاتك بالبنات، شي حلو تسجلين دورات بالنت تشغلين وقتك .. لكن لكل شخص مكانه، بنات عرفتيهم بدورة يُفضل ما تتخطى العلاقة الدورة " يعود لها صوت عبدالله (أنتِ مسكينة محرومة من أبسط حقوقك .. لا علاقات لا صديقات) ينتابها ضيق شديد :" ثامر! .. يعني أكلم الجدار؟ محرومة من كل شي! حتى الحياة بتحرمني منها! " يعقد حاجبيه بضيق من كلماتها الجديدة :" محرومة؟ .. - يعتدل بوقفته - يكون بعلمك هذا كلام خالك، ويكون بعلمك مافي أحد كثره يخاف عليك .." تقاطعه بغيض مكتفة يديها :" طبعًا ما في غيره! .. أصلًا مين غيره سامحين لي أعرف؟ ولا أحد .. بس انت وهو .. لا وانت والجدار واحد! " تطير حواجبه بدهشة، ما بالها رغد، يهمس :" أنا والجدار واحد؟! " تهز رأسها إيجابًا :" ايه .. " يصمت لبرهة، يتأملها ليدرك مزاجها السيء .. تبحث عن شخص ما تتجادل معه، ولا أحد سواه .. يتقدم ويتخطاها، يجلس على المقعد :" رغد .. تعالي اجلسي " تلتفت لتواجهه، صوت عبدالله يعلو بداخلها .. :" ما أبغى .. ولو سمحت اطلع" يريح ظهره على الكرسي، يكتف يديه :" رغد اجلسي عشان أفهم وش فيك" ترفع أنظارها إليه، لا تعلم سبب الدموع التي تجمعت بداخلها .. تشعر بضياع كبير، باتت حتى لا تعلم من هي، يطبطب بكفه على المقعد بجواره يدعوها للجلوس .. ضياعها يشتد وحاجتها للإجابة عن الأسئلة تزيد، تخطو لتتقدم إليه .. تجلس بجواره يفصلهما ذراع الكرسي، يلتفت بجسده ليقابل كتفها :" ممكن تقولين لي وش فيك؟ " تبتلع غصة حارة، تحاول كبت دموعها .. بصوت ضعيف :" ما أدري.. أحس إني ضايعة، مالي هدف بالحياة .. لو أموت أبرك لي" يهمس سريعًا :" بعيد الشر .. خالك يحسب الليالي ليلة ليلة عشان يطلع ويشوفك" ترفع بصرها بتشكيك :" أنا حتى ما عاد صرت أعرف خالي" يعقد حاجبيه :" مو يكلمك أسبوعيًا؟ " تهز رأسها نفيًا :" مو قصدي، بس .. ما أدري ما عاد أفهم شي، أخاف يطلع وألقاه مو نفس القديم - تسقط أول دمعة منها - ثامر، خالي تاركني من تسع سنين ونص! ما عاد أعرف حتى موقفي اتجاهه! " ترق نظرته، يؤلمه بكاؤها .. والشتات الذي تعيشه، يهز رأسه :" خالد هو نفسه اللي تعرفينه، بس زاد حبه لك" تمسح دمعتها لتتعلق عيناها بعينيه، سؤال يولد في فمها أثاره عبدالله.. تعجز عن رده :" ثامر بسألك" يعقد حاجبيه منتظرًا سؤالها، لتفجره بوجهه :" ترضى تكون خالتك اليمامة بمكاني؟ " تتسع عيناه، أصابته صدمة من سؤالها الذي لم يتوقعه .. يشتت أنظاره، يعود إليها .. تتلهف لسماع جوابه، لا مفر من الهرب .. يزم شفته ليطلق تنهيدة حارة :" لا" وكأن تنهيدته الحارة حرقت وجهها ليذبل سريعًا، يعود مستدركًا :" رغد .. وضعك مختلف كليًا، تعرفين المشاكل اللي صارت لك واضطرت خالد يسوي كل هالشي .. مو بيده يطلع من السجن أو يدخله" تقاطعه بسؤال أشد وطأة :" ثامر وش يعني (ديـ***ث) ؟ " يتلون وجهه بصدمة، يفتح فمه غير مستوعب لسؤالها.. لو كان صادرًا من فتاة لا تتجاوز الثامنة عشر لاستطاع التملص منه، لكن من شابة تتجاوز الخامسة والعشرين! يشتت أنظاره بتوتر، يستوعب حجم الخطأ في كونها منعزلة عن الناس والمجتمع، يمسح وجهه بضيق شديد :" رغد من وين سمعتيها؟ " لا تزال تثبت أنظارها عليه منتظرة الجواب، تنطق بشكل سريع :" من تويتر" نعم، برنامج العصفور الأزرق .. جالب المصائب، يمنعونها من الحياة متناسين الكارثة التي توصلها إلى العالم الآخر، العالم الافتراضي .. يزفر بضيق، ينزل رأسه .. لا يرغب بأن تسمعها من غيره :" هي من الكلمات اللي تدخل بالقذف من شدة سوءها... هي لما .. - يتردد في نطقها، لكنه يعود بتشتت - لما تموت الغيرة من الإنسان ويرضى يشوف أهله ومحارمه بأسوأ الأوضاع" يرفع رأسه راجيًا أن يكون تبسيطه في محله، يرى التشتت في عينيها :" شيء قبيح جدًا، لا تفكرين فيه" يقف :" بروح الحين، بس .. حاولي تخففين من تويتر ومن صحبة النت، النت بلوة الزمان " ترفع أنظارها إليه مستعيدة كلماته، يأمرها بأن تهجر حتى متنفسها الوحيد.. متى سيأتي اليوم الذي سيقول لها (لا تتنفسين، ترى التنفس فيه بلوة) لا تستبعد هذا منه ومن خالها إطلاقًا! يخرج لتلحقه وقبل أن تغلقه يقف قليلًا وبصوت ذا معزى :"رغد، أنتِ غالية وبحسبة يمامة.. ما بتلقين شخص يخاف عليك كثري إلا خالك" وييتعد، تعود لغرفتها .. يعود لها كل شيء، بداية من حديث عبدالله .. عبدالله الشاب الوديع، تواصل معها هو بداية على تويتر يُبدي إعجابه برسمها .. محادثة تتلوها محادثة، علاقة يومية .. انتقلت إلى الواتساب، ثم إلى مكالمات متفرقة، لا تحبه .. لكنها تشعر معه بتقارب فكري، نافذتها للحياة الأخرى.. تعلقه الشديد بها تحبه وتكرهه، تحب كونها فتاة مرغوبة .. وتكره كونها تعلق شخصًا بها وهي تدرك نهاية هذا التعلق. حتى حديث ثامر الأخير، شتات كبير وخوف أكبر يداهمها، ما دورها في الحياة؟ .. من يصدق ومن يكذب؟ خالد وثامر أم عبدالله؟ يبدو الأخير أكثر واقعية ومنطقية .. - يقف متكئًا على السياج الحديدي الذي يفصل الشارع عن الرصيف، يرى وجه والده على الشاشة .. يبدو متعبًا، يبتسم :" لا عاد تشيل همي يبه، أنا بخير" يزم ياسر شفته بقلق :" غصب عني يا ولدي " يهز رأسه :" تطمـ...." يبتر كلمته على الصوت القادم من خلفه :" جوووزيف! " يعقد حاجييه وهو يراها تبدو متحمسة وهي تتابع :" كنت متأكدة أنك ستأتي! " ينقل نظره لجواله ليرى والده ينظر بدهشة، يعود بنظره لها :" سوري .." تعض شفتها وهي ترى الشاشة مفتوحة بمكالمة فيديو يظهر فيها رجل كبير :" أعتذر " يعود لوالده :" يبه آسف مضطر أروح الحين" يبتسم ياسر :"ايه يا ولدي، وش عليك عندك اللي يكفيك" يعقد حاجبيه بضيق :" يبه هذي تشتغل بالمركز بس" يضحك ياسر :" ايه عارفك والله .. بس الله الله، راعي ربك بكل نظراتك وخطواتك" يبتسم :" إن شاء الله، لا تخاف" يودع والده ليغلق جواله، يلتفت إليها ليراها خلفه تنظر بإحراج :" يا إلهي أعتذر جدًا " يهز رأسه نفيًا :" لا بأس" تبتسم وهي ترى تغير وجهه، خروجها برفقته قبل يومين أنقذه! :" هيا ندخل" يضع كفيه بجيبه ويسير بجانبها إلى بوابة المركز، حديثها ذاك .. كان كالمنقذ من الغرق، استعاد وعيه وإدراكه ليحاول تصحيح ما فاته .. *• " ليتهم حينما أسرجوا خيلهم وتنادوا إلى ساحتي أوقدوا نارهم تحت نافذتي واستراحوا.." - سيد البيد