الفصل 3
الورقة الثالثة
*•
(2007)
يقفان معًا محلّقين حول والدهم، يقضم أظافره بقلق :" يارب يارب يارب"
والآخر رغم هدوءه الظاهري إلا أن قلبه يفضحه :" أول أنا"
يضحك ياسر وكمبيوتره المحمول فوقه وهو يسمع صوت نجد معترضًا :" لاااا تكفى، أنا أول"
يصلهم صوت من خلفهم ضاحكًا :" هذا لاب توبي خذوه وافتحوه بنفس الوقت"
يلف عليه نجد بضيق :" خالي! .. أدري إني مو فالح، أخاف ما أنقبل وتخف صدمة أبوي وهو يشوف اسم يوسف"
يتجهم وجهه :" الله لا يقوله"
يزدرق ريقه يوسف ليلتفت إلى أخيه :" خلاص هو أول "
يزيد توترهما ووالدهما يعبث بالأزرار.. يُغمض عينيه ويوليهما ظهره :" ما بشوف، كاني ما انقبلت قولوا بلحة، وإن طلع اسمي ...."
يقاطعه يوسف وعينه تغوص بالشاشة :" نقول سُكري.. خلاص اهجد فتحت الصفحة"
يقف ناصر بحماس ليدخل بين يوسف وأبيه، وسرعان ما نطق يوسف بصرخة :" سسسسكري "
صرخ نجد غير مستوعب :" مستحييييل! "
يلتفت ليُمسك بالشاشة و اسمه يظهر بين المرشحين لقبول الجامعة، يصرخ وهو يتجه للقبلة :" ياااااربي لك الحمد"
يسجد وهو يشكر الله ليقف مسرعًا ويضم أخاه الضاحك، يلتفت لتواجهه عيون خاله المستهجنة :" شفيك والله مو مصدق!"
يزم شفتيه ناصر :" يعني .. تخصص إنساني، لو شديت حيلك انقبلت بالتخصصات العلمية، تدخل هندسة ولا شي ثاني يفيدك"
ينطق يوسف مبررًا :" يا خال هو ماله بالهندسة"
يلتفت نجد لأبيه، يجلس متوكئًا على ركبه ليضع يديه على فخذ والده :" يبه والله أنا أبي هالمسار، ما كنت تقولي ادخل اللي تحبه؟"
ترتسم ابتسامة على شفتيه :" ايه يابوي، لا تشيل هم .. شد حيلك بالسنة الأولى وتتخصص اللي بخاطرك"
يبعده يوسف لينطق سريعًا :" يلله دوري"
يعود التوتر للجميع مثبتين أنظارهم على الشاشة، وماهي إلا لحظات حتى تعالت أصواتهم بفرحة، تزيد ابتسامة يوسف بثقة :" يالله الحمدلله .. "
يضمه والده بخفة ليقبل رأسه، ونجد مازال مصدومًا ممسكًا بالشاشة :" مسار صحي؟"
يشعر بكف خاله التي استقرت على ظهره :" قل ماشاء الله لا تنظل أخوك "
يترك الجهاز :" ماشاء الله ماشاء الله"
يلتفت لأخيه ليبادر باحتضانه :" يلله من الحين نقول دكتور يوسف"
يعقد حاجبيه :" ما أدري والله "
يترك ياسر جهازه :" يبوي ادخلوا اللي تحبونه وتشوفون نفسكم فيه لا تسمعون كلام الناس"
يقف يوسف وكأنه تذكر :" بروح أبشر أمي"
يتحرك سريعًا وشعور بالضياع ينتابه، لا يملك أي شغف .. لا يحب أي شيء، لا يجد نفسه بتخصص ما، على عكس أخويه، ثامر وإن كان مهملًا فشغفه لا يحتّم عليه الدراسة .. ممارسة الرسم على كل ما تقع عليه عيناه، غرفتهم الصغيرة .. شوارع حيهم التي تشهد ببصمته في كل مكان، ونجد الذي ينسى نفسه بين حروف اللغة، تمامًا كوالده .. وكأنه ورِث هذا الشغف منه، أما هو لا شيء .. خالٍ تمامًا، مثل فرحته هذه.
يقفز بخوف وهو يشعر باليد التي حطت على كتفه والصوت المرح:" بروح معك"
يمشي مع أخيه نجد حتى يصلان للبيت الآخر، سرعان ما انتشرت بهجة نورة لقبول ابنها، تضمه بفرح كبير :" يا بعد روحي الله يبشرني وأشوفك أكبر دكتور بالسعودية"
يبتسم بصدق وهو يقبل رأسها :" ونجد جاي معي يبي يبشرك"
تحكم لف حجابها لتفتح الباب الداخلي وها هو نجد يقف متكئًا على الجدار وابتسامة خفيفة تزينه.. تقترب منه :" وانت بشرني، إن شاء الله انقبلت؟"
يضحك بخفة :" ايه مسار إنساني، بالنسبة لولدك يمه نورة ولا شي "
يضربه يوسف على كتفه :" لا إله إلا الله"
يضحكون ليصلهم صوت من خلفهم :" الله وش هالضحك اللي من زمان ما سمعته! "
يتلون وجه نجد، يُنزل رأسه .. يلتفت يوسف للخلف لينطق سريعًا :" يمام، نجد موجود"
تعود أدراجها سريعًا، لتلحقها نورة وهي تبشرها بنتائجهم، يصل إلى مسمامعهم صوت ضحكتها المستبشرة، ينطق نجد بهمس :" يوسف لا تنسى وعدك "
يعقد حاجبيه :" أي وعد"
يزفر نجد ويرفع رأسه بقلة صبر لينزله سريعًا :" ايييييه بس، ما كنت تقول بتعشي أمك بمطعم محترم لا انقبلت بالصحي؟ "
يضرب جبينه :" اي والله .. - يزم شفتيه- بس يمام بترفض تطلع وثامر مو موجود، ما بتطلع أمي وتتركها وحدها"
يضربه على كتفه :" أقول بس لا تتهرب، يمام كبيرة الحين وانتو لا تطولون"
يقلب الفكرة برأسه، ليعود صوت نجد مشجعًا :" وأنا بجلس هنا، لو احتاجت شي بتلقاني بالمجلس"
يمرر كفه على شعره، يهز رأسه إيجابًا ببطء .. ليدخل إلى الداخل، ينتظر نجد في الباحة .. يصفر بملل، ليخرج أخيرًا يوسف بابتسامة واسعة :" وافقت"
تدق طبول قلبه، ليتمالك ملامحه السعيدة.. :" زين، لو أبوي رفض يعطيك سيارته خذ سيارة خالي"
يوسف بحماس :" مابيرفض، كلها شهرين وتطلع الرخصة"
يخرج مسرعًا لينطلق إلى منزل أبيه ويستغرق وقتًا وهو يرجوه بأن يسمح له بالقيادة، يتدخل ناصر ليشجع ياسر على الموافقة .. حتى يرضخ أخيرًا ويوافق.
يجلس نجد على عتبات الدرج الداخلي والهدوء يعم المكان بعد مغادرتهما، يغريه قلبه للدخول.. لن يفعل شيء سوى السلام عليها ويروي ضمأ عينيه، لا يراها إلا بصحبة ثامر أو يوسف، لا يستطيع أن يطيل النظر في عينيها بوجودهم .. يتمنى لو تتسلل يده لتمسك بيدها، لو تقترب حتى تتشابك أهدابها بأهدابه، أو يشعر بملمس .....
" نجد؟ "
يقفز بخوف على الصوت الرقيق الذي قاطع خيالاته المراهقة، تصله ضحكة ناعمة زادت من ارتجاف قلبه، يلتفت ليجد خياله ماثلًا أمامه، فاتنته الصغيرة تجلس كما عرفها على كرسيها، غير أنها ازدادت جمالًا وفتنة .. كم يغبط ذلك الكرسي الذي يلازمها في كل لحظات حياتها، يحملها مذ كانت طفلة وتتشبث بمعصمه.. تنفرج شفاته بتوتر، ليُخرج بربكة ميداليته ويلعب بها وهو مشتتًا أنظاره :" فجعتيني"
تعود الضحكة الرقيقة مجددًا، لتتقدم بكرسيها حتى حافة المدخل :" جيت أبارك لك، مبروك"
يبتسم على مضض ولا يزال واقفًا أمامها يضرب بتوتر كفه بالميدالية :" الله يبارك فيك، عقبالك"
تزفر بضيق :" اوووه أنا بس أخلص من هالثانوي برتاح"
تضيع الكلمات من فمه، لا يعلم ماذا يقول، لحظة صمت طويلة تمر .. لتقاطعها :" اجلس ليش واقف"
وكأنه لم يصدق طلبها، عاد سريعًا إلى عتبات الدرج ليجلس بجانبها.. شعر بكفها الصغيرة تمر من فوق كتفه، تتسلل حتى تقترب من كفه .. يجمد مع حركتها، تسحب الميدالية التي يعبث بها لتقرّبها من وجهها :" يالله للحين محتفظ بها؟ "
يرفع رأسه ليرى من أسفل وجهها وهي تتأمل الميدالية وتعبث بها، حجاب رقيق يغطي شعرها .. تتمرد خصلة من جانبها لتخرج كاشفة عن سواده، يرفع كفه على حين غرة منها.. ليلامس الخصلة الناعمة ويدسها سريعًا خلف حجابها، تتوتر وكأن وخزة أصابتها من لمسته، يبتسم أخيرًا وهو يلحظ أثرها عليه.. نعم هو ليس كيوسف أو ثامر، وأخيرًا شعر بهذا .. يُدخل كفيه بجيبي ثوبه :" اممممم، مدري ليه محتفظ بها.. يمكن لأنها الهدية الوحيدة منك - يرفع رأسه يمثل المزح ليبدد إحراجها - يا بخيلة"
تضحك ولا زالت تعبث بالميدالية :" تدري بي أكره الخياطة، سويت هالميدالية مجبورة عشان الدرجات وفوق هذا ما أخذت ولا درجة"
يمد كفه لها طالبًا ميداليته :" كنتِ بترمينها، احمدي ربك أخذتها وقدّرت تعبك"
تبعدها عن كفه برفض :" خلاص رحمتك، بتطوع وبسوي لك وحدة جديدة.. هذي خلاص تلفت"
تتسع ابتسامته :" تسوين فيني خير"
تتلاشى ابتسامته وهو يراها تتراجع للخلف، ينطق سريعًا :" وين؟ "
تعقد حاجبيها :" بجيب الأغراض، تحمست أسويها الحين"
ترحل عنه مبتعدة، ليزفر بضيق .. تغيب لدقائق وها هو صوت عجلاتها يعود و في حضنها حقيبة قماشية، تعود بقربه .. :" امسك الكيس"
يُمسك بالكيس القماشي، تنثر عدة أشياء :" تبي أي شكل؟ "
يهز كتفيه رافعًا حاجبه وهو يتكئ على الجدار:" عادي .. وش تحبين أنتِ؟ "
تزم شفتيها :" اممممم، خلاص راحت عليك فرصة الاختيار- تبدأ عملها باندماج- بسوي لك نخلة! "
يضحك ضحكة قصيرة :" نخلة؟ يالله خلصت الأشياء عشان تسوين نخلة؟ "
تهز كتفيها بلا مبالاة :" فاتك الاختيار .. والصدق والله ما أعرف أسوي شي إلا نخلة! "
يتأمل اندماجها وأصابعها تعبث بالقماش.. تتحكم بالإبرة بمهارة، يغوص في تفاصيلها الصغيرة
أما هي، قلبها يحدثها بأن تنطق، في ظل هذا الهدوء ولحظة السكينة كل مافيها يودّ إخراج السر الصغير من قلبها .. نجد رفيقها القديم، نظرة منه كفيلة بأن تجعلها تسكب كل مافيها.. تزم شفتيها بتردد :" نجد .."
يصلها صوته مرتخيًا :" هممم "
تعض شفتها ورغبة الحديث تتراجع :" ولا شي"
يرفع رأسه سريعًا :" وش في يمام؟ "
تهز رأسها نفيًا :" لا خلاص ولا شي، كنت بشوف انت معي ولا نمت"
يلتفت عليها ليُمسك بذراع الكرسي :" يمام، قولي .."
تدرك أنه لن يتركها حتى تتكلم، تمامًا كما كانا صغيرين.. تزفر بشدة :" ثامر .."
يعقد حاجبيه بقلق كبير :" شفيه ثامر؟ "
تلتقي عيناها بعينيه، التردد يغطيها أكثر .. يشجعها بعينيه، تهز رأسها سريعًا :" اوووف خلاص ولا شي"
يقف سريعًا ليُمسك بذقنها ويثبّته :" يمام قولي لي وش صاير؟ "
تترك قطعة القماش من يدها، تُمسك بكفه التي تحتضن ذقنها.. كان يظنها ستبعدها عن وجهها، لكنها شدتها إليها أكثر قرب قلبها :" بس أمانة ما تعلم أحد! "
يهز رأسه مطمئنًا :" سرك في بير .. بس قولي لا تقلقيني أكثر"
تزفر وهي تُبعد كفيهما عن قلبها إلى حضنها :" قبل يومين .. بالليل، ويوسف نايم عندكم، صحيت ورحت أشرب مويا.. سمعت صوت الباب، نورة كانت نايمة بالغرفة .. فتحت شباك الصالة شفته .... "
تصمت، وكأنها غير قادرة على الكلام .. تزيده خوفًا، ليشد كفها :" ايوه يمام "
تتنهد بقوة وتتحرر من كفه لتغطي وجهها :" شفته يدخل البيت ومعه بنت"
تفجرها في وجهه، لتأخذه الصدمة .. وتشله عن الكلام، تتابع ببسرعة :" دخل ودخلها معه، وكان خايف .. دخّلها المستودع ودخل وراها"
يشعر وكأنه تلقى ضربة على رأسه، هل يصل سوء ثامر إلى هذه الدرجة؟ أينسى كل شيء وكل مبادئه؟ يعلم أن ثامر دائمًا ما يجلب المصائب، ولكن هل يصل لهذه الدناءة؟ وأين؟ في منزل أمه؟ يتغافل عن ربه وعن احترام حرمة البيت ليجلب فتاة إلى وسط منزلهم؟
يقف مذهولًا لا يسعفه لسانه على نطق شيء، يصله صوتها متوترًا :" أمانة نجد ما تعلم أحد، يوم شفته خفت .. - تعقد حاجبيها بحيرة - بس يعني ثامر سوى شيء مو زين صح؟ ، المشرفة بالمدرسة دايمًا تقول لنا قصص .... - تزم شفتها وكأنها تنكر أن يكون ابن أختها ومن تعده أخًا كبيرًا على هيئة الذئاب البشرية التي تسمع تحذير معلماتها منهم.. تهز رأسها نفيًا بعدم تصديق- لا ثامر مو كذا "
يعقد حاجبيه بضيق وألم برأسه ينذر عن قدومه، يجلس بجانبها متكئًا على كفيه، يحاول استيعاب الأمر.. يعود صوتها مسببًا له توترًا أكبر :" من شفته يدخل معها وأنا مو قادرة أشوف وجهه، مابي أصدق .. نجد قول إن اللي فهمته خطا"
يتنهد بقوة، يهمس :" يمام اللي شفتيه لا يطلع عند أحد، خاصة أمي نورة .. لا تدري"
تهز رأسها إيجابًا :" وانت مثل ما وعدتني لا تعلم أحد .. "
تمر دقائق ثقيلة بينهم، ما نفثته في وجهه سلب منه المتعة التي كان يرجوها بقربها، أما هي تنتابها الراحة والسر الذي أتعبها تخففت منه ..
يمضي وقت طويل ولا شيء يقطع صمتهم، يوسف لم يفي بوعده ويعود بأمه سريعًا .. تمضي ساعة تتلوها ساعة، تعود أدراجها إلى داخل المنزل، ليبقى وحيدًا على عتبات الدرج.. يرفع هاتفه ليتصل بأخيه، لا رد سوى صوت تقطّع الرنين، يزفر بضيق .. لا بد أن خاله غادر، لا يرغب بأن يطيل ابتعاده عن أبيه، لا طاقة له بأن يرى انتكاسة أبيه .. منذ ثلاث سنين، ومنذ تلك الليلة، وذاك الضيف الغريب، أصبح ارتفاع الضغط من صفات دم والده، كل شهر تنتابه أزمه تؤلم قلب نجد أكثر .. لم يكن يتصور أن يكبر أبوه هكذا فجأة، كان شامخًا وشابًا قويًا، وبدون مقدمات شاخ.. أصبح يبدو أكبر من عمره بكثير، مرضه انتزع منه شباب الثلاثين وقوة الأربعين ..
" نجد روح لأبوك، عادي أنا بنتظر هنا"
يلتفت على صوتها، يعقد حاجبيه بتردد :" لا ما بتركك هنا، أمي نورة ما طلعت إلا وهي متأكدة إني معك"
تتنهد بضيق كبير :" طيب قول لعمي ياسر يجي هنا"
يهز رأسه إيجابًا :" بروح أجيبه، ما بطول"
يخرج مهرولًا كي لا يتأخر عنها، يدخل بيتهم ولا أثر لسيارة خاله، يتجه إلى المجلس الذي ترك والده فيه ولا يجده.. إلى الصالة، ولا أثر .. ينتابه قلق من السكون الذي يغطي المنزل، يفتح باب غرفة أبيه لينادي بصوت عالٍ :" يبـــه؟ "
لا رد، ولا أثر .. يتمالك نفسه ليسحب هاتفه ويتصل برقم أبيه، صوتٌ خلفه ينبئ عن وجود الهاتف في المنزل، يعض شفتيه بتوتر ليست من عادة أبيه أن ينسى هاتفه، يعاود الاتصال برقم خاله .. يرنّ ويرن، ومع كل رنين يزيد خوفه، حتى وصله أخيرًا رد من الجهة الأخرى :" هلا نجد"
يبعد الكوابيس من رأسه على صوت خاله الثقيل والضوضاء تحيط به :" خالي .. وينكم؟ أبوي معك؟ "
يتنهد مجبرًا :" ايه معي .."
قلبه يخبره بأن هناك ما يخافه، يتأهب لسماع الأخبار السيئة :" أبوي .. بخير؟ "
الضوضاء التي كانت تحيط خاله تخف، ويبدو أنه غادر مكانه :" ايه نجد، أبوك بخير .. خلك عند يمامة، شوي وأكلمك"
يصرخ مقاطعًا وكأنه يخشى أن يغلق خاله الخط :" وش صاير؟ أبوي وش فيه؟ "
يصمت، صمتًا طويل.. ثقيل على قلب نجد، لينطق أخيرًا بهمس :" أبوك بخير نجد .. بس يوسف..."
شعر بأن قلبه انتزع منه، كان يقوّي قلبه ويعدّه لسماع خبر عن والده، ليُفاجأ باسم بوسف.. :" يوسف وش فيه؟ "
-" بخير بخير .. حادث بسيط بس كلهم بخير، لا تشيل هم خلك عند يمامـ...."
يقاطعه بلا وعي منه :" انت تعال عند يمامة، هذا أخوي وأمي نورة .. بروح أشوفهم"
يصله صوت خاله مهددًا :" نجد ابقى عند يمامة، أخوك وأمه بخير.. بس اجراءات سريعة، ولا تقول ليمامة شي، وإذا قدرت كلم ثامر وقوله يتصل علي، كلها كم ساعة ويطلعون ونجيكم"
يقطع خاله الخط، يُمسك رأسه بألم .. وبداخله يواسي قلبه " هم بخير .. خالي يقول بخير، مافيهم شي.. بس حادث بسيط"
يزفر ليُعد نفسه للعودة إلى يمامة، يمشي بخطى ثقيلة وقبل أن يفتح باب منزلهم .. يتوقف ليتصل بالرقم الذي لا يرد عادة، لماذا يحمل ثامر جوال إن كان لا يرد؟ يعاود الاتصال أكثر من مرة حتى قُطع الخط ويبدو أنه أغلق جواله .. يضرب بكفه الجدار :" الله يلعنك يا ثامر ويلعن سواياك .. وياخذك كان مامنك فايدة"
يشعر بنار تغلي في جوفه، يجلس أمام باب المنزل ليهدأ قليلًا .. يرسل رسالة سريعة علّه يقرأها (ثامر، كلم خالي ناصر .. أمك في المستشفى)، يعود ليرسل رسالة أخرى لرقم خاله ( بأي مستشفى؟)
لا يتلقى أي رد منهما، يستغفر ربه إثر الدعوة التي رمى ثامر بها .. ثامر وبالرغم من كل شيء هو ابن عمه، أخ أكبر وإن كان يحمل كل السوء في حياته، لن يتحمل سماع أي شر يلحق به.
يستعيد نفسه قليلًا، يحاول تمالك ملامحه .. ليدخل إلى المنزل، لا يجد لها أثرًا في الباحة، يفتح الباب الداخلي بلا وعي ليتلقى السكون يغطي المكان .. يرغب بشرب ماء بارد علّه يهدئ نفسه، يهمس :" يما..."
وقبل أن يتم نداءه يراها على كرسيها تنام بكل طمأنينة محتضنة وسادة، وعلى فخذيها قطعة القماش والخيوط .. يزفر بضيق ليتجه لها، يجلس بجوارها .. لا يشعر بنفسه وهو يسند رأسه على ساقها، يغمض عينينه..
لا يعلم هل نام أم أخذته غفوة أو أغلق عينيه فقط ليهرب من قلقه، كل ما يعلمه أن صوتًا مألوفًا أمسك كتفه ليناديه "نجد، نجد" ، يستوعب وجوده في المكان الخطأ.. وجه خاله يبدو خطأ أكبر، يفز عندما استوعب أنه يتكئ على قدميها.. كانت عيناها جاحظة، مليئة بالأسئلة.. ينتقل جحوظها إليه وهو يشعر بخاله يمسك كفه :" تعال يا نجد"
ناصر؟ ماذا يفعل هنا؟ وكيف دخل؟ لحظات حتى استفاق وهو يتذكر ما حصل قبل نومه، يفز سريعًا ليترك القلقة خلفه تصارع خوفها، يشده ناصر للخارج، يغلق الباب الداخلي.. ينطق بسرعة ووجل :" شلونهم؟ "
عينا ناصر الذابلة أخبرته بكل شيء، يطرد الحقيقة التي ترتسم على ملامح خاله ليعيدها إليه بقوة وهو يشد على كتفيه ويهمس :" نجد .. هذا دورك الحين، خلك قوي "
يغمض عينيه مستسلمًا لسماع الصاعقة، يهزّه ناصر بقوة :" مابيك تضعف، يمام تحتاجك داخل.. "
يبتلع ريقه ولا طاقة له بتحمل ما هو أشد، يهمس بجفاف :" وش صار خالي؟ "
تلين ملامح ناصر، يغطيه الحزن.. يبتلع غصة داهمته ليفجرها بوجهه :" خالتك نورة تطلبك الحِل"
يتسارع نفسه، طنين حاد يخترق أذنه .. يغمض عينيه بشدة، يشعر بخاله يشده إليه ليحتضنه ويطبطب على ظهره :" الله يرحمها، قوّي نفسك .. كلهم يحتاجونك الحين"
فجأة يُبعد خاله عنه بقوة وتنفسه يزيد :" يوسف؟ "
يهز رأسه سريعًا :" بخير بخير "
تتوه عيناه بعيني خاله بشك كبير، ليوليه ظهره مسرعًا :" بشوفه"
يهز رأسه نفيًا ويسحبه إليه بسرعة :" والله بخير، بس كسر بسيط... نجد مكانك اليوم هنا، أبوك بيجلس شوي مع يوسف وبيرتب أمور الدفن ..وبأي وقت بيجون المعزين، لازم تخبر يمام .. وثامر - يعقد حاجبيه وكأنه تذكر - ثامر وينه؟ ما كلمته ولا شفته؟"
ما كل هذا الهراء الذي يلقيه عليه خاله؟ عزاء؟ دفن؟ أمه نورة؟ .. يجلس بتعب على عتبات الدرج ليحاول استيعاب كل شيء.. يعود صوت ناصر قلقًا :" ثامر يا نجد؟ وينه؟ "
يعود لخاله، يهز رأسه نفيًا :" مقفل جواله "
يضرب جبهته بضيق شديد ويزفر بقوة :" ياللله! .. لازم نلقاه بسرعة، نحتاج توقيعه وهويته"
يذرع الممر ذهابًا وإيابًا يفكر بحلٍ سريع، لينطق بسرعة :" طيب أصحابه؟ عطني رقم لهم ولا عنوان وأنا بدور له"
يهز رأسه نفيًا والبرودة تجتاحه :" ما أعرف أصحابه .. دايمًا مع أستاذ خالد"
وكأنه تذكر وجود خالد، يهز رأسه إيجابًا :" بروح بيت خالد، نجد ادخل داخل وخبّر يمام .. وابقى معها، بجيب ثامر وأوديه المستشفى وبرجع لك"
يتركه ليتعجّل بسيره ويخرج سريعًا تاركًا خلفه تائه لا يعلم ماذا يفعل، كيف يخبر يمام؟ كيف يقنع نفسه أولًا كي يستطيع إخبارها، لا طاقة له بتحمل وجع فقد خالته نورة .. فكيف يطلب من يمام أن تصبر؟
" نجد؟ "
يلتفت ليجدها خلفه والبكاء يخفي ملامح وجهها ..
•
في حي شعبي، وبيت شعبي صغير ..
يجلس ضامًا قدميه وهاتفه يعتصر بين أصابعه، الدقيقة تمشي وكأنها ساعة.. لا بل أربع وعشرون ساعة، الوقت ثقيل على قلبه محملًا بقلق الانتظار.. لا اتصال، يسحق السيجارة بين أخواتها .. ليُخرج أخرى ويبدأ ينفث سمها، يغمض عينيه ويريح رأسه على الجدار .. ينتظر إشارة واحدة ليبدأ مهمته، ليستعد للرحيل الأخير، لكن لا إشارة .. جلّ ما يقلقه أن يكون وقع بين أيديهم أو أيدي الشرطة، تنتابه رعشة خوف وقلقه يرهبه..
يفتح عينيه لتسقط أنظاره مباشرة على جواله الآخر مرمى على مقربة منه، يدني جسده حتى تصل أطراف أصابعه له .. يسحبه ليتفقده، مغلقًا كما تركه قبل ساعات.. كان يخشى أن يكون قد حُطم، اتصالات نجد المتكررة أزعجته وهو في أبعد مجال ليستقبل مكالمات منه أو من أهله .. ماذا يريد؟ لا بد أن أمه لجأت لجوال نجد كي ينتابه القلق ويرد بعدما لجأت إلى جوال يوسف .. متى تعتاد على تأخره؟ متى سيحترمون خصوصيته ووقته؟ في كل ليلة يتأخر لا تنفك تنهال عليه المكالمات منها أو من يوسف، منذ سنين.. ولا تعتاد على تأخره.
يعقد حاجبيه وطارئ مخيف يطرأ عليه، ماذا لو كان المتصل فعلًا نجد؟ ماذا لو كان عمه أصابته نوبة من نوباته؟ يزفر بشدة طاردًا الوهم من رأسه.
يشعر بأقدامها تقترب، يرفع رأسه سريعًا لينطق :" ليش فسختِ عبايتك؟ "
تزفر بضيق لتجلس أمامه متكئة مثله على الجدار متربعة بأقدامها :" ليش ألبسها؟ خلاص فقدت الأمل، صدقني ما بيتصل"
يزفر بضيق شديد ليعتدل بجلسته ويدني بجسده منها، وبصوت آمر مادًا حروفه :"رغــــد .. قومــي البــسي عبايتك! "
لا تلقي له بالًا لتشير بعينها على هاتفه المغلق :" قلت لك افتحه، يمكن يدق عليه"
يزم شفتيه بغيض :" مستحيل يتصل على هالرقم، روحي البسي عبايتك .. بأي لحظة بنضطر نطلع"
تعتدل بجلستها لتقترب على حين غرة منه وتسحب الجوال، تضغط مطولًا على زر التشغيل :" ما تدري يمكن يدق .. "
يعود مستندًا على الجدار ويسحب سيجارة أخرى، يرفع حاجبه على صوتها وهي تتأمل هاتفه :" بلللل، وش هالمكالمات كلها! "
يمد يده الطويلة ليسحب هاتفه من يدها، ينوي إغلاقه لكن تنعقد حاجباه وهو يرى المكالمات التي تنهال عليه (نجد 12 ، عمي ياسر 2- تزيد عقدته وهو يرى الاسم الذي زاد قلقه- ناصر 23 !)
يتنفس بشدة مالسبب الذي يجعل ناصر يتصل عليه؟ وكل هذه المكالمات! وقبل أن يحاول الإجابة عن تساؤله يضيء الهاتف باسم (ناصر)، ليُلقي عليه الطامة التي فصلت روحه عن جسده..
لم يشعر بنفسه، لا يعلم ماذا حصل بعدها ...
ها هو يوقع على أوراق تحمل اسم أمه، يقرّبونه كي يتمكن من رؤية وجهها.. قلبه يكاد يفارقه ويودع في جوف أمه، يعقد حاجبيه وهو يراها.. ليست أمه، لا ليست الجميلة التي تضخّم في رحمها لتستفرغه على هذه الحياة، ليست الحنونة التي شبع من حليبها صغيرًا حتى تشرّب بملامحها، ليست الفاتنة التي عذبها بضياعه حتى بات شكلها يكبرها عمرًا، يهز رأسه نفيًا ليغادر الغرفة الباردة، لا يسمع شيء .. الرؤية ضبابية أمامه، وكأن جميع من في المستشفى يسيرون بثقل ووقع خطواتهم تقع على قلبه، ليقابله جسد واقف أنهكه التعب .. يعقد حاجبيه لتتضح له صورة عمه ياسر، تعود له الصورة ما قبل أعوام عديدة .. عندما كان طفلًا في الخامسة، يقف ياسر بالانكسار ذاته، يقترب منه ليحمله ويضمه بقوة إلى صدره.. أدرك وقتها أنه أصبح يتيمًا بلا أب، وها هو يقترب منه ليشده إلى صدره .. يبكي ياسر، يبكي عمه .. ليدرك حينها ويؤمن أنه أصبح وحيدًا بلا أم ولا أب، يشد على عمه .. يحاول أن يخرج البكاء لكنه يستعصي عليه، يسمع تمتات عمه وكأنها تربت على قلبه :" عظم الله أجرك يا ولدي، الله رحيم بها مثل ما كانت رحيمة علينا كلنا .. راحت وهي راضية عليك، راحت لأبوك ما راحت لمكان غريب.."
يخنقه بكاؤه، يثقل على صدره .. يحاول أن يبكي لكن لا جدوى، يزيد من احتضانه لعمه وكأنه يواسيه بدلًا أن يتلقى المواساة، يرفع رأسه على الكف التي انضمت لتطبطب على ظهره.. يلتفت ليجد ناصر واقفًا بحزن كبير :" عظم الله أجرك، الله يرحمها "
يهز رأسه ولسانه يثقل حتى عن رد العزاء، يفقد روحه ليتركها عند أمه ويمشي بجسد ضئيل فقط، يمر الوقت ولا يشعر بشيء.. يواريها بيديه تحت التربة، في المقبرة ذاتها التي تضم جسد أبيه، يودعها ويودع روحه معها .. ليجلس طويلًا عند قبرها علّه يبكي، لكن لا جدوى ..
يقف متوسطًا مجلس العزاء ليستقبل كلمات المعزين، وبجانبه يقف عمه ياسر وناصر الذي يتنقل من المستشفى إلى المنزل، يستقبل المعزيين ويودعهم وكأنه ابن لنورة .. لم يرى يوسف أو نجد أو حتى يمامة، لأول مرة يشعر بفقده لهم، لحاجته لهم وحاجتهم له، الأول يرقد في المستشفى لا يقوى على الحركة ويُحرم من وداع أمه الأخير .. ليبقى بجانبه الآخر علّه يقوّيه وهو من يحتاج من يسنده، أما الأخيرة .. غارقة بين النساء الكثر، لا يعلم عنها شيئًا ..
وأخرى نساها ونسى وجودها، تجلس منذ ساعات طويلة في مجلس عزاء النساء لا تعلم ماذا تفعل وكيف انتهى بها الأمر بين كل هذا السواد، كل ما تعرفه أن تلك المكالمة قلبت موازين ثامر.. ليسحبها دون أن يعي معه في سيارته .. ينساها لوقتٍ طويل في السيارة، تتخبأ في المقعد الخلفي متدثرة بلحافه، لتُفاجأ بالسيارة تقف أمام المقبرة.. تُدرك حينها أنه غير واعٍ لوجودها، يدخل معه شخص آخر السيارة لتعود مختبئة باللحاف أسفل المقعد، تتحرر من مخبئها بعد ما شعرت بهم يرحلون تاركين السيارة أمام المنزل، تتسلل منها ببطء.. لتنضم إلى ركب المعزّين، جميع النساء ملفوفات بسواد عباءاتهن، والجميع يلتف حول فتاة مقعدة تستنتج مباشرة أنها يمامة، خالة ثامر التي حكى لها عنها كثيرًا .. تصغرها بعام واحد، تعقد حاجبيها وهي تلحظ أمرًا غريبًا .. أمر لا يجب عليها أن تلحظه في وقت عصيب كهذا، ولا بد أن جميع النساء لشغلهن بالعزاء والمواساة لم يلحظوا ذلك .. قطعة قماش ملصقة على بجامتها، وكأنها خاطتها بالخطأ!
هل هو موديل جديد أم موضة غريبة؟ تنفض تفكيرها الساذج عنها، كيف يمكن لها أن تفكر بذلك والجميع يبكي ويلوذ بصمته! .. تبتلع بقية أفكارها الغبية، لتدور عيناها على المنزل الواسع، لوحة معلقة فوق شاشة التلفزيون .. نعم ثامر من رسمها، أحد الأبواب المغلقة مغطى بالألوان ليكوّن لوحة بديعة، نعم غرفة ثامر..
تقف لتسير متجاوزة اضطراب النساء، الجميع مشغول .. تفتح باب الغرفة وتدخلها لتغلقها خلفها سريعًا، تتنفس الصعداء وكلها رجاء ألا يداهمها أحد، هدوء مريح ينتشر في الغرفة وهذا ما تحتاجه.. تسقط أنظارها على سريرين متجاورين، كل منهما في زاوية.. فوق السرير الأول ورقة قديمة مرسومة بالرصاص لطفلٍ صغير، تقترب لتتأملها، هل هذا سرير ثامر؟ أم أخيه يوسف؟ تتراجع لتنتقل إلى السرير الآخر .. على الجدار الموازي للسرير تتوزع الكثير من الرسومات والأوراق بفوضى، وصورة وحيدة تندس بين كومة الأوراق المعلقة، تعقد حاجبيها وتصعد فوق السرير لتستطيع تأمل الصورة عن قرب.. صورة غير ملونة قديمة لشاب ثلاثيني أو عشريني يحمل بيده رضيعًا ضاحك، تتأمل ملامح الكبير .. يشبه ثامر تمامًا، وكأنه هو.. لا بد أنه والده، تضيع أنظارها بين بقية الأوراق والرسومات، رسومات عشوائية كأغلب رسوماته.. تعقد حاجبيها وضحكة صغيرة تداهمها وهي ترى الورقة الصغيرة .. رسمٌ مضحك كاريكاتيري يحمل وجه (خالد) فقط .. بهدوء تتسلل يدها لتنزع الورقة وتدسها في جيب بجامتها.
ترتمي على السرير بإنهاك كبير، لم تنم منذ ما يقارب 30 ساعة، وثامر مثلها .. لم تعلم عنه شيء منذ تركها في السيارة ظهر اليوم، تغمض عينيها ولا رغبة لها بالخوض بتفكير يتعبها عن الشخص الآخر (خالد) لا تود أن تفكر وتستنتج أنه بين قبضتهم أو قبضة الشرطة .. تدعو الله بداخلها أن يكون في السجن ولا أن تغيب ذكراه عنهم وتتوه في دوامة ضياع .. في السجن، ستطمئن أنه لا يزال حيًا، تعلم مكانه وأخباره، أما معهم .. سيختفي بغمضة عين كما اختفت أختاها، تغمض عينيها بشدة لتمحو الفكرة من رأسها، يغلبها النوم.. تنام طويلًا، نومًا منهكًا مليئًا بالكوابيس .. حتى تستيقظ بخوف وهي تتأمل المكان، ليست غرفتها القديمة، ولا تلك الغرفة المهترئة في الحي الشعبي.. لتعود بها ذاكرتها للأمس، تزفر براحة وهي تستوعب وجودها بغرفة ثامر، وعلى سريره .. ينتابها قلق من أن تفتح الباب وتجد عيونًا مستهجنة لوجودها، تعود مجددًا لتجلس على السرير بضياع ..
-لا يرى شيء غير صورة يوسف، برغب وبشدة أن يحلّق بعيدًا عن سواد هذا العزاء ليلوذ بأخيه علّ دموعه ترحمه وتطلق سراحها .. يبدأ توافد المعزين من جديد لحضور ثاني أيام العزاء، يصله صوت عمه متعبًا :" ثامر .. روح نام وارتاح، ما نمت من أمس"
يهز رأسه نفيًا ليقف بسرعة :"بروح أشوف يوسف"
يعقد حاجبيه ياسر بتعب، يتمنى لو يسرق لحظة ليطبطب على ابنه المريض في المستشفى، تلزمه العادة الاجتماعية للبقاء مع المعزين الضيوف.. يوسف بأشد الحاجة له، لكن لا يستطيع.. ناصر قبل ثلاث ساعات كان برفقة نجد، أخبره بأن يوسف يغرق بصمته.. يزيد قلقه، ليهز رأسه إيجابًا وهو يطبطب على كتفه :" روح يا ولدي .. روح وقوّيه"
يمشي بخطىً سريعة متجاوزًا المجلس هاربًا من الوفود القادمة .. تتسع أحداقه وهو يرى الجسد الذي يدس نفسه بين جموع المعزين ويدخل باب المنزل، تنتابه رعشة وعقله يعود إليه متذكرًا الكارثة.. عينان ذابلة ترتفع لتلتقي بعينه، يهز رأسه نفيًا وشفتاه تتحرك بهمس ليقرأها الآخر:" روح"
يتجاهل طلبه، ليمشي إليه .. يحث خطاه ثامر ليلتقي به بمنتصف الباحة الممتلئة بالرجال، وبهمس مندهش :" ليش خالد؟ "
يزم شفتيه خالد والحزن يغطيه، يرفع ذراعه ليسحب ثامر إليه ويحتضنه بمواساة :" عظم الله أجرك .. الله يغفر لها ويرحمها "
ترتعش عيناه منذرة عن سيل من الدموع التي هجرته، كتف خالد كان واسعًا ليضم حزنه، وليستفيق من صدمته ويبكي أمه أخيرًا .. كانت عينا خالد هي ما يحتاجه لينفث بكاءه ويمارس حقه الإنساني في عزاء أمه، شد عليه بقوة ليبكي كثيرًا .. تعود إليه صورة أمه في مغسلة الأموات ليدرك أن رحيلها واقع وليس كابوسًا كان يؤمل نفسه أن يستفيق منه، يسمع تمتات خالد ليزيد من بكائه الصامت :" ابكي يا ثامر .. لا تستحي من دموعك على أمك، ابكي ولا بتبقي هالدمعة حسرة بقلبك لين تشيخ، لو ما بكيت فراقها تبكي فراق مين؟ "
يدس وجهه في كتف خالد، ليبكي أكثر .. كان يحتاج بشدة من يأمره بالبكاء، من يبكي معه .. من يشاطره حزنه ولا ينظر إليه بنظرة شفقة خجولة، رفع وجهه عن كتفه المبلل بدموعه لتلتقي بعيني خالد المتعبة.. يشد كفه ثامر ليسحبه معه للباحة الخلفية من المنزل، قُرب المستودع.. يهدأ اضطراب أنفاسه بعد نوبة البكاء لينطق بقلق ممزوج بحزن :" ليش جيت خالد؟ "
يتنهد بقوة ويشتت أنظاره :" لا تفكر وتشغل بالك بموضوعي، اللي فيك الحين مكفيك"
يهزه ثامر :" كيف ما أفكر! خالد انت تهدم كل اللي بنيته هالفترة - يهمس بشدة خوفًا من أن يصل صوتهم لمسامع أحد- تلقاهم الحين لاحقينك، ولا الشرطة تنتظرك! .. لو مشيت وما التفت لوراك كان تجاوزت الحدود الحين"
تنفرج شفاته بابتسامة حسرة موجوعة :" خلاص .. راح كل شي، الشرطة دخلت الحي وتلقاهم ينتظروني عند الباب"
تذبل عيونه بصدمة وحزن، ما كل هذه المصائب التي ألقت بنفسها عليه؟، يتنهد خالد ليضمه وبصوت موجوع :" رغد يا ثامر.. رغد، هي كل وجعي وكل اللي بقى لي، ما آمن عليها إلا وهي تحت عيني.. - يشد عليه بقوة - ما آمن عليها إلا معك، حطها بعينك وكأنها يمامة وخاف الله فيها .. "
يغمض عينيه بشدة، يزيد ألم رأسه .. ليهز رأسه يُطَمْئن خالد الذي تابع وهو يطبطب على كتفه:" في غرفة الهجرة بتلقى كل شي، صندوق الأوراق لا تستخدمه إلا إن كان آخر حل لك.. ورغد لا تمسها يدهم، أرضى يصيبها أي شي إلا إنهم ياخذونها"
رمادٌ نفث نفسه ليغطي الرياض، يشعر بأن شوارعها تضيق وصحراؤها تبتلعه وهو يرى خالد يسير بثقة أودعها فيه، يبتعد خالد ليخرج من بين المعزين .. تسير خطى ثامر تتبع أستاذ الصبا وصديق الهم، يراه من بعيد يمشي في زقاق الحي .. تنتشر أضواء حمراء لتلمع في ثوبه، يركن رجل الأمن سيارته .. ليُسلم نفسه خالد بكل استسلام، وها هو يدخل السيارة مُقيدًا .. تصغر السيارة مبتعدة، تسير بعيدًا ولا يزال ثامر معلقًا بصره عليها علّ خالد يترجّل منها ويعود ..
اختفت، واختفى معها خالد .. يمشي بضياع في شارعهم، يسمع أصواتًا بين الفينة والأخرى تُسلم عليه وتعزيه.. يلجأ لسيارته هربًا من كل شيء، إلى يوسف ونجد.. ليتلقى صفعته هناك، يخرج من المستشفى محملًا بذنب أكبر .. وصوت يوسف اللائم يرّن في أذنه (دقيت عليك، بس مثل عادتك .. تترك كل شي وراك وتفكر بنفسك! .. تقفل جوالك وأمي مرمية جنبي تنزف، تموت قدام عيوني وأنا أنتظر غريب يوقف قدامنا ويدق على الإسعاف! .. مثل ما عرفتك، بتبقى وبتموت وانت مريض بالأنانية!)
يُسند رأسه على المقود، يحاول ابتلاع كلمات يوسف، ليظهر أمام عينيه جواله الآخر .. يلتقطه بسرعة من الأسفل لتصيبه خيبة أكبر وهو يرى مكالمات عديدة من رقم مجهول تعود إلى صباح الأمس.. ورسالة يتيمة من ذات الرقم (ثامر لا عاد تتصل على هالرقم، تأخرت كثير وكل شي ضاع، برمي الجوال والشريحة) .. ليُدرك أنه أضاع أمه وخالد، مكالمة يوسف له وهو في أشد الأوقات رعبًا جعلته يغلق الخط ولا يرد ظنًا منه أنها مكالمة روتينية ليسأل عن سبب تأخره .. ومكالمات خالد التي أدركها الآن ليعلم أنه كان قاب قوسين أو أدنى من إتمام المهمة والرحيل هربًا من وطنه، بسببه انتهى كل شيء، أمه وأقرب الناس إليه .. أستاذه خالد.
يعود مثقلًا بالهموم إلى المنزل، يتوارى عن الرجال ليعود إلى الباحة الخلفية، قُرب المستودع والمطبخ .. في نفس المكان الذي كان يقف فيه خالد قبل ساعة.
- " ثــــــامــــــر!"
يفز بفزع على الصوت الصادر بجانبه، يعقد حاجبيه بدهشة وهو يراها تطل من نافذة غرفته :"رغد؟ - يمسح وجهه وكل شيء يتهاوى فوق رأسه وبصدمة - شلون وصلتِ هنا؟ كيف دخلتِ غرفتي؟ "
تبتسم، ابتسامة وديعة وكأنها التقت بأمان العالم أجمعه في عينيه.. تهز كتفيها :" مدري! "
يزفر بهم كبير وهو يضغط على رأسه، لا طاقة له بتحمل هم أكبر .. لا تزال صورة أمه تتعلق بعينيه، يخاف أن يدخل المنزل ولا يجدها .. كلام يوسف يصيبه بالصمم، ووداع خالد يرجف قلبه، رفع رأسه بعدم استيعاب وهو يراها تفتح النافذة بأكملها لترفع جسدها الصغير وتتسلل خارجة منها إليه، يُسند رأسه على السياج الحديدي للدرج مغمضًا عينيه تاركها تفعل ما تشاء .. يشعر بها تجلس بجانبه على الدرج الضيق، دقيقة صامتة تمر بينهم.. لم يصدق أن يسترق لحظة ويلوذ بوحدته، يرغب وبشدة أن يستعيد نفسه ويحظى بلحظة هدوء .. ليصطدم بالكارثة التي نساها خلفه، يصله همسها مترددًا :" الله يرحمها "
لا يرد، لسانه أثقل من أن يردّ عزاءها له .. تمر دقيقة أخرى تتلوها أختها، وهي لا تزال تجلس محشورةً بين جسده الضخم والجدار الخشن.. ترغب وبشدة أن تسأله عن خالها خالد، أن تذكره بالمصيبة التي تنتظرهم، لكن وجهه الموجوع يُلجم لسانها ..
وفجأة تتسع حدقتا عينيها وهي تشعر بالثقل الذي حطّ على كتفها، ترف عينها للأسفل ليقابلها شعره الكثيف ملقى على كتفها بتعب، مكتفًا يديه ومسدلًا جفونه .. تحاول رفع جسدها لتبدو أطول ليتمكّن من إراحة رقبته المعقوفة، لكن يبدو أن لحظة نوم باغتته ..
-
يقف طويلًا على قبرها الذي ضمها منذ أسبوعين.. وفراغٌ يجهله يتبدد فيه حتى يُفقده الشعور بالحياة، يشعر بكف نجد التي تسللت له لتسنده :" نمشي؟ "
يهز رأسه إيجابًا، ليسير برفقة أخيه.. يتوقف فجأة لينحى طريقًا آخر، غير طريق الخروج من المقبرة، يكتفي نجد بالسير إلى جانبه مستنكرًا الطريق الذي سلكه.. قبران يحفظانهما جيدًا.
يتوقفان أمامهما، يرفع نجد كفه ليدعو لخاله الذي يرقد في القبر أسفله.. يلتفت ليوسف ليفاجأ به يحدّق بغرابة بالقبر الآخر، يهمس وهو يطرق القبر بعكازه الذي يتكئ عليه :" متى ترحمني وتعتقني؟ "
يعقد حاجبيه بقلق :" يوسف؟ "
يتنهد بقوة :" يلله نمشي"
يعودان برفقة ناصر إلى المنزل، يزداد شعور الفراغ بداخله .. لأول مرة يدخل المنزل بعد فقد والدته، يجلس على أعتاب الدرج الداخلي لا يقوى على الدخول.. ونجد يتركه متجهًا إلى والده في المجلس، دقائق حتى شعر بشخص ينضم إليه ويجلس بجواره، لا يتحدثان .. منذ ألقى كلامه ذاك في وجه ثامر ولا حديث يدور بينهم، يشعر بثامر يزفر بقوة لينطق أخيرًا :" يمامة بتروح"
يعقد حاجبيه بعدم فهم، يتابع ثامر بتعب :" خالها يقول بياخذها لبيتهم .. -يضحك بسخرية - تذكرها الحين! ولا أول كلن يرميها على الثاني"
ينطق أخيرًا يوسف بجمود :" وإن شاء الله وافقتوا؟ "
يزفر بقوة :" آآآخ يا يوسف.. هي اللي أصرت! كلمتها وحاولت فيها لكن رافضة"
يخرج نجد في هذه الأثناء من المجلس ووجهه تأكله الصدمة، يقترب منهما ليهمس بعدم تصديق :" يمام بتروح ؟"
يهز رأسه ثامر إيجابًا، لينطق باندفاع نجد :" ثامر لا تسمح لهم"
يهز كتفيه بقلة حيلة :" ما بيدي شي"
يقترب منه نجد ليجلس أمامه برجاء، يزفر بضيق ثامر :" كلهم يقولون ما بتقدر تعيش معنا، تحتاج خالها وزوجته.. هي يتيمة وصغيرة ومشلولة، مهما سوينا ما بنقدر! .. حتى هي يا نجد مقتنعة! "
يغمض عينيه بعدم تصديق، لا ليست يمامة.. لا ينقصهم فقدها! يخرج من المنزل هاربًا من الجحيم الذي أصبح يراه فيه.
وعندما عاد .. كانت قد غادرت، أخذت معها قلبه الذي تعلق بها صغيرًا لتتركه بلا وداع ..
يقتله أكثر استقبال ثامر له الذي نطق سريعًا :" وين رحت؟ جلسنا ندورك تسلم عليها .. قالت ما تبي تروح لين تسلم عليك.. بس تأخرت! "
جفّت منازلهم، أصبحت تحمل أرواحًا خاوية .. تفتقد الروح الأنثوية التي تمدهم بالحياة، نورة .. غادرت إلى مثواها الأخير، يمامة .. غادرت الرياض إلى محافظة صغيرة، تفصلها عنهم عشرات الكيلو مترات والكثير من الفقد.
*•
• متَى ترحلُ القافلةْ؟
• سترحلُ توّاً
• فَهَيِّئ لنفسكَ زادَكَ والرَّاحلَةْ
• متَى ترحلُ القافلةْ؟
• غداً رُبَّما
رُبَّما القابلةْ
وقد تتأخَّرُ يوماً
ويوماً
وشهراً
إلى أنْ تُضِيء لَهَا لحظةٌ عَاقِلَةْ
• متَى ترحلُ القافِلَةْ؟
• لقد نامَتِ القَافلَةْ.
ونَامَتْ لَهَا أَعْيُنُ الرَّاحِلِينَ
وأَقْفَرَ وجْهُ الطريقِ منَ السَّابِلَةْ
• إذَنْ، نَامَتِ القافلَةْ
فلا الفَرْضُ أَدَّتْ -هُنَاكَ-
ولا النَّافِلَةْ
• ........................
- سيد البيد رحمه الله.
*•