الفصل 29
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
كان الأسد يسير ببطء فوق العشب الكثيف، عضلاته القوية تتحرك تحت جلده الذهبي مع كل خطوة ثقيلة، كأن الأرض نفسها تفسح له الطريق. فروه اللامع يتماوج مع ضوء العصر، وعيناه الواسعتان تراقبان المكان بكسلٍ مهيب. فوق ظهره جلست سابين، متيبسة الظهر، متجهمة الملامح، ممسكة بفرائه رغمًا عنها كلما تحرك خطوة.
ريكارادو كان يمشي بجانبه ممسكًا بالسلسلة المعدنية بخفة، وكأنه يقود كلبًا ضخمًا لا أحد أخطر مفترسات الأرض. كان هادئًا إلى حدٍ مستفز، يراقب الطريق أمامه بينما عقدت سابين ذراعيها ونظرت إليه بحدة واضحة.
— هل انتهت جولتك الاستعراضية أم ما زلت تريد أن تريني المزيد من الحيوانات المفترسة؟
ابتسم ابتسامة جانبية دون أن يلتفت إليها.
— أنتِ من عليك الإجابة يا صغيرة… لكن أراكِ أحببت الجلوس فوقه حتى أنكِ لم ترمي نفسك من عليه وتنزلي.
ضيقت عينيها بغضب.
— لأنك حاصرتني بينه وبينك، ماذا كنت تتوقع؟ أن أقفز وأموت؟
مد يده فجأة وأمسك بذراعها عندما حاولت أن تنزل.
— ابقي مكانك.
— لا تأمرني.
تحرك الأسد خطوة للأمام فتمايل جسدها قليلًا، فتمسكت بفرائه رغماً عنها واتسعت عيناها غضبًا.
— أوقفه فورًا!
ضحك بخفة، ضحكة قصيرة مستفزة.
— خائفة؟
— لست خائفة… أنا فقط منزعجة منك.
رفع حاجبه ببطء.
— الفرق بينهما صغير جدًا الآن.
بين الأشجار بدأ القصر يظهر أخيرًا، ضخمًا بلونه الحجري الداكن، تعلوه نوافذ طويلة تعكس ضوء العصر الذهبي.
لكن في الجانب الآخر… عند قصر داميان…
في الطابق العلوي كانت دالين تقف خلف نافذة طويلة تطل على الغابة. وضعت كفيها على الزجاج البارد ونظرت إلى الخارج بشرود. كانت أفكارها ما تزال عالقة في ما حدث بينها وبين داميان قبل ساعات… صوته… نظرته… كلماته الثقيلة التي تركت في قلبها اضطرابًا لا تعرف كيف تتعامل معه.
سهت أكثر داخل دوامة أفكارها…
وفجأة تحطم الصمت.
انفجارٌ قريب دوّى كالرعد، تلاه وابلٌ كثيف من الطلقات النارية.
اهتز القصر كله بعنف.
في الخارج توقف ريكاردو فورًا. ارتفعت عيناه نحو القصر، وبرودة قاتلة اشتعلت داخله. في لحظة واحدة أمسك سابين من خصرها وأنزلها عن ظهر الأسد بسرعة ووضعها خلفه، بينما سحب مسدسه من خلف ظهره.
— ابقي خلفي.
نظرت حولها بارتباك.
— ماذا يحدث؟!
قال بهدوء خافت:
— اششش… لا تخافي يا صغيرة… فقط اهدئي.
أغلقت أذنيها بيديها عندما دوّى الرصاص من جديد. همست بخوف واضح:
— الصوت قوي… من الجهة الأخرى…
استدار ريكاردو نحو الجهة التي أشارت إليها، وصوته انخفض أكثر.
— قصر داميان.
اتسعت عينا سابين فجأة.
— داالين…
لم يجب.
فقط اندفع نحو القصر بخطوات سريعة بينما الرصاص يمزق الهواء.
في الداخل كان المشهد أشبه بفوضى جحيمية. الحراس يتبادلون إطلاق النار مع رجال مسلحين اقتحموا المكان. الدخان بدأ يملأ الممرات، والصراخ يتردد بين الجدران الحجرية الثقيلة.
ضغط ريكاردو على الزناد دون تردد.
سقط رجل… ثم آخر.
الأسد خلفه أطلق زئيرًا هائلًا جعل بعض المهاجمين يتراجعون رعبًا.
في الأعلى…
كانت دالين قد استدارت لتغادر النافذة عندما ظهرت يد خشنة من خلفها فجأة وسحبتها بعنف.
شهقت محاولة المقاومة، لكن الرجل جرّها بقوة نحو الممر.
— اتركني!
صرخت بصوت مرتجف.
وفي تلك اللحظة تحديدًا اندفع ريكاردو داخل القاعة الكبيرة، عيناه مسحت المكان بسرعة حتى رأى المشهد…
دالين تُسحب بعيدًا.
— دالين!
اندفع نحوها فورًا.
سابين ركضت خلفه دون تفكير.
استدار الرجل فجأة… رفع سلاحه…
دوّى صوت الرصاصة.
جسد دالين ارتجف للحظة… كأن الزمن توقف.
ثم سقطت على الأرض.
الدم اندفع من صدرها.
صرخة سابين مزقت القاعة.
— داااااالين!
انزلقت على ركبتيها واحتضنتها بقوة.
— دالين افتحي عينيك… أرجوك…
لكن رأسها كان ساكنًا، وشعرها الداكن بدأ يتلطخ بالدم الذي يسيل على الأرضية الرخامية.
في تلك اللحظة…
تحولت عينا ريكاردو إلى جحيم مشتعل.
ضغط على الزناد مرات متتالية، فسقط المهاجمون واحدًا تلو الآخر.
الحراس اندفعوا وأحكموا السيطرة بسرعة، والاشتباك انتهى خلال لحظات… لكن الصمت الذي أعقب ذلك كان أثقل من صوت الرصاص.
سابين كانت تبكي وهي تضم دالين بقوة كأنها تحاول إبقاء روحها داخل جسدها.
اقترب الأسد ببطء، زئير منخفض يهز الأرض تحت أقدامهم.
تحولت نظرات ريكاردو إلى نارٍ حقيقية.
اقترب من الأسد، فتح القناع الذي كان يغطي فمه، ومسح ببطء على فروه الذهبي.
ثم قال ببرود مرعب:
— اندفع نحوهم… واستمتع بوليمتك يا صغيري.
في اللحظة التالية اندفع الأسد كالإعصار.
زئيرٌ وحشي… وفكّان ينهشان بلا رحمة.
لم يقاوم أحد.
اقترب ريكاردو من سابين التي كانت ما تزال تحتضن دالين وتبكي بحرقة.
وفجأة…
دوّى صوت خطوات مسرعة في الممر.
الباب الخلفي فُتح بعنف.
ظهر داميان.
كان قد عاد للتو…
لكن ما إن رأى المشهد حتى توقف للحظة واحدة فقط.
عيناه نزلتا ببطء إلى الأرض…
إلى الدم…
إلى جسد دالين بين ذراعي سابين.
واتسعت عيناه كأن شيئًا انكسر داخله.
— دالين…؟
خرج الاسم من فمه كأنه جرح.
ركض نحوها بسرعة مرعبة.
دفع سابين برفق لكنه بلا رحمة، وركع بجانبها فورًا.
مد يديه المرتجفتين ورفع جسدها بين ذراعيه.
— لا… لا… لا…
صوته كان خافتًا… لكنه مليء بوحشية مكبوتة.
ضغط بيده على الجرح محاولًا إيقاف الدم.
— دالين… اسمعيني… افتحي عينيك.
رأسها تدلى ضعيفًا فوق ذراعه، وشعرها الداكن ملطخ بالدم.
رفعها أكثر إلى صدره كأن قربه وحده قد يعيدها للحياة.
— لا تجرؤي على الموت الآن… هل تسمعينني؟
انخفض صوته أكثر، مظلمًا وخطيرًا.
— لن أسمح لكِ بالهروب مني أبدًا… لن أسمح لكِ أن تسبقيني إلى ذلك العالم… إن كان مصيري الجحيم… فلا تستحقين الجنة… مكانك معي.
عيناه كانتا تحترقان وهو ينظر إلى وجهها الشاحب.
الدم على يديه… على قميصه… لكنه لم يهتم.
نهض فجأة وهو يحملها بقوة بين ذراعيه وركض عبر القاعة.
— أحضروا الطبيب فورًا!
صوته دوّى في القصر كله.
الحراس تحركوا بسرعة.
سابين بقيت واقفة في مكانها تبكي بينما الأسد كان يمزق الجثث في القاعة بوحشية.
ريكارادو وقف يراقب بصمت قاتل، عيناه مظلمتان وهو يرى داميان يركض بجسد دالين عبر الممرات الطويلة.
داميان لم يتوقف… لم ينظر خلفه…
كان يضغطها إلى صدره كأن قلبه يحاول أن ينبض بدل قلبها.
همس قرب أذنها بصوت مكسور وخطير:
— لن تموتي… ليس قبل أن تسمعي كم أكرهك لأنك جعلتني أخاف هكذا… وليس قبل أن تعرفي أنكِ لي…
ركض أسرع عبر الممر الطويل، بينما قطرات الدم تسقط خلفه على الأرض الرخامية.
القصر كله أصبح فجأة غارقًا في صمت ثقيل.
شهقات سابين كانت تتعالى في القاعة من الرعب.
اقترب ريكاردو منها بهدوء، أمسك بذراعها وسحبها نحوه.
استدارت إليه… عيناها حمراوان من البكاء.
جلس فوق الطاولة ببرود وجذبها نحوه.
كانت تحاول مسح دموعها بسرعة.
كانت تكره أن يراها أحد ضعيفة.
مد يده فجأة ومسح وجهها بقوة.
قال ببرود:
— أكره رؤيتك هكذا يا صغيرتي… إن رأيتك تبكين هكذا مجددًا سأجعلك طعامًا لذلك الأسد الثائر.
نظرت إليه بصدمة وغضب.
ابتسم ببطء.
— تليق بك هذه النظرات فقط.
انخفض قليلًا وهمس قرب أذنها:
— تليق بك القوة فقط… أحب رؤيتك هكذا… شرسة.
ثم أضاف بهدوء:
— لا تخافي… صديقتك بخير. إصابتها ليست خطيرة… الرصاصة أصابت كتفها فقط.
اتسعت عينا سابين فجأة.
— حقًا؟! حقًا؟!
أومأ وهو يضحك بخفة، ومرر يده فوق شعرها.
ابتسامة واسعة شقت طريقها إلى وجهها من شدة الراحة.
قال ريكاردو بنبرة ماكرة:
— آه… تعالي إلى هنا.
ثم جذبها بقوة إلى حضنه.