الفصل 4
الورقة الرابعة
*•
_
في جو مشمس حارق، يمشي على قدميه وشماغه يتدلى على كتفه، محتميًا بحقيبة لاب توبه الثقيلة من أشعة الشمس، لا يُصدق أنه وصل إلى سيارته ليتنفس بقوة وهو يُزيد من برودة المكيف، يهم بتحريك سيارته لكن يصله صوتٌ من بعيد :" نجد .."
يبتسم وهو يرى خاله يهرول ليصل إليه، يفتح باب السيارة ليصعد بجانبه وهو يزفر :" يا ساتر يا ساتر وش هاللواهيب! "
يمسح جبينه المبلل بالعرق :" يالله الصيف يودعنا، نصبر عليه شوي"
تسير السيارة، لينطق ناصر :" شلونه يوسف؟ "
يتنهد ليعقد حاجبيه :" بخير .. كلمته أمس واضح إنه أفضل"
ناصر بضيق :" سفرته هذي وموضوع الدراسة كله خطأ مع وضعه، مدري شلون أقنعكم"
نجد بدفاع عن أخيه :" العكس، يغير محيطه ويشغل نفسه بشي جديد يغير نفسه"
يهز رأسه بعدم اقتناع :" إنسان فيه اكتئاب ومنطوي على نفسه مفروض ما تتركونه وحده بغرب الأرض وانتو شرقها"
يزم شفته طاردًا الوساوس من رأسه :" تجاوز مرحلة الاكتئاب يا خالي، ودكتوره نفسه اللي أيد الاقتراح"
يهز رأسه مجاراة له :" زين زين، أهم شي لا تتركه وحده "
تسير السيارة وكلام خاله يثير قلقه أكثر، يوسف أخوه الصامت .. كم كانوا يؤملون نفسهم بأن يعدّ نفسه ليكون طبيبًا كبيرًا، وفاة أمه والحادث الشنيع قبل تسع سنوات خلّفت في نفسه آثارًا مدمرة، ترك الدراسة لسنة كاملة، حتى عاد إليها مجبرًا ليدخل كلية التمريض.. تخرج هو واجتاز الماجستير في الوقت ذاته التي استطاع يوسف فيه أن يحصل على بكالوريوس التمريض بعد جهد جهيد إثر اعتذاراته الكثيرة عن الدراسة، قليل الحديث .. معدومًا من الصحبة والزملاء، لا يخرج من المنزل .. كان مصدرًا لقلق والده، علاقته بأخيه ثامر متذبذبة، لا يتحرك لسانه إلا بوجود نجد وأحيانًا يتظاهر بالحياة أمام اليمامة، يتذكر ذاك اليوم المشؤوم قبل سنتين.. يوسف كان في أشد أزماته النفسية، كان دائمًا ما يتداول فكرة الموت أمامه، ليصطدم به ذاك اليوم يحاول إنهاء حياته ولكن محاولته باءت بالفشل بسبب حضور نجد في الوقت المناسب.. لم يخبر أحد عمّا حصل، ساقه مجبرًا إلى طبيبٍ نفسي، ليتحسّن قليلًا .. ويصر على فكرة السفر هاربًا من الرياض التي باتت تخنقه.
يصلان منزل ياسر الذي استقبل نجد بحفاوة كبيرة، يضحك الآخر وهو يعد الطعام :" يا يبه اللي يسمعك يقول توني داخل الابتدائي! "
يبتسم ياسر بحب كبير :" لا تلومني، للحين ما استوعبت انك انقبلت بالدكتوراه"
يتقدم ناصر ليساعد نجد :" باقي بس نزوجه ويصير عريس"
تتغير ملامحه، يلتزم الصمت .. ليسمع صوت أبيه هادئًا :" ما بفرض عليه شي، ولا بسمح له يتزوج غير اللي يبيها لو قضى عمره ينتظر أبوابها"
ترتسم على شفتيه ابتسامة مكسورة، والده لا يريده أن يعيد تجربته.. يضطر للزواج من أرملة أخيه ولا ود يجمعهما، لينتظر طويلًا عند باب حبيبته الجوزاء ويتزوجها أخيرًا لترحل سريعًا من بين يديه إلى بارئها بعدما تركت له أجمل هبة، لا يزال يرى العشق الذي يفيض من عيني أبيه كلما ذُكر اسم أمه، أو كلما التقى بخاله ناصر الذي يحمل بعضًا من ملامحها، يحكي له دومًا عن قصصه معها .. ويُخرج له من صندوق معطر رسائلهما القديمة.. يحاول تغيير مجرى الحديث الذي يؤلمه :" والله خالي هالكلام مفروض تقوله لنفسك، سنتين وتطق الأربعين وباقي عزابي عيب عليك! "
يضحك ناصر وهو يشد جسده المتناسق :" لا تخاف علي، طول عمري ببقي شاب"
يجهز الغداء، ليوزّعه على السفرة .. يجلس والده وعلى يمينه خاله، ينوي الجلوس لكن نغمة هاتفه تمنعه ليقف على صوت والده :" يبه تعال تغدا وبعدين كلم"
يعقد حاجبيه وهو يرى الاسم :" ما بطول، هذا ثامر بشوف وش يبي ... - يتركهما خلفه ليرد على جواله- هلا ثامر"
يصله صوت ثامر مترددًا :" هلا نجد .. شلونك؟"
يعقد حاجبيه :" الحمدلله بخير"
ينطق سريعًا :" اسمع مابي أطول عليك، بس في موضوع أحتاجك فيه"
يرفع حاجبه نجد باستغراب شديد :" آمر.. "
يفجرها بوجهه :" ما يامر عليك عدو .. يمامة جاها قبول في جامعتكم وتأكيد القبول خلال هالأسبوع، بس عندها مشكلة ..."
مذ نطق اسمها تفجرت جميع الشرايين داخله، يشعر بأن قلبه يفضحه وصوت ضرباته يصل إلى والده وخاله، يضطر لأن يبتعد ويدخل غرفته ليصله صوت ثامر :" نجد انت معي؟ "
يتبخر من شدة الحرارة التي يشعر بها، يهز رأسه وكأن ثامر أمامه :" معك معك .. - يعقد حاجبيه مستدركًا - لا لحظة ثامر وش كنت تقول بالأخير؟ "
تصل إليه زفرة ثامر :" أقولك هي كلمتني وناوية تكنسل، تعرف بيتهم والجامعة بينهم أقل شي ساعة ونص، ومع وضعها مستحيل تاخذ سواق أو باص"
ينطق سريعًا وقلبه يرفرف:" طيب جيبها لبيتكم ثامر"
ثامر :" ايه فكرنا بها، بس مشكلتها بالمواصلات، وقت ما سجلت كان يوسف موجود- يصمت قليلًا ليتابع بتردد - امممم أنا قلت دامها بجامعتكم والطريق واحد .. عادي تاخذها وترجعها؟ "
لا يسمع، يظن أنه يتخيل ما قيل .. ثامر لا يعلم ما فعله به، يزدرق ريقه ليعود صوت ثامر مستنجدًا :" ما صدقت يجيها قبول، تعرف من كم سنة وهي تحاول .. لو وقت دوامي يسمح لي كان أخذتها أنا"
يقاطعه سريعًا :" لا لا ثامر .. عادي شدعوة، مثل ما قلت الطريق واحد وجامعة البنات جنبنا - يزم شفتيه بقلق - هي اللي اقترحت عليك؟ "
يصله صوت ثامر متنهدًا :" زين تسوي فينا خير والله .. ما بعد كلمتها، بس ما أظن بترفض"
يصاب بخيبة وأمله يتبخر، يهمس :" زين، لو واققت كلمني أشوف جدولي"
يودّعه ثامر ليغلق الخط، يجلس على سريره ليلتقط أنفاسه.. قلبه لا يزال يلهث، كان يظن برحيل أخيه يوسف سيغيب ذكرها عنه، لكن ها هو ثامر يأتي بما يوجعه أكثر ..
ينفتح الباب، ليرفع رأسه مستدركًا على صوت أبيه :" نجد يبه وينك؟"
يقف بسرعة نافضًا أثرها عليه ليبتسم وهو يتقدم لأبيه :" جاي الحين .. لا يكون خلصتوا علي الغدا؟ "
قبل أن يتخطى والده يشعر بكفه التي أمسكت بذراعه، ونظرة قلق وخوف ترتسم عليه :" يوسف فيه شي؟"
يعقد حاجبيه نجد :" لا يبه، يوسف بخير .. هذا ثامر"
يزيد قلقه أكثر :" وش في وجهك مخطوف كذا؟ فيه شي؟ "
يتنهد، ليواجه والده .. لا يُمكنه إخفاء مشاعره عن أبيه :" يمام انقبلت بالجامعة"
يتهلل وجهه، تزيد ابتسامته :" الله يبشرك بالخير! .. هالخبر يقلب وجهك كذا؟ "
يزم شفتيه مشتتًا أنظاره :" يبيني آخذها وأجيبها معي"
ترّق نظرته، تتسلل كفه لكف ابنه :" أنسى رفضها لك، أدري صعب عليك .. بس تذكر حاجتها لك، وتذكر إنها خالة أخوك وأخت نورة الله يرحمها"
تتعلق أنظاره بأبيه مطولًا، ليزفر :" مستحيل أنسى رفضها لي.. - يضرب جواله بكفه- بس هذي يمام، اللي تبيه أنا جاهز له"
يخرج من الغرفة ليمشي مع أبيه عائدين لخاله، يأكل وهو لا يرى سوى عينيها، اشتاق إليها جدًا، لهفته لها تكبر كل يوم معه.. منذ رحلت عنهم وهو يتقصّى أخبارها بعطش شديد، كان يراها في بداية الأمر في كل عيد مع ثامر ويوسف، لكن منذ خمس سنوات حُرم منها، ينتهز الفرص ليهاتفها لأي سبب.. كانت فاتنة معه، وتزداد فتنة، حتى قطع آخر حبل وصلٍ بينهما بقراره لخطبتها .. الجميع بما فيهم هي وثامر كانوا يظنون بأن رغبته هذه كانت فقط للم شملها معهم مجددًا ولكي يتخفف خالها العجوز منها، قتلته برفضها وصدها.. وقطعت آخر ما كان يصل بينهم، يوسف وأبوه فقط من شعروا بغصته وجرحها له.
-
مستلقية على سريرها، شعرها القصير ينتثر على وجهها ولا تجد وقتًا للملمته.. الفراغ والوحدة يقتلانها، يقتلعان كل مافيها .. ترفع هاتفها عندما شعرت بنغمة رسائل الواتس آب، تبعد شعرها عن عينها لتتمكن من قراءة الاسم، أحدهما .. لا ثالث لهما مخزنٌ رقمه على هاتفها، تزفر بضيق وهي ترى الاسم (عبدالله) .. تترك الجوال على أمل أن تقرأ الرسالة في وقت لاحق، لا تعلم كيف ورطت نفسها به فجأة.. ربما لحاجتها من يغذّي عاطفتها ويروي جفاءها، من يُنعش وحدتها حتى وإن كانت تجهله، يصل لمسامعها صوت طرق الباب.. لا بد أنه الآخر، تزفر بضيق شديد لترتدي قميصًا يغطي أكتافها المكشوفة، تلم شعرها عشوائيًا بأصابع يدها حتى يترتب.. تفتح الباب وتوليه ظهرها سريعًا حتى قبل أن تراه، يصلها صوته مستنكرًا :" على وين؟ "
تنطق وهي تسير للغرفة :" على المريخ "
يتقدم خطوة للداخل ليغلق الباب خلفه :" رغد.. "
تتوقف بمنتصف الطريق إلى غرفتها دون أن تلتفت إليه:" هممم؟"
يغمض عينيه ليتمالك نفسه :" لما أكلمك تناظريني .. - بابتسامة طفولية مصطنعة- ممكن؟ "
تزم شفتيها لتكبح هي الأخرى كل ما بداخلها، تلتف لتواجهه وتعقد يديها على صدرها :" أسمعك"
يشتت أنظاره في أرجاء الشقة الصغيرة :" في شي ناقص؟ محتاجة شي؟ "
نفس الكلام تسمعه يوميًا منذ تسع سنوات، ترد بملل :" لا "
تهم بالمغادرة، لكن يوقفه صوته مترددًا :" اممممم، ودك نطلع الشرقية؟ "
تلف سريعًا لتقابله بدهشة، يخلل أصابعه بشعره :"أدري ضايق خلقك وانتِ محبوسة هنا، فكرت لو تغيرين جو شوي"
تتفجر ملامحها بصدمة فرح :" صدق ثامر؟؟؟ - تتركه بسرعة لتتجه لغرفتها - بروح أجهز أغراضي"
يتنهد براحة ليجلس على المقعد وبصوتٍ عالٍ يصلها :" لا تتحمسين كثير، بنروح الحين ونرجع بكرة الصبح"
لا يهم، بما أنها ستخرج أخيرًا من قوقعتها فلا شيء يهم .. منذ اصطحبها خالها إلى الرياض قبل تسعة عشر عامًا لم تغادرها.. لا صديقات، لا عائلة، لا ارتباطات، فقط ثامر .. يأخذها كل شهر للسوق تأخذ ما تحتاجه لتعود إلى عزلتها مجددًا، عزلة فُرضت عليها وهي صغيرة لتتشبث بها وهي كبيرة، تخرج بعدما جهزت نفسها .. لا تحتاج لشيء سوى حقيبة ظهر بها بعض احتياجاتها اليومية.
يقف على خروجها، لتتجاوزه إلى الجدار خلفه .. تُخرج قلمها الذي يلازمها دائمًا وتخط خطًا عريضًا على تاريخ اليوم، تُرجعه إلى حقيبتها .. لتفاجأ به يقف خلفها مباشرة وعيناه تنعقد على الورقة أمامها، تتسلل لتبتعد عنه قليلًا .. يهمس :" معقولة باقي كم شهر بس! "
تزفر بشدة :" أطول تسع سنين ممكن يقضيها أي إنسان، هلكتني! "
يعود بأنظاره عليها، يتأمل الهم الذي غزا وجهها .. :" كنت أحسب الأيام والساعات، كنت أقول بيطلع وأنا عمري 33 وأحس شكثر الوقت بعيد .. لكن هذا هو الوقت مضى "
تتأمله طويلًا، يعقد حاجبيه بابتسامة صغيرة مستفهمة
تمتد يدها لتلامس سبابتها أطراف لحيته :" شيبت ! "
يزم شفته ليبعد إصبعها عنه بطرف سبابته، يتخطاها إلى الباب :" يلله أنتظرك"
تلحقه سريعًا إلى الدرج وهي تقفز الدرجات :" خالي عارف إنك بتاخذني؟ "
يقف لتصطدم بظهره، تُمسك أنفها بألم ليلتفت إليها .. يعقد حاجبيه بضيق :" رغد غطي وجهك! "
تزم شفتيها بضيق :" اعتقني ثامر! "
تمتد يده لتصل إلى طرف حجابها، يسحبه ليغطي وجهها به :" انتظري لين نطلع السيارة وسوي اللي تبين"
يعود ليكمل طريقه وهي تتبعه، وما أن خرجت السيارة من الحي تفتح وجهها سريعًا.. يعود صوته جادًا :" خالك ما يعرف، ولو كلمتيه لا تقولين له"
تضيع أنظارها في الطريق، تتأمل الشوارع التي تفتقدها :" ليش ما تقول له؟ "
يهز كتفيه :" وش قوة الوجه اللي تخليني أقوله باخذ رغد معي للشرقية؟!"
تتبتسم بسخرية :" يعني ما كأنه هو اللي موكلك فيني وفي أموري كلها؟ "
يهز رأسه بيأس، لا يمكنها أن تفهم .. كيف تفهم وهي التي لا تعرف طبيعة الحياة؟ لا تعرف من هذه الحياة غير اسمين اثنين فقط، خالد وثامر .. أحدهما خالها المُلقى في السجن، والآخر .. لا تعريف له، هل هو صديق؟ رفيق؟ أخ؟ أم مجرد مكلف بحمايتها؟ ، يعلم في قرارة نفسه أن انعزالها عن جميع الناس مذ كانت في السادسة عشر غيّب عنها الكثير في هذه الحياة، طفلة نشأت مع خالها الشاب بلا أي أم أو أخت، غياب خالها أضاعها أكثر .. تتشبث بثامر الذي لا تعرف أحد سواه، تعامله بكل عفوية، مقربة منه هي حتى أكثر من خالته اليمامة وأكثر من نفسه.. تكسر كل حاجز يتحتم أن يتواجد بينهما، لا يقاوم .. لا يرغب بأن يفصلها عنه وهو الشخص الوحيد المتبقي لها، هي أزمته وأزمة خالها .. لا يزال يرى الانكسار في عيني خالد كلما زاره في السجن وسأل عن أحوالها، لا يعلم ما الصواب معها .. ولا تطاوعه نفسه بأن تكون وحدها مع شاب يكبرها بسبع سنين فقط، يذكر بكاء خالد في زياراته له.. بكاؤه قبل خمس سنين خاصة، كانت لأول مرة يرى فيها خالد ضعيفًا إلى هذه الدرجة.. منهارًا ومشتتًا، يسأله بدموعه الحارة (أنا غلطت يا ثامر؟ غلطت يوم أخذتها وسحبتها من أهلها، سحبتها لأحميها منهم ومن بطشهم وإرهابهم وأتفاجأ بنفسي أسوأ منهم! ، يمكن لو تركتها تروح معهم .... - يقطع كلامه وهو يتخيل ماذا سيحدث لو كان تركها معهم تلك الليلة، ستمضي سنين طفولتها الأولى بين النيران والظلم ووحوش مستعرة، وما أن يقررون إنهاء طفولتها ستُزف لمجرم حقير يظنّ أنه أقرب الناس إلى الله مدججًا بالسلاح ويداه ملوثة بدماء الأبرياء الذين يراهم كفارًا ! يضحك والداها ببشاعة وهما يعتقدان بأنهما يقربانها شبرًا إلى الجنة بتزويجها من أصلح الرجال في الأرض في عينيهما القذرة، ترتعش يداه ليجنّ جنونه - لا لا ما غلطت! سويت الصح، كل اللي سويته صح! صح ثامر؟ .. -يهز رأسه الآخر مقاومًا دموعه- خالد انت انقذتها وانتشلتها من الجحيم، لا تفكر! .. - تذبل عيناه مجددًا - بس ما سويت لها خير! الله بلاها بأهلها وبي.. شلون كذا أتركها وحيدة بلا سند وبلا حياة - يقاطعه ثامر بسرعة وهو يشد على كفيه - خالد! أنا سندك وسندها .. والله اللي خلقني ما أخون أمانتك ولو بطرفة عين، هي أختي وبرقبتي.. عرضك عرضي.. - يطمئن مجددًا بعد كلمة ثامر، لكن ألمها لا ينفك يقتله كل ليلة في سجنه، تعالجه بصوتها كلما هاتفها، تزيد من ثقته لثامر بحديثها المطمئن.. لكنها تبقى غصة في قلبه، يلعن نفسه مرارًا لمزاولته التزوير، كان يظن بأنه مغيب عن القانون، بأنه يهيئ لها مستقبلًا حالمًا لا تحتاج فيه لأحد، لتسقط أحلامه الواحدة تلو الأخرى.
يزيد من صوت مسجل السيارة ليعلو صوت طلال مداح، تلتفت إليه .. مندمجًا مع الأغنية يُغني معها بطرب، تتأمل هيأته.. هو ومن دون أن يشعر بتطبّع بأطباع خالها، يحب أغانيه ذاتها .. ينتهج نهجه في لوحاته، حتى في حركاته هو خالد.. تغمض عينيها وتميل إلى زجاج النافذة، كل ما فيها مرتبطٌ به .. ترفع إصبعها لترسم ملامحه على زجاج النافذة التي تعكس الغروب، وحده من تستطيع رسم ملامحه وهي مغمضة العينين، لكن قلبها مثقلٌ بحقدٍ كبير اتجاهه .. حقد ممزوجٌ بعاطفة تكرهها، تواجده الدائم حولها منذ غاب خالها حرّك مشاعر قلبها التي تتوق لاهتمام لا تتلقاه بطبيعة الحال إلا منه .. كانت مراهقة، تبلغ الثامنة عشر.. كان يتواجد حولها كثيرًا، يرسم معها دائمًا .. يتابع الأفلام معها، ويشكي لها أكثر فقده لأهله رغم وجودهم حوله، كلما قرأت شعرًا عاطفيًا ترتسم صورته.. كلما سمعت أغانيه المفضلة ترتسم صورته، لا أحد تعرفه كي ترتسم صورة مختلفة عنه.. تعض شفتها وهي تذكر خطوتها الغبية، رغم مرور الزمن عليها ورغم وثوقها بأنه نساها إلا أنها ما زالت تغضّ مضجعها وتكره نفسها كلما تذكرتها .. كيف تجرأت ذاك الصباح وهو يحمل الفطور إليها ليقرر أن يفطرا معًا، هي حتى لا تعلم ماذا كانت تشعر به لتفجّر مشاعرها فجأة وتخبره وهو يمضغ (لقمة التميس) بأنها تحبه! .. هكذا فجأة نطقتها (ثامر أحبك)، لا زالت تذكر جحوظ عينيه بداية الأمر، وسرعان ما نفث الشاي ضاحكًا بقوة .. لتدرك وقتها ما نطقت به، ينتهي من نوبة الضحك ليعقد ذراعيه حول ركبه وبابتسامة ساطعة (وأنا كمان أحبك! .. أحبك اممممم مثل -يفكر كثيرًا ولا تزال ضحكته معلقة- مثل مثل .. مثل يوسف ونجد .. - يزم شفتيه ويعود ليسكب له شايًا - لا الصدق مو مثلهم، هم شوي غثيثين! أنتِ ألطف .. - يشرب شايه باسترخاء شديد- يمكن مثل يمامة، بس يمامة عاقلة شوي.. - لا يعلم كم من حقد فجّره في قلبها تلك الليلة، حقد يشوبه مشاعر مضطربة .. لم تعد تلك المراهقة، كبرت هي لتكبر معها المشاعر المضطربة، لو أنها تعيش كأي فتاة لن تلتفت إليه .. لكنها محكومة بذلك، لا أحد في حياتها غيره .. وإن غضبت منه، تستلم في النهاية لحاجتها للحديث، للاتصال بأي شخص.
تفيق على صوته بعدما هدأ صوت طلال واختفى :" عدلي طرحتك"
تستوعب أن نقطة التفتيش على مقربة، ليخرج السؤال سريعًا بخوف :" وش بتسوي؟ "
يرفع حاجبه بابتسامة ثقة :" راقبي "
تغطي وجهها بحجابها الرقيق والخوف يدب بأطرافها .. تقف السيارة ليمد ثامر بهوياتهما لرجل الأمن مع ورقة أخرى، يراجعها بهدوء ليعيدها إليهم وتمشي السيارة على ضحكة ثامر، تزيح الحجاب عن وجهها بصدمة لتنطق :" شلون؟ "
لا تترك له مجالًا لأن ينطق، تسحب الهويتين من يده لتشهق بصدمة :" حرامي! "
يضحك وهو يسحبها من يدها ليعيدها إلى جيبه :" والله وأنا رايح لعندك استوعبت إن يمامة نست هويتها والتوكيل معي، وطرت الفكرة براسي! "
تتسع ابتسامتها لتنتشر الطمأنينة فيها :" يالله تخوف انت! "
-
يُرخي عينيه باستسلام، ورؤيته ضبابية .. الماء ينسكب على جسده بغزارة، منذ ساعتين وهو يضطجع في حوض الاستحمام، ضامًا جسده العاري .. يشعر بالغرق، وكأن روحه تطوف رغم ثقلها، قطرات الماء التي تضرب جسده يشعر بها وكأن جنودًا في عرضٍ عسكري يتخذون من جسده مضمارًا .. يرى أطيافًا رمادية تحوم حوله، تتجاوز خطوطها لتدخل جسده وتسرق روحه، شعور باهت مُر مؤلم وبارد في ذات الوقت.
يصله صوت رنين جواله، لا يشبه الرنين .. نغمته تثير الغثيان وهي تهز طبلة أذنه، يصله صوتٌ من البعيد .. من الصحراء التي اقتلعته ورمته بعيدًا :" يوسف، لا توترني معك! -يزفر بشدة - ارفع السماعة ويكفي لعب بأعصابي! ... أدري بك تسمعني - يرق صوته - يوسف، والله لأترك كل شي وأحجز الحين وأجيك"
يستنشق الماء بقوة ليعتدل مجبرًا وسعاله يزيد، يستند بثقل على الحاجز الحجري ليسحب هاتفه ويفتح المكالمة .. بصمت مطبق.
يتنفس الصعداء الآخر :" أخيرًا! .. - يمسح وجهه ليرخي أعصابه إثر الضغط النفسي الذي سببه له أخوه- شلونك؟ "
يسأله ما لونه؟ ماهذا السؤال السخيف؟ يغرق بتفكيره وهو يحلل الكلمة.. لماذا اتفق أبناء بلده على أن السؤال عن الحال يكون بالسؤال عن اللون؟ هل كانوا يدركون بأن لكل إنسان لون؟ بأن أقرب وصفٍ لشعوره أنه رمادي؟ .. أن الألوان تنسحب من عينيه فلا يكاد يرى سوى لونٍ واحد يقضي عليه؟
" يوسف .."
صوت أخيه المتوتر أعاده لأصل السؤال، يعقد حاجبيه ويمسح عينه المبللة بالماء .. ينطق بصوت شاحب إثر الصمت الذي لازمه ليومين :" عادي"
يمسح جبينه نجد بتوتر.. يتنهد بقوة، يعود مجددًا ليتنهد مرة أخرى، صوت أخيه هذا يُدرك ما خلفه جيدًا ، يدرك كيف لنبرة صوته أن تتغير مع كل تغيرٍ يصيبه، نعم هذا الصوت الشاحب هو بداية الأمر .. بداية الانتكاسة :" يوسف، وينك؟ "
تدور عينه في حمامه الصغير، يتأمل كل ما فيه .. ليهمس بذات الصوت :" ويني؟ - يفكر قليلًا قبل أن ينطق - في الحمام! "
يغمض نجد عينيه :" طيب اطلع وكلمني .. أنا ببقى على الخط لا تقفل"
يزفر بشدة زفيرًا لا يُدخل في رئته إلا القليل من الهواء.. يقف بثقل أكبر، يخرج بخطوات أثقل .. :" هممم؟ "
نجد :" أول شي أبيك تعطيني أي رقم لأي أحد قريب منك، جارك .. ولا أحد من المعهد، أو من المركز "
يعقد حاجبيه وهو يرتمي على سريره ليبلله :" معهد؟ "
يتنهد نجد :" ايه المعهد يوسف! "
يغمض عينيه :" طلعت منه"
يكاد يفقد صوابه، يُجن .. لكنه يسيطر على نفسه بقوة :" ليش يوسف؟ "
" ما أحتاجه .. لغتي كويسة"
يُدرك تمامًا أن لغة أخيه ممتازة، بل وأكثر .. يُصر عليه ليدخل المعهد كي لا يستسلم لنوباتٍ جديدة، لكن خروجه من المعهد يعني انسحابه البطيء من كل شيء، هل فشل؟ .. يزم شفته وكأنه يزم معها كل الجدال الذي يرغب أن يفجره بوجه أخيه :" طيب المركز، لا تقول لي تركته بعد! "
يعقد حاجبيه، يتذكر المركز .. مركز اجتماعي داعم لتجاوز الاكتئاب، سجل فيه قبل أسبوع وهو في قمة إحساسه بالقوة:" نجد .. أنا مو طفل تجلس تراقبه! "
يخرج من سيارته الآخر :" ما أراقبك يوسف، أنا بس مابيك توترني وأجلس قلقان عليك.. بعدين كل الناس تاخذ رقم احتياطي لا صار شي لا سمح الله"
نعم هو يدرك ما يقصده بـ (لا صار شي لا سمح الله) منذ سنتين وهو يخشى من أن يحدث هذا الشيء، وكأنه فقد ثقته بأخيه .. يمسح عينه وكأنه يمسح صورته اليائسة تلك :" لا تخاف علي .. تخطيت المرحلة"
يتنهد بشدة ليقف أمام باب المنزل دون أن يدخل :" عارف، بس إذا اتصلنا عليك رد.. ما تعرف شكثر تاخذني الهواجيس لا سفهتنا"
يهز رأسه :" زين "
يودّعه ويستودعه الله، يغلق الخط ويهم بفتح الباب .. ليصله صوت سيارة من خلفه تتوقف، يلتفت عاقدًا حاجبيه بسبب ضوء السيارة في ظل ظلام الحارة، يتعرف على سيارة ثامر ويتقدم خطوتين .. ينوي الاتكاء على ناقذة السيارة :" هلا ثامـ..."
يبتر كلمته بربكة شديدة أصابته وهو يستوعب وجود فتاة بجانب ثامر لا يظهر منها سوى كفيها الناعمة وعينيها الرقيقة، عينان يحفظهما جدًا .. لم تتغير حتى بعد مرور الزمن، يتراجع خطوة للخلف على صوت ثامر :" هذي يمامة .."
يُخرج هاتفه من جيبه بتوتر ليضرب به كفه بخفة كعادته القديمة كلما توتر.. يشتت عيونه في كل مكان سوى عينيها :" شلونك يمام؟ "
يمام .. ذلك الاسم الذي لا ينطقه أحد بهذا التحبب سواه، لا يزال يبتر حرفها الأخير، يقتلع التاء المربوطة .. ليدللها بمناداته، تعبث بطرف كم عباءتها :" الحمدلله .. شلونك نجد؟ "
لا يصدق أنها تخاطبه، أن شفتاها تخرج حروف اسمه .. يهمس :" الحمدلله"
يصل صوت ثامر :" خلاص مثل ما اتفقنا؟ "
يهز رأسه سريعًا وربكته تزيد، لا يعلم إن كان ثامر يشعر بتوتره هذا، لكن ما يهمه أن تشعر هي بهذا التوتر :" ايه أكيد .. من بكرة؟ "
ثامر :" ايه بكرة يبدأ دوامها .. - يعقد حاجبيه ملتفتًا لها - متى تبدأ محاضراتك؟ "
تتسلل عينه لها، ينتظر خروج صوتها .. لتنطق :" عشرة "
يهز رأسه ثامر :" كويس، نشوفك بكرة نجد"
يهز رأسه، يشعر بروحه تنسحب معهما في السيارة.. يتوقف في مكانه ليتأملهما وسيارة ثامر تقف أمام منزلهم، يخرج ويسحب كرسيها الأسود .. تفتح الباب، تستند على باب السيارة بيد والأخرى بذراع ثامر.. منظر اشتاق له جدًا، متفردة دائمًا .. يكاد يشعر بهمسات ثامر البعيدة وهو يضحك معها ويجرها معه إلى باب المنزل، ويختفيان خلفه.
يتنهد بقوة ويمسح وجهه علّ اضطراب قلبه يهدأ.. يعود لمنزلهم، هادئ ومظلم .. لا بد أن والده قد نام، يتوجه لغرفة والده .. يفتح الباب ببطء ليظهر له جسد أبيه النائم، يسير على مهل ليُقبّل جبينه ويهمس :" الله لا يوجعني فيك"
يغادر الغرفة ليدخل غرفته .. يبدل ملابسه ليتنفس بقوة، لا يزال قلبه يركض .. كيف سيتصرف غدًا إن كانت دقيقة واحدة فقط قلبت حاله، فكيف بطريق طويل؟
يجلس على سريره وبداخله يدعو الله أن تضج الرياض غدًا بالزحام .. الرياض المدينة المزحومة دائمًا في كل وقت لم يتصور يومًا أن يتمنى ويتلهف لزحامها، يرتمي على سريره لتتراءى له الصور المعلقة على جانب سريره .. يقفز سريعًا وصورة يوسف تذكره بما كان ينوي فعله، يفتح جواله ليبحث مطولًا عن موقع المركز.. يجد ضالته أخيرًا لينتقل إلى رقم الدعم ..
-
على بعد مسافة قريبة منه، يفتح لها باب غرفتها القديمة ذاتها :" غرفتك نفسها تنتظرك"
تتسع ابتسامتها وحنين كبير يشدها، تحرك عجلاتها بسرعة :" الللللللله! - تدخل، تتأمل كل مافيها .. هي ذاتها كما تركتها قبل تسع سنين، غير أنها خالية من نورة، تلتفت لثامر المتكئ على الباب - ثامر! كل شي نفسه ما غيرتوها! "
يبتسم :" عشان تعرفين إن مكانك دايمًا موجود"
تلتمع عيناها، تفلت ضحكة شوق صغيرة .. يعتدل بوقفته :" بجيب شنطتك"
يبتعد، لتعود لتأملها .. تقترب من السرير وهي تمرر كفها عليه، يجذبها منظر كانت تحبه كثيرًا، مكتب صغير بكرسيه .. تعقد حاجبيها وهي تصارع دمعتها، تعود إليها صورة قديمة وكأنها ماثلة أمامها .. هي بظفيرتها الطويلة تجلس على كرسيها المتحرك ونجد أستاذها الصغير يجلس على الكرسي الآخر .. يفصلهما المكتب ومجموعة كتب ودفاتر، ونورة على الجانب الآخر تجلس على طرف السرير تقرأ قرآنها .. يوسف يقرأ مجلة سنان، يدخل ثامر مسببًا فوضى ويضايق الجميع، تزيد ابتسامة الحنين على شفتيها.. لا شيء يعود، ثامر كبر كثيرًا .. قلبه رقّ قليلًا، ويوسف شد رحاله ورحل بعيدًا .. كبر هو الآخر ولم يتغير فيه شيء سوى ملامحه الرجولية، يحمل نصيبًا كبيرًا من اسمه .. يوسفيّ الجمال، غير أن هالة رمادية تحيطه.. أما الآخر، ترتعش وهي تذكر قربه قبل قليل .. تغير كثيرًا، آخر مرة رأته فيها كانت في حفلة تخرجه من البكالوريوس قبل خمس سنين، كان شابًا مكتمل الأوصاف.. غير أنه الآن اختلف كثيرًا، لم يعد نجد الذي تعرفه .. يحمل بعضًا من ملامح خاله، والكثير من الرجولة ..
تزفر بضيق وهي تذكر الغد، وكل أيامها القادمة .. ستضطر لرؤيته كل يوم، لا تعلم كيف تواجهه بعد رفضها له ..
يقاطع تفكيرها صوت ثامر الذي يجر حقيبتها الكبيرة :" اتركي كل شي ولا ترتبين .. نامي الحين، الساعة ثنتين ودوامك بدري لا تتأخرين بأول يوم لك"
تهز رأسها إيجابًا ويغادرها، يغلق باب غرفتها ليعود إلى غرفته .. يدخل حمامه الخاص ليدس نفسه تحت المياه ويغتسل، تنساب المياه فوق رأسه .. يغمض عينيه، تتراءى له صورة تلك البعيدة .. عاد بها من الشرقية صباح اليوم وفارقها، يزفر بشدة وهو يذكر أن الموعد اقترب.. يتوق جدًا لخروج خالد من السجن، يحسب الأيام والساعات .. خالد أستاذه ورفيقه الوحيد، لكن ما باله كلما اقترب الموعد زادت رهبته؟ فكرة رحيلهما عنه تصيبه بالرعب والجنون، ترك حياته كلها ليقضيها بقربهما .. خالد ورغد، عائلته .. وكل ما تبقى له، لا شيء إطلاقًا يعادل وجودهما .. لا يمكنه محاولة إقناع خالد بترك فكرة الرحيل المؤبدة وهو الذي كلما اجتمع به في السجن لا ينفك يتحدث عنها وعن خططه لها .. رحيل مؤبد لا عودة فيه، في كل يوم يذهب إلى الغرفة الطينية تلك التي يُطلق عليها خالد (غرفة الهجرة) تحدثه نفسه بأن يمزق ويحرق كل ما فيها .. هويات مزورة تحمل اسمها واسم خالد، أعدها منذ إحدى عشر عامًا استعدادًا للرحيل الأخير، أوراق أخرى وهويات في صندوق محكم يُعد نفسه خالد لاستخدامها حالما يخرج ليجمع مالًا يؤمن حياتها في الغربة، إن انتهت هذه الغرفة سينتهي كابوسه .. وسيسقط خالد وكل ما بناه ينتهي! ، لا يرغب بهذا .. ولا يرغب برحيلهما.
يضرب رأسه بالجدار ولا حل يجده، رحلة الشرقية تلك افتعلها علّه ينسى ما ينتظره، لم تنسى يمامة هويتها كما ادعى .. اختلسها منها في زيارته الأخيرة لها، لم يرى رغد بهذا الحبور والنشاط من قبل .. عادت طفلة تركض وتلحق الأمواج التي تراها لأول مرة، ركبت الأرجوحة لتحلّق بها بعيدًا وشعرها القصير ينتثر .. تصرخ له تطلب منه أن يدفعها أكثر، كان يحفظ أوقاتهما الأخيرة .. أراد أن تحفظ ذاكرتها ولو يومًا واحدًا أسعدها فيه، كانت صديقة ورفيقة .. جزء منه، وتحتل معظم حياته .. هذا ما يستطيع أن يفسر شعوره نحوها، كان كل شيء جميل حتى حطّمت جمال رحلتهما في طريق العودة .. كانت تحكي بإسهاب عمّا سيحصل بعد أشهر، بعد خروج خالها .. كيف ستحاول أن تبني حياة جديدة، ستدرس .. وتزوّج خالها خالد! تصمت طويلًا لتعود وتعبّر عن قلقها وخوفها من المستقبل .. من الخطوة القادمة، كيف ستترك الرياض والوطن وتهجر كل شيء وراءها؟ تعود لتثير ما يقتله .. كيف ستتركه هو؟ تترجاه بأن يلحق بهم .. يترك كل شيء خلفه ليلتحق بهما! قلق لازمها حتى أوصلها شقتها الصغيرة..
يخرج من الحمام ويلبس ملابسه، يجفف شعره ليتفقد هاتفه .. يعقد حاجبيه وهو يرى رسالة تحمل اسمها وسرعان ما ارتسمت على شفتيه ابتسامة وهو يقرؤها ( شكرًا ثامر .. تحقق حلمي وشفت البحر ♥)
-
منذ مكالمة أخيه قبل ساعتين وهو لا يزال يرقد فوق سريره، يزفر عشرات المرات في الدقيقة.. يشعر بنفسه يضغط عليه، يجاهد التنفس وكأنه يجاهد شعوره الذي يقوده لقوقعته.. مكالمة قصيرة مع نجد حفّزت به شعور المقاومة، شعور يبقيه على قيد الحياة .. إن فقد الرغبة في المقاومة لن يفرّق إن كان فوق الأرض أو أسفلها.
قطع الصمت الطويل صوت قرع الجرس، يعقد حاجبيه مستنكرًا .. من يعرفه؟ يعود مجددًا ليغوص في لحافه، يتكرر الصوت .. يزفر زفرة طويلة ويرمي اللحاف، ينوي مغادرة غرفته إلا أنه يتوقف مستدركًا جسده العاري، يلتقط ملابس عشوائية ملقاة بإهمال ليلبسها .. يفتح الباب بزفرة أكبر .. تتوقف زفرته بمنتصف حلقه وهو يرى من يقف خلف الباب بعدم استيعاب.
تتسع ابتسامتها :" مرحبـًا ! "
يعقد حاجبيه وهو يعيد الملامح لذاكرته، نعم .. فتاة الصحراء، الفتاة المتطوعة في المركز .. يتكئ على الباب وعيناه تغوص فيها محاولًا استخراج السبب الذي يجعلها تقف خلف باب شقته، ترفع كفها لتلوح بها وبذات الابتسامة مع عقدة الحاجبين :" أنا هنـــــا ! "
لا يتحدث، داهمته رغبة في إغلاق الباب أمام وجهها .. أكثر ما يثير استياءه أن يداهم أحدٌ ما عزلته، يعود صوتها مجددًا بلكنة أمريكية :" امممم، لا أظنك تفضل أن تقف ضيفتك طويلًا أمام الباب.. كما أنني لا أفضل الدخول - تنحني للأمام قليلًا - هل تقبل دعوتي لشرب كوب قهوة معًا؟ "
لا تزال نظرته المتفحصة سيدة الموقف، تنفرج شفتاه أخيرًا :" عفوًا ؟ "
تبتسم، ذات الابتسامة :" في نهاية الشارع مقهى جميل، أود بشدة أن أدعوك له.. ولا أظن من شيم العربي أن يرفض دعوة الضيافة!.. - بمرح وكأنها تعرفه منذ وقت طويل - هيـا جوزيف! "
*•
أتيت أركض والصحراء تتبعني
وأحرف الرمل تجري بين خطواتِي
أتيت أنتعل الآفاق أمنحها
جرحي، وأبحث فيها عن بداياتِي
يا أنت لو تسكبين البدر في كبدي
أو تشعلين دماء البحر في ذاتِي
فلن تزيلي بقايا الرمل عن كتفي
ولا عبير الخزامى من عباءاتِي
هذي الشقوق التي تختال في قدمي
قصائد صاغها نبض المسافاتِ
وهذه البسمة العطشى على شفتي
نَهرٌ من الريح عذريُّ الحكاياتِ
- سيد البيد
السلام عليكم ورحمة الله ..
بدايةً أعتذر جدًا لقُصر الفصل، كنت أتمنى لو كان أطول .. لكن الوقت لم يسعفني حتى لمراجعته، لكن إن شاء الله الفصل القادم يكون أوفى.
بالنسبة لموعد الفصل يوم الإثنين إن شاء الله توقيتنا الدائم، في حال أسعفني الوقت سأحاول تنزيل فصل آخر بيوم لاحق، لكن مبدئيًا الإثنين هو اليوم الثابت.
أتمنى لكم قراءة ماتعة ♥