ظلال الخطيئة - الفصل 4 - بقلم المجنون - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظلال الخطيئة
المؤلف / الكاتب: المجنون
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

*˙⁠❥⁠˙⁠ࢪواية ظلال الخطيئة7-8-9-10والاخير˙⁠❥⁠˙⁠* ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏*تـم مـشـارڪه الـࢪوايـة مـن قـنـاة عالم الروايات ‏‏تابع قناة عآلُم آلُرۆآيَآتٌ آلُجٍميَلُةّ/روايات وقصص حب ودين اقتباسات عميقة نكت بوستات وصور واستوريهات في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029Vb01xFo7DAX1UxQAXc2j ظلال الخطيئه الفصل السابع خيوط لا تُرى خطت سمية داخل محطة القطار وهي تتفحص كل تفاصيل المكان، بدءًا من شباك التذاكر، وأرصفة الانتظار المتعددة، شرائط السكة الحديدية، وتلك الإشارات الضخمة عند بداية المحطة، ممشى علوي يصل من أول رصيف لآخر واحد، والكثير من الناس الذين ينتظرون مجيء القطار. سحبها كريم من تأملاتها وهو يقول: - هنركب القطر لطنطا. - طنطا! اشمعنا؟ يعني الوقت والسفر و... - ما تقلقيش، أنا مظبط كل حاجة، سيبي لي نفسك النهار ده خالص، وهخليكِ تحلفي باليوم ده. ابتسمت له وقد شعرت بخفقة مفاجئة، وكأنها تنبهت لنبضها بعد غياب، سيكون الأمر أكثر من ممتع، ليس فقط لأنها ستركب القطار لأول مرة، ولا لأنها ستزور مدينة طنطا لأول مرة، وإنما لكونها بصحبته لأول مرة! تحركا إلى مكان الانتظار، وأجلسها إلى أحد المقاعد قبل أن يذهب ليشتري بعض المسليات من أحد الأكشاك القريبة. عاد محملًا بالكثير من الأشياء اللازمة لرحلة قصيرة، قال وهو يجاورها الجلوس: - القطر دلوقتي هيبقى هادي، مش زحمة، بس ممكن يبقى زحمة واحنا راجعين، لأنه هيبقى معاد رجوع الطلبة من الكليات، مهما كان ومهما حصل خلي عينك معايا وقريبة مني، اتفقنا؟ أومأت موافقة، ولا تدري سببًا لذلك القلق في قلبها، لكنها للمرة الثانية تجاهلته وقررت الاستمتاع بيومها معه. جلسا متجاورين، وأخرج من حقيبته بعض المسليات وبدآ يأكلانها مع بعض الأحاديث عن حياة كل منهما، كانت سمية مندمجة معه كليًا، كما لو أنها على معرفة به وثيقة، وكانت تجربتها لركوب القطار مثيرة، إذ أبدت إعجابها به وبالسفر فيه. تأملت الطريق خارج نافذته قليلًا، وتخيلت في ذهنها رسمة قررت أن ترسمها ما إن تعود للبيت. وصلا لوجهتهما بعد فترة وجيزة، ترجل هو أولًا، ثم مد يده لها كي يساعدها على النزول، نظرت ليده بتردد لم يطُل، ومدت يدها تضعها في يده بخجل بدا على ملامحها، تلك الفتاة رغم ما تفعله الآن إلا أنها ما زالت تحتفظ ببعض براءة داخلية. تجولت بعينيها في المحطة قبل أن يقول مبتسمًا: - تحبي تتمشي لحد المكان اللي هنروحه، ولا نركب مواصلة؟ لو مشينا نوصل في ربع ساعة بالكتير. أومأت له مؤكدة رغبتها في السير معه، وتحركا إلى حديقة الأندلس، تلك الحديقة الغناء ذات الأجواء المميزة والمناظر الخلابة، انبهرت بكل ما فيها، خاصة البحيرة الصغيرة، والتي جلس معها بالقرب منها، قال بينما ينظر للبحيرة: - كنت واخذ عهد على نفسي، عمري ما آجي المكان ده إلا وأنا معايا حبيبتي، صحابي جم كتير، وصوروا المكان كتير وأبهروني بيه، بس مكان زي ده ما تحسيش بجماله غير جنب شخص بتحبيه من قلبك. كلماته أصابت قلبها برعشة لذيذة، أدمعت عيناها من فرط فرحتها، قالت مبتسمة: - أتمنى إننا نكون اختيارات صحيحة في حياة بعض. - أنا عن نفسي مش شايف أصح من اختياري ليكِ حبيبة لقلبي. خجلت من جديد، وبدأت تفرك يديها معًا، مد يده يمسك بخاصتها، كاد يسحبها ليطبع قبلة فوق راحتها، لكنها سحبت يدها بسرعة، وانتفضت واقفة تقول بتوتر بالغ: - يدوب نتحرك، الوقت ممكن يسرقنا. ابتسم لما أحدث من ضجة داخلها، تحرك بدوره يقول بشغف تمكن من رسمه في تصرفاته جيدًا: - يبقى خلينا نستغل كل دقيقة، يلا بينا. - على فين تاني. - ممنوع تسألي، أنتِ تتفاجئي وبس. ضحكت لجملته، وتحركت بجواره مستأنسة بقربه، تشعر أنه يتمكن من قلبها أكثر فأكثر، وقد تركت العنان لنبضها يثور من أجله كيف شاء. أوقف وسيلة مواصلات، أقلتهما إلى الكورنيش، وترجلا ليظهر الانبهار جليًا فوق محيا سمية التي ابتسمت باتساع وهي تقول بصدق: - أنا حقيقي ما جاش في خيالي إني ممكن أتمشى في يوم على كورنيش. أنت ازاي قادر تسحرني بأفكارك كده! ضحك بصخب قبل أن يمد يده بعفوية يلتقط كفها، ثم تحرك معها يركضان إلى أقرب مقهى مطل على الكورنيش، جلسا ينظران للبحر بإعجاب بين، وقد ارتسم الامتنان على محيا سمية لهذه المفاجآت التي لم تكن لتتوقعها بأحلامها، اليوم لديها حصيلة كبيرة للغاية من أجل الرسم، ومن أجل الحب. أتى النادل بما طلبا من مشروبات دافئة، وتبادلا أطراف الحديث لبعض الوقت قبل أن ينظر كريم لساعة يده، ثم قال وهو يخرج المال من جيبه: - يدوب نزور المكان اللي قبل الأخير بقا عشان الوقت، أما المكان الأخير ده فعايز نقضي فيه وقت طويل أوي. سألت عن وجهتهما فنظر لها بطرف عينه، تراجعت وهي تشير على فمها علامة أنها ستصمت، ابتسم لفعلتها وتحركا سيرًا متجاورين يتمشيان على الكورنيش، ولم يمر غير دقائق معدودات حتى وقف بها أمام عربة بيتزا، سألها أي الأطعمة تفضل، فقالت ضاحكة: - احنا فطرنا فراخ مشوية وهنتغدا بيتزا! ضحك معها ليؤكد أنه يحب أن يكونا مختلفين عن الآخرين في نمط حياتهما معًا، أسبلت عينيها من جملته التي جمع بين حياته وحياتها لتصبح حياة واحدة يتشاركانها، ابتسم لما بدا عليها من حب لكلمته. ثم طلبا طلبهما وجلسا يأكلان بنهم كأنهما لم يأكلا شيئًا منذ الصباح. قال بعد أن شعر بالتخمة: - دلوقتي بقا نقدر نروح آخر مكان بقلب ومعدة مرتاحين. - اشمعنا يعني؟ سألت تستفسر عما يقصده، فقال غامزًا بعينه: - عشان القلب هيفرح طبيعيي هناك، والمعدة هتهضم بسرعة وتدي الجسم طاقة يتعامل مع اللي جاي. لم تفهم قصده بالضبط، ولم تسأل مجددًا، فهو لن يخبرها على أي حال. ركبا وسيلة أخرى، وما إن وصلا لوجهتهما فغرت سمية فاهها دهشة وسعادة، نظرت إلى كريم تقول بعدم تصديق: - لا لا لا مستحيل، أنت بتتكلم جد؟ ملاهي! هندخل ملاهي. - طبعًا، أومال جايين نتفرج بس! رد رده وهو يمسك بيدها ويسحبها معه مسرعين للداخل، قضيا وقتًا لم يحسبا مداه، كانت السعادة تطغي عليهما، نسيا كل شيء من حولهما، فقط ركزا على تلك السعادة التي غمرت قلبيهما. انتهيا من تجربة كل الألعاب التي رغبا في تجربتها، لتنتبه سمية أخيرًا أن الغروب قد حل. شهقت بفزغ وهي تقول بهلع تام: - كريم، الوقت، مش هلحق أروح، أنا المفروض كنت أكون في البيت من نص ساعة، الدنيا هتليل وأنا بره البيت، يادي المصيبة. كان الخوف والقلق باديين عليها، حاول تهدئتها لكن توترها فاق احتماله، قال مقترحًا بسرعة: - خلاص بلاش نرجع في القطر، يلا هنرجع مواصلات أسرع. لطمت خدها بخفة وهي تقول بقلق تفاقم: - مواصلات إيه وقطر إيه! كله محصل بعضه، هروح بليل برضو. لم تنهِ جملتها وإذا بهاتفها يعلن اتصالًا، لطمت خدها مرة أخرى وهي تقول بهلع: - ده أحمد أخويا، أكيد ماما بتتصل عليا تشوفني تأخرت ليه، هقول لهم إيه! حاول كريم السيطرة على الموقف، أشار لسيارة أجرة، وانطلقا إلى موقف السيارات، هناك حيث قررت الرد على والدتها التي اتصلت ثلاث مرات دون رد منها، حاولت تصنع الثبات، وصلها صوت أمها القلق: - إيه يا سمية ما بترديش ليه؟ قلقتيني. أنتِ فين كل ده؟ تأخرتِ ليه؟ ابتلعت لعابًا وهميًا وهي ترد بثبات لم يصل لجسدها الذي يرتجف: - تأخرنا في الكورس النهار ده، ما عرفتش أتصل بيكِ، المستر ما عملش بريك خالص، يدوب لسه مخلصة وجاية أهو. - طب اخلصي، أبوكِ جه بدري النهار ده، ليلتنا مش هتعدي على خير لو خد باله من تأخيرك. أكدت أن الأمر فقط مسافة الطريق، وأخذت تدعو أن يتعطل والدها في أي شيء حتى تعود للبيت، وانقلب اليوم بجماله على قلبها بقلق وخوف لم يهدأ حتى مع محاولات كريم الذي هاله تحولها هذا. مر الطريق وكأنه يتعمد استفزاز صبرها الذي طال حتى وصلت إلى الزقازيق بعد أذان المغرب بفترة، ما زال أمامها مواصلة أخرى تستقلها إلى مدينتها، والتي لا يقل قطع مسافتها عن نصف ساعة، ودعت كريم وداعًا باهتًا من فرط توترها، وبقيت تقرض أظافرها حتى كادت تصل إلى مدينتها، بحثت عن الهاتف لترى الساعة وتنظر إن كان قد اتصل بها أحد أهلها من جديد، ويا للصدمة، الهاتف ليس معها! كادت تفقد عقلها وهي تبحث مرة واثنين وثلاثة، وتسأل الجالسة بجوارها، حتى طلبت من أحد الركاب أن يتصل بهاتفها الذي أعطاه جرسًا دون أي رد. فعلمت أنها ميتة هذه الليلة لا محالة. ____________________ خرجت من بوابة المدرسة الرئيسية ليُفزعها أحد زملاء فصلها وهو يخبرها بهلع: - الحقي يا أسماء، محمد والشلة بتاعته ماسكين باسم ورا مدرسة الثانوية، ونازلين فيه طحن. - إيه! قالتها بفزع وقد تمكن الرعب من قلبها، لم تفكر مرتين، على الفور هرعت إليهم وهي تقسم أن تفضح أفعالهم جميعًا، وستشي بهم عند مدير مدرستهم، ليس هذا فقط، بل ستختلق القصص عنهم حتى تحاصرهم في زاوية الشر التي كادوها لأخيها. وصلت بعد دقائق حيث المدرسة الثانوية التي لم تكن تبعد عن مدرستها كثيرًا، واتجهت على الفور حيث أخبرها زميل صفها. وجدت أربعة منهم، من بينهم محمد الذي ترتسم فوق شفتيه بسمة لم تفهمها، قالت مندفعة غير مدركة لفخ قد حيك على قياسها: - باسم فين؟ أنا حذرتكوا مرة، بس واضح إنه ما كانش ينفع معاكم غير... - اهدي يا قطة لأحسن يطق لك عرق. قالها زياد الذي اقترب منها وعلى وجهه ملامح الغدر، تراجعت خطوتين في توتر، سألت بخوف حاولت إخفاءه: - فين باسم؟ انتوا... - خمسة على بنت واحدة! كتير يا شباب. قالها حمادة الذي أتى من خلفها ومعه شخص آخر، ليصبح اثنان من خلفها وثلاثة أمامها، وهي محاصرة في المنتصف، موقف لا تحسد عليه. شعرت بالخطر المحدق، ولم تدرِ ما يجب أن تفعل، حاولت استجماع بعض شجاعتها حين قالت رافعة سبابتها في وجوههم: - للمعلومة، أنا مش هعدي الموقف ده بالساهل. ضحكة مدوية من الشباب جعلت الخوف يتمكن من كل خلاياها، رد محمد وهو يلاعب حصى في يده: - لا والموقف اللي أنتِ فيه يسمح لك تهددي بصراحة. أهو أنتِ هنا دلوقتي عشان هددتينا مرة، تفتكري بقا المرة التانية دي هنعمل إيه؟ - نشوف الشعر الحلو اللي تحت الحجاب ده. قالها أحد الشباب وهو يقرب يده من حجابها، انتفضت للخلف مبتعدة عن مرمى يده، ليقول آخر وهو يلمس كتفها: - أنا عن نفسي عايز ألمسه مش بس أشوفه. انتفضت شاهقة برعب لإدراكها ما هي مقبلة عليه، ودون تردد خرجت صرخة من حنجرتها، صرخت لا لأنها قوية، بل لأن الغريزة وحدها من بقيت تحاول الدفاع عنها، لكن صرختها لم تكتمل، بل وئدت في التو بيد حمادة الذي كمم فمها وأحاطها من الخلف بقوة، حاولت التملص من يديه لكنه أحكم إمساكها، هسهس في أذنها: - قسمًا بالله ندفنك هنا حية لو صوتك طلع، أنتِ هنا عشان تعرفي غلطك، أنتِ وأخوكِ خنافس ندوسها برجلينا يا بت. لم تتوقف عن التلوِّي، فاقترب شاب منهم وانتزع حجابها لينسدل شعرها فوق كتفيها وعلى وجهها، قال الآخر: - ما حدش يقول لي إنكوا بتهددوا بس، أنا خلاص مش قادر. قال جملته واقترب مسرعًا منها، أزاح خصلاتها عن وجهها بحركة سريعة، واقترب يحاول تقبيلها، والبقية يضحكون، قال محمد وهو يضرب يديه معًا: - من كتر ما شاف فيديوهات السيكو سيكو وهو اتجنن. ازدادت ضحكاتهم، وازداد عنف حركة أسماء التي اتسعت عيناها من فرط الرعب، تشعر أن روحها تسحب، قلبها كاد يتوقف من فرط سرعة نبضه، وذاك المعتدي عليها لم يكف ولو لدقيقة عن تقبيل كل ما يقع تحت شفاهه، كانت لحظات أقل ما يقال عنها كابوسًا. لم يُنقذها من كل هذا إلا صوت غليظ أتى من خلفهم يسأل مستفسرًا: - انتوا بتعملوا إيه هنا؟ انتفض الشباب على صوته، وفي لمح البصر كانوا قد اختفوا من المكان كأنهم ما وجدوا فيه، لتصدر شهقة فزع من فيه حسان (بواب المدرسة) وهو يراها تسقط من بينهم أرضًا. هرع إليها وأخذ يسأل إن كانت بخير، كانت ملامحها المرتعبة توحي بما عاشته في تلك اللحظات، ويحمد الله ألف مرة أنه قرر إلقاء القمامة قبل ذهابه، وإلا لكانت تلك الفتاة في وضع أكثر حرجًا. قال وهو يلتقط حجابها الملقى أرضًا يقدمه لها: - اهدي يا بنتي، خلاص، مشيوا، ما تخافيش. كانت ترتعش، التقطت حجابها، لفته بإهمال وحملت حقيبتها وركضت بخطوات متعثرة، والدموع تملأ وجهها، كانت تحاول الثبات، لكن أي ثبات هذا الذي تبحث عنه وهي كادت تفقد مستقبلها وحياتها! اهتمت لحجابها ما إن وصلت لباب بيتهم، وتأكدت أن ثيابها مهندمة، مسحت وجهها وطرقت بيد مرتعشة، ما إن تفتح والدتها ستدخل فورًا للغرفة متحججة بألم في معدتها بسبب دورتها الشهرية، وستصدقها، لكن ما لم تحسب حسابه أن من سيفتح الباب هو آخر من قد يخطر ببالها، والدها! ____________________ كان جو البيت متوترًا للغاية، فقد كان الجميع يجلسون على أعصابهم، انقطع اتصالهم مع سمية منذ آخر مرة تحدثت إليها والدتها بعد العصر، ومن بعدها يحاول الجميع الوصول لها، لكنها لا تجيب على هاتفها، قارب الوقت على العِشاء، ولم تعد بعد! يكاد والدها يفقد عقله وهو يدور في صالة البيت يضرب كفيه معًا في قلق وتوتر، يأمر أحمد كل دقيقتين أن يعاود الاتصال بها. بينما تردد وداد الكثير من الدعوات أن يمر اليوم على خير، وأن تعود ابنتها سالمة، وقد أقسمت داخلها ألا تجعلها تعود للرسم مرة أخرى، فمؤكد أن ما أخرها هو توصيلها لإحدى رسوماتها إلى أحد عملائها كما تخبرها دومًا، لكن هذه المرة تأخرت أكثر مما يجب! في حين أن هدى جلست تلوم نفسها أنها لم تجلس مع سمية لتحاول صدها عما تفعل، والآن ربما مكروهًا أصابها. ومن بين الجميع تجلس أسماء متكورة على نفسها، ما زالت تشعر بالزعر والخوف بعدما حصل معها، لكنها كانت تحاول الثبات أمامهم، وقد أخبرتهم أنها تعاني من آلام معدتها ولا شيء آخر، وفي الواقع لم يكن لدى أيهم عقلًا ليفكر فيما تعانيه أسماء ولديهم مصيبة تأخر سمية دون معرفة أين يمكن أن تكون. طُرق الباب فانتفض الأب إليه يفتحه وكله أمل أن تكون سُمية، لكن خاب أمله وهو يرى باسم أمامه، دخل وسأل عن سبب تغير وجوههم، ردت هدى: - سمية ما رجعتش من الكلية لحد دلوقتي، وما بتردش على تليفونها، عندك فكرة هي فين؟ كان سؤالها الأخير مغلفًا بنبرة غامضة فهمها فورًا، فمن المفترض أنه يعلم بكل ما يخص سمية، فهما مقربين جدًا في الفترة الأخيرة. رد بتوتر: - لا.. وأنا هعرف منين! زمانها جاية، يعني يمكن كان عندها كورسات بعد الكلية ولا حاجة. ما إن انتهى من جملته سمعوا صوت الباب يُطرق من جديد، ليفتح باسم هذه المرة لقربه من الباب، كانت سمية هي الطارقة، سألت بعينيها سؤالًا رأت إجابته حية أمامها، إذ وقف والدها خلف باسم ينظر إليها بغضب عارم. عيناه تسألان العديد من الأسئلة، ينتظر إجابات، لكنها فقط تنظر إليه بخوف حقيقي وتوتر جم، مما جعله يفقد أعصابه. جذب يدها ليُدخلها بعنف، أغلق الباب بذات عنفه وصرخ في وجهها يسألها أين كانت لهذا الوقت، ابتلعت ريقًا معبأ بالخوف من نبرته، قالت بتقطع: - صـ.. صاحبتي عملت حادثة و... ورحت معاها المستشفى، أنا.. أنا بس... - وتليفونك فين؟ ما بترديش ليه بدل ما احنا قاعدين على أعصابنا كده؟ - اتـ.. اتسرق مني، أو.. أو وقع.. مش.. مش عارفة، أنا لما رحت المستشفى دورت عليه عشان أكلمكم بس ما لقيتوش. كاد يقتلع شعره من منابته، ضغط أسنانه بقوة وعاد يصرخ فيها أنه كاد يفقد عقله بسببها، لكن ما سبَّب صدمة للجميع هو ما قاله بعدها: - ما عنديش استعداد أعيش ساعات زي دي تاني، وعشان كده الكلية بتاعتك ما تلزمنيش قدام قلقي بسببك النهار ده. تحركت وداد بسرعة، حاولت التحدث مع زوجها كي تهدئ من انفعاله، لكنه دفع يدها بغلظة وهو يقول بصوت جهوري صارم: - وأي واحد في البيت ده هيكون سبب في قلق للبيت ما لوش طلوع من الباب. أنهى قوله ودخل إلى غرفته صافقًا الباب خلفه مما جعل الجميع ينتفض، سالت دموع سمية وهي تنظر لأمها برجاء أن تتصرف، لكن الأخيرة لم تجد ما يمكنها فعله، فقط قالت بهدوء: - كل واحد يشوف وراه إيه، ما تقعدوش كده. ومن فورها دخلت إلى المطبخ، مما جعل سمية تنظر لإخوتها كأنها ترجوهم مساعدتها، لكنها لم تجد من أحمد إلا التجاهل، وهدى أسفًا في نظراتها، وأسماء لا تنتبه لما يحدث أصلًا، أما باسم فقد بسط كفيه يبين أنه لا يملك أي حيلة. اندفعت إلى غرفتها تنتحب لما وصل إليه حالها حتى نامت دون أن تشعر. اقتربت هدى بخفة، هزت كتفي سمية بهدوء توقظها، قالت بصوت خفيض حتى لا تُفزعها: - قومي صلي العشا، وادعي ربنا يبرد نار بابا ويصلح حالك. انتبهت لها سُمية، فعادت تبكي من جديد، قالت هدى محاولة تخفيف الأمر عليها: - كل حاجة هتبقى كويسة، هو هينسى اللي حصل ما تقلقيش. الوقت كفيل ينسيه الموقف. وهيخليكِ ترجعي الكلية تاني إن شاء الله. - والتليفون اللي راح؟ ده عليه كل حياتي. جلست هدى إلى جوارها تربت على يدها، قالت بهدوء وحكمة: - مش يمكن اللي حصل ده لحكمة؟ فكري شوية فيها هتلاقي إنك محتاجة تفوقي لنفسك شوية، أنتِ ماشية في طريق بعيد جدًا عن ربنا يا سمية، لا صلاة ولا قرب منه، وبترسمي رسم حرام، وبتعصي أوامر بابا، وبتكذبي كمان. نظرت سمية إليها ما إن أتت هدى على ذكر الكذب، فقالت هدى بنظرة واثقة: - أنا متأكدة إن موضوع حادثة صاحبتك ده مش حقيقي، ومش عايزة أعرف الحقيقة، بس يهمني تراجعي نفسك قبل ما تقعي في مشاكل أكتر من كده. تركتها تفكر في حديثها، لكنها عادت تفكر في هاتفها، صفحاتها الإلكترونية، محادثاتها مع كريم، صورها على الهاتف، طلبات الرسم التي يجب أن تنفذها لكونها قد أخذت جزءًا من ثمنها مقدمًا، حرمانها من الخروج والكلية، كل الأمور انقلبت فوق رأسها كأنما ما بقي في الحياة إلا هي لتنصب المشاكل فوقها صبًا. حاولت أن تهدئ من نفسها، عليها أن تتحدث مع أبيها ما إن يهدأ قليلًا، مؤكد ستقنعه بالتراجع عن قراره، وبعده سترى ما يمكنها فعله. مر الوقت متوترًا، ثقيلًا، خاصة على أسماء التي تزملت بغطائها تهرب من نظراتهم المتسائلة عن شحوبها وما هي عليه من تعب بين وصمت غير معتاد عليه منها. في حين بقيت وداد في صالة البيت المظلمة إلا من بصيص نور آتٍ من المطبخ. تفكر في حال البيت الذي يتدهور شيئًا فشيئًا، بداية من أحمد الذي تشعر بعذابه، لكنها لم تملك إلا صفعه بواقع حياتهم وظروفهم المادية، ثم أسماء التي تخفي شيئًا ما عنها، فما هي عليه لا يتعلق بآلام معدتها، لكنها لم تضغط عليها، ثم باسم الذي قضى إلى ما بعد نصف الليل أمسًا في متجر الألعاب الإلكترونية، وما إن استيقظ اليوم ذهب إلى هناك أيضًا، ولم يهتم لا لدروسه ولا لمدرسته، لينتهي اليوم بسمية وما ألفت من مبررات لتأخرها، ماذا يحصل معهم. انتبهت لسكون البيت، لكنها شعرت أن شيئًا في جدرانه يئن، كما لو أنه يَسمع ما يحدث، لكنه لا يبوح به! لم تكن وداد تعلم أي خوف ستوقظه الليلة القادمة، لكنها كانت تشعر به جالسًا بجوارها، كظل لا ينام! _______يتبع________ ظلال الخطيئه الفصل الثامن نصف ضوء.. نصف موت لا يعلم تحديدًا كم مر من الوقت وهو واقف أمام المرآة، يعدل ياقة قميصه الرمادي مرة، ويمشط خصلاته أخرى، ثم يعود ليُعدل ياقة قميصه، فينتبه لبعض خصلات من شعر ذقنه غير مشذبة، يعيد تسريح ذقنه، ثم شعره، فتنفلت يده تلقائيًا إلى ياقة قميصه، الارتباك الذي في داخله عميق. وقف باعتدال يُطالع هيئته للمرة الأخيرة، مسح خديه بباطني كفيه كأنما يصلح اضطرابه، ثم جلس على طرف الفراش، سحب حذاءه وبدأ يرتديه، عقد الرباط، وكاد يتحرك، لكنه فكه من جديد لعدم تشابه الربطتين! حاول لثلاث مرات، وفي الأخيرة تذكر أنه لم يضع عطره، انتفض بسرعة يسحب زجاجة العطر خاصته، رش على أماكن النبض، وأخذ يفرك يديه ببعضهما، وعيناه تنظران بشرود لظله المنعكس داخل المرآة، ذاك الظل الذي يشبهه ولا يشبهه! باب الغرفة المنفرج على آخره سمح لوداد ملاحقة ابنها بعينين متألمتين، تشعر بما يقاسيه، وما بيدها من حيلة، لو تملك أن تطالبه بعدم الذهاب! لكنها لا تجرؤ، فأي مبرر قد تقوله لمنفطر القلب ومكسور الخاطر! خرج أخيرًا لتتصنع أمه الانشغال، قال بينما يفتح الباب: - هتأخر شوية النهار ده. لم ينتظر ردها، أغلق الباب خلفه وذهب إلى حيث مواجهة قلبه. كان الهواء باردًا، والرياح مضطربة كأنما تشاركه ارتباكه! أخذ طريقه نحو القاعة سيرًا بعد أن طلب من سائق سيارة الأجرة أن يُنزله على بعد منها، كان وقع خطواته على الرصيف يحاكي نبض قلبه المتعب، كأنه بسيره الآن يخفف من عبء ما يجثم فوق كتفي قلبه، أضواء السيارات المتلاحقة تحدث في عينيه ما يشبه ومضات الذكريات: ضحكتها، نبرتها الجادة في الحديث ما إن يتعلق الأمر بالدراسة، نظراتها، حيويتها وشغفها بالعلم والمعرفة، يوم أخبرته بحبها له، لحظة تركها إياه والمغادرة حين حصلت على الخذلان نظير الحب الذي قدمته، غيابها الذي قهر قلبه، عودتها التي أعادت لقلبه الحياة، ثم أردته مدحورًا بخبر انتسابها لغيره، واليوم، بل الآن هو ذاهب ليشهد على هذا الارتباط! يا له من مغفل كبير! دخل القاعة لتقابله أصوات الموسيقى، والإضاءة، والورود الموزعة بعناية على الطاولات، ومقعد العروسين، وصياح الشباب، وضحكات الفتيات، والنوادل يوزعون مياه الشرب، والمصور يجهز كاميرته، كل شيء في هذا المكان يشي بالفرح العارم، إلا داخل قلبه، فقد أُقيمت مائة جنازة فيه. سلم على بعض الوجوه المألوفة، واختار مقعدًا في نهاية القاعة، يريد أن يرى ولا يُرى. انتظر حتى طلت على الحفل بفستانها الذي يشبه الورد في لونه، ولفة حجابها البسيطة والقصيرة على غير العادة، زينتها التي أبرزت ملامحها دون ابتذال، ضحكتها التي لم تتغير، ولم تبدُ مصطنعة، بل مقتنعة! سكن لدقيقة، ثم لدقائق أخرى، قرر الذهاب، فقد ضاقت عليه القاعة بما رحبت! لكن قبل أن يخرج اتجهت قدماه بإشارة من قلبه حيث تجلس على مقربة من المدعو خطيبها، تشاركه الضحكة وتبادله الحديث. وقف أمامها، مد يدًا من برود مصطنع، فصافحته بيد من تخلِّ أكثر برودة، بارك لها خطبتها، ودعا لها بسعادة أكبر بكثير مما تتمنى، والتفت يغادر في صمت، كأن قلبه لم يُكسر، كأن روحه لم تُنتزع، كأن فكه لا يؤلمه من كثرة ما ضغط على أسنانه. ذهب فقط ليسمح لها أن تتحرر من قيد وجوده، وليسمح لنفسه أن يتجاوزها. لم يجد إلا أن يحمد الله أن حبها في قلبه لم يصل للحد الذي لا رجعة منه ولا خلاص، يمكنه أن يطيب، أن ينسى، أن يحيا، حتى ولو بنصف قلب وروح. ________________ وصل الحاج أيمن لموقف الزقازيق، حيث اتفق مع صاحب (الميكروباص) الذي يتحرك منها إلى طنطا، طلب رقم ابنته ليرد الرجل سريعًا، سأل عن مكانه فدله حتى وصلا لبعضهما، تصافحا وسلم الرجل الهاتف إلى الحاج أيمن الذي شكره ودعا له بالرزق الوفير، حاول أن يعطيه مالًا لكن الرجل رفض رفضًا قاطعًا، وأضاف: - أنا والله لو شفته من بدري كنت رديت على الاتصالات اللي جت عليه، بس هو كان على الصامت، عشان كده ما سمعتوش خالص امبارح، وشفته صدفة النهار ده منور تحت الكرسي وأنا بنضف العربية، الحمد لله، المال الحلال ما يروحش يا حاج. أومأ الحاج أيمن مبتسمًا ابتسامة لم تصل لعينيه، فما يدور بخلده الآن ليس بهين، تساؤلات لا إجابة لها تحاصر عقله، لماذا هاتف سمية وقع في سيارة وجهتها من وإلى طنطا؟ استقل سيارة متجهة لمدينته، وما زال باله مشغولًا بما حصل مع ابنته يوم أمس، كيف يتأكد من أن صديقتها صُدمت في حادث وأنها رافقتها إلى المشفى؟ وكيف يتأكد من أن هذا الهاتف وقع ممن سرقه وليس من ابنته! فما من سبب لأن تستقل سمية سيارة إلى طنطا أو منها إلى هنا. بقي منشغل الفكر والبال، ومن كثرة ما ترددت التآويل في عقله غُص قلبه، شعر أن الحياة ضاقت به، هناك ما يحدث من وراء ظهره ولا بد أن يعرف كنهه. طرق باب البيت بغضب، فتحت وداد بسرعة بعد أن علمت هوية الطارق، دخل وأول ما قال: - سمية فين؟ خليها تحصلني على الأوضة. - فيه إيه يا أخويا؟ حصل حاجة؟ نظر لها بجانب عينه، ورد وهو يضغط أسنانه: - هنشوف، ابعتيها لي. دخل غرفته وانتظر دخولها، وما إن أتت أمرها أن تغلق الباب خلفها، ظنت أنه سيفرج عنها، سيسامحها ويعيدها لطبيعة حياتها، إلا أن الدم قد جف في عروقها وهي تراه يخرج هاتفها من جيب بنطاله، توترت في وقفتها تنتظر القادم بترقب، قرب الهاتف منها قائلًا بنبرة تحمل هدوءًا مخيفًا: - افتحي لي التليفون ده. هنا وشحب وجهها، لم تخفِ ما يجب إخفاءه قبل أن يضيع الهاتف، لو انفتح رمزه سينتهي أمرها، نبرة والدها لا تبشر بخير، ونظراته لا تشي إلا باكتشافه لشيء ما كان يجب ألا يعرفه. انتفضت فزعة حين علت نبرة صوته صارخًا بها أن تفتحه. التقطته بيد مرتعشة، سألت محاولة التمويه: - فيه إيه يا بابا؟ وبعدين حضرتك لقيت التليفون فين؟ - هنعرف كلنا دلوقتي. افتحي. قالها بهدوء مريب جعلها توقن أنه علم بإحدى مصائبها، حاولت أكثر من مرة ان تفتحه، وكل مرة لا يكون الرمز صحيحًا، قالت بنبرة مهزوزة: - أنا.. أنا نسيت الرمز، عمالة أحاول ما بيفتحش. ضيق عينيه، وبقي ينظر إليها نظرة فهمتها جيدًا، فلو لم تفتحه بالحسنى سيكون الندم أعظم، فتحته خائفة، وكادت تحاول أن تخفي أي شيء إلا أنه خطفه من يدها بسرعة، بدأ يفتش في الهاتف بحثًا عن إجابات وافية لما هو مبهم أمامه، فوقعت تحت يديه أمورًا ود لو مات قبل أن يراها، ترنح في وقفته بسبب دوار داهمه، استند لحائط الغرفة المجاور له وما زالت يده تعبث بمحتويات الهاتف، وعيناه تتسعان شيئًا فشيئًا، وعلى حين غفلة هوى بكفه على خدها وهو يطلق سبة بذيئة، ترنحت صارخة من هول الكف الذي ترك أثرًا لن يمحى. على إثر صوتها أتت أمها راكضة، فتحت الباب برعب وهي تسأل عما يحدث، كان زوجها واقفًا ينظر تجاه سمية بأعين تشتعل غضبًا، يضغط أسنانه ببعضها لدرجة أنها أصدرت صريرًا أخاف وداد، ضمت ابنتها لصدرها تحميها من بطش أبيها وهي تعاود السؤال عما يحدث، عيناها لا تفارقان هاتف سمية إلا لتنظر لزوجها، قال بينما يؤرجح الهاتف بيده في الهواء: - بنتك المحترمة راسمة صور في أوضاع زي الزفت، وعلى علاقة بواحد محترم زيها، وكانت معاه في طنطا امبارح. والله وعرفتِ تربي يا وداد! قال نهاية جملته ساخرًا، لكن وداد لم تهتم لسخريته، فما وقع على مسمعها من أفعال ابنتها، وكذلك سماعها لذلك من زوجها نفسه، أسقط قلبها بين قدميها. نظرت إلى سمية التي تحتمي بأحضانها، قالت بنبرة خفيضة كأنما تطالبها بالنفي: - إيه اللي أبوكِ بيقوله ده؟ حصل يا سمية؟ جذب أيمن ابنته من أحضان وداد صارخًا في زوجته: - وأنا هتبلى عليها؟ ما هي دي آخرة تربيتك، آخرة دلعك، نايمة على ودانك وبنتك دايرة على حل شعرها، وكفاية عليا سمية في الكورس، سمية في الكلية، هات فلوس كتب، هات فلوس ملازم، هات فلوس الكورس، ادفع يا أيمن، اطفح الكوتة يا أيمن، اتطعن في ضهرك يا أيمن ونام على ودانك أنت ومراتك. مش كده يا بنت الـ... - سيبها يا أيمن هتموت؛ في إيدك. كان ينطق كلماته بانفعال، ومع كل كلمة تندفع يده لضرب سمية التي حاولت حماية وجهها من بطش يديه، لكن صوت وداد قطع حديثه قبل أن يتمه، نظر إليها نظرة ملأها الغضب، قال مندفعًا وهو يرمي ابنتها إليها: - صحيح، أنا مش عايزها تموت من الضرب، أنا هموتها لك بأفعالها، والله لأربيكوا من أول وجديد يا شوية بهايم. قال جملته وقد دفع وداد وابنتها من أمامه، خرج من الغرفة بوجه ممتعض، نظر حوله ليجد هدى تقف في صالة البيت تضم يديها لصدرها بخوف، ودموعها تنساب فوق وجنتيها، انتفضت وهي تراه أمامها، لم يوجه لها حديثًا، دخل إلى المطبخ، نظر حوله ولم يدرِ ماذا يفعل، لكنه قام بدفع كل شيء أمامه إلى الأرض، تكسر ما تكسر، وخرب ما لم يتحمل صدمة الارتطام، أفسد كل شيء قابله، ثم خرج إلى صالة البيت، قام بفعل المثل، لم يترك شيئًا على حاله، دخل إلى غرفته مجددًا، جذب يد سمية بعنف وخرج بها إلى الصالة، قال بينما يشير لما فعلت يداه: - لو شفتك بتعملي حاجة غير التنضيف همسح بيكِ الأسفلت، عشر دقايق وكل حاجة ترجع زي ما كانت، ومن النهار ده شغلتك في الحياة تنضيف البيت وطبيخ الأكل لأخواتك، وتشيلي البيت كله عن أمك، لو لمحت أمك بتشيل معلقة من مكانها هطفحها لك، أنا هطلع قرف سنين عمري عليكِ فوق دماغك. دفعها من يده ملقيًا إياها كخرقة بالية، كادت تسقط لولا أن يد هدى التقفتها، خرج والدها من البيت صافقًا الباب خلفه، انتفضوا جميعًا على صوته، فانهارت سمية بين يدي هدى، تبكي وتنتحب، وهدى تربت على ظهرها وتحاول تهدئتها، قالت بعد مرور وقت لم يتجاوز عدة دقائق: - قومي، قومي خلينا نرتب البيت قبل ما يرجع، اتقي غضبه دلوقتي. أومأت سمية في صمت، كُسِرت وما بيدها من شيء لتفعله، فضح أمرها، وخطت نهاية لمستقبلها بيد أفعالها، لكن أملًا لوح أمامها على لسان أمها وهي تقول مربتة على كتفها بحنانها المعهود: - هيهدى وهينسى، أبوكِ وأنتِ عارفاه، بيفور يفور ويهدى لوحده، استحملي شوية معلش. لم تنطق إلا بالدموع والشهقات، كأنه ظلمها أو حملها ما لا طاقة لها به، لم يكن ما يشغلها هو خطئها أو كيف تعالجه لتستعيد رضا والدها، بل كل ما شغلها عقابه لها وكيف أنه أب قاس لا يرحم! تحركت بجسد منهك من ضربه لها ترتب صالة البيت، ولم تجف الدموع التي تنعي حلمًا لم يكتمل، ومستقبلًا غُلِّف بالضباب. في خضم كل ما يحدث كانت أسماء تتكور على نفسها داخل الغرفة، تحتمي بغطاء فراشها، تبكي بصمت وقهر، هناك شيء ما كسر بداخلها لن يجعلها تعود أبدًا كما كانت، تسمع صراخ أبيها وتهديداته وسباته وتنكمش على نفسها أكثر، تسمع دفاع أمها ومحاولاتها تهدئة الأجواء ويرتبك جسدها أكثر، تسمع صراخ سمية وبكائها من ضرب أبيها وتبكي أكثر، كأنما أصبح قلبها خرقة بالية لا تحتمل أن يمسها أحد! ما زالت لم تخرج من البيت بعد ما حصل معها، قل حديثها، بل شبه انعدم، وغامت عيناها في محجرين حال حولهما السواد، وما زالت تتحجج بألم بطنها، لكن أمها كانت تعلم تمامًا أن السبب غير ذلك. انتفضت على وقع انفتاح باب الغرفة، كانت وداد. دخلت واقتربت بخطى حثيثة كأنما هناك من هو نائم بالغرفة وتخشى أن توقظه، جلست بجوار أسماء وسألت بنبرة متوترة: - قولي لي وراكِ مصيبة إيه أنتِ كمان، خليني ألم الموضوع قبل ما يعرف بيه أبوكِ. وتبقى المصيبة مصيبتين، وما تقوليش بطنك، أنا عارفة إن وراكِ مصيبة. كأنما فقأت دِمِّلًا في قلبها! علا نحيب أسماء، وألقت بنفسها بين أحضان أمها التي التقفتها بخوف أمومي، قالت بفزع: - انطقي يا بت، إيه اللي حصل؟ بتعيطي كده ليه؟ وحالك متشقلب ليه! انطقي. صرخت في وجهها بآخر كلمة بعد أن أبعدتها عن أحضانها، لتشهق أسماء شهقات منكسرة، وبدأت تسرد ما حدث معها على مسامع أمها التي كانت تتسع عيناها مع كل كلمة من ابنتها، حتى صكَّت وجهها وهي تقول بزعر بينما تبعد الغطاء عن ابنتها تفتش في جسدها: - حصل لك حاجة؟ عملوا فيكِ حاجة؟ نفت برأسها بسرعة وهي تحاول إبعاد يدي أمها عن جسدها قائلة بنحيب: - والله ما عملوا حاجة، البواب جه في الوقت المناسب. - مناسب إيه! مناسب إيه يخربيت أبوكِ! نهارك مش فايت! اغتصاب! كنتِ هتروحي وتروحينا فيها! يا لهوي يا لهوي يا لهوي، يا فضيحتنا! يا مصيبتنا السودة! سلم يا رب! سلم يا رب. كانت تتحدث بدون وعي، تشعر أن عقلها يتباطأ في عمله، تسمع دقات قلبها، الدنيا تدور بها، لسانها لا يكف عن الحديث المتكرر، يدها تضرب صدرها بزعر، عيناها غير ثابتتان، تتأرجحان بين ابنتها وبين الجدران، هناك جاثوم يطبق على أنفاسها، مصيبة أخرى فوق رأسها، بل فوق سمعتهم وشرفهم. ما لم ينتبها له في خضم كل تلك الأهاويل أن باسم يقف على باب الغرفة، وقد وصله حديث أسماء كله، وشياطين الكون تراقصت أمام عينيه فأعمته عن رؤية أي شيء غير الانتقام لشرف أخته وقطع أيدي أولئك الذين تجرؤوا على مسها بأذى، تفكير مناقض تمامًا لنيته في إيذائها بنفسه، لكن أذيته لها ما كانت لتترك ندبة لا على قلبها ولا على جسدها حتى، لكن ما افتعله أولئك المجرمون سيجعل الندبة تجزم أنها ما سُميت بهذا الاسم إلا لتوصم أولئك الفتيان الذين وقعوا على نهايتهم بفعلتهم التي لن يغفرها باسم، ولن ينساها. انتفضت وداد على صوت باب البيت يُصفق مرة أخرى، ظنت زوجها قد عاد، لكنها لم تره، نظرت تجاه سمية التي ما زالت تنتحب، وسألت بخفوت عمن خرج، فأجابت هدى التي خرجت من المطبخ ولم تدرِ أن إجابتها ستشق صدر أمها لنصفين: - شكله باسم، هو كان واقف على باب أوضتنا دلوقتي. اتسعت عينا وداد برعب، سألت كأنها ترجو هدى أن تغير قولها: - كان واقف فين؟ - طلع من الحمام ووقف على باب الأوضة، هو ما كانش بيكلمك؟ انزاحت عينا وداد إلى أسماء التي تكتم شهقاتها بيدها، لكن دموعها أبت إلا أن تنساق فوق خديها بغزارة، لطمت وداد وجهها، ثم فخذها، ثم أمسكت برأسها وهي تغمغم بما لم تفهمه هدى من حديث، وقد عرفت أن مصيبة ثالثة آتية لا محالة. __________يتبع_____________ ظلال الخطيئه الفصل التاسع ليلة الدم والسقوط عاد أحمد للبيت خائر القوى، كأن الحياة نسيت على كتفيه أحمالها. وجد الحال غير الحال، لا البيت ساكن بسبب انشغال كل واحد بأعماله، ولا هو يعج بالضجيج لاجتماعهم في صالة البيت! حالة غريبة، ربما يشبه المكان الخاوي من الحياة! نظر تجاه أمه الجالسة فوق مقعد الصالة تضع يديها على خديها وتهتز للأمام والخلف بصورة مبالغ فيها، جاورتها هدى الجلوس بعد أن فتحت له الباب، نظر حوله يبحث عن أبيه وسمية وباسم، لمح أسماء على فراشها من باب الغرفة نصف المفتوح، تضع رأسها بين يديها وتتحرك مثل أمها بعدم اتزان، ويبدو أنها تبكي! ما هذا الحال الذي يرى البيت عليه! سأل هدى بعينيه ورأسه، فنفت برأسها كأنما تخبره أن الأمر معقد أكثر مما يظن. في الواقع هو لا ينقصه سماع مشاكل البيت أيضًا، يكفيه ما هو فيه من تعب بين. زفر بضيق، وقرر الدخول إلى غرفته، لكن استوقفه مظهر سمية التي خرجت من المطبخ، تمسح يديها في ثيابها، المياه تبلل ملابسها من الأمام، شعرها مبعثر، وعيناها متورمتان، هاله مظهرها الذي لم يعتد رؤيتها عليه، إنها أكثر إخوته اهتمامًا بنفسها! كاد يسألها لكنها مرت من أمامه متجهة إلى أمها، قالت بنبرة منكسرة: - أنا لو دخلت أنام هييجي يزعق لي؟ ما عنتش قادرة والله، تعبت. فاض الدمع من عينيها مع نهاية قولها، رفعت أمها عينيها بنظرة غاضبة ارتخت تمامًا وهي ترى دموع ابنتها، ضربت يديها معًا وهي تحوقل، ثم قالت وهي تشيح بيدها: - روحي نامي، لما نشوف آخرتها معاه إيه الليلة دي. كأنما تتوعده بشكل خفي إن فكر في المساس بابنتها مجددًا هذه الليلة. في النهاية هي أم، وتغلبها العاطفة، مهما أخطأ أبناؤها، وأيما كانت أخطاؤهم عظيمة، لا تملك إلا أن تضمهم إلى قلبها حماية لهم من العالم! تحركت سمية إلى غرفتها برأس مطأطأة، تتابعها نظرات أحمد المتسائلة عن سبب هذا الحال! فحقًا ما حدث بالبيت فترة غيابه عنه بدل حاله، وهذا أمر ليس فقط مثيرًا للفضول، بل وللعجب! غير وجهته إلى حيث تجلس أمه، سألها بينما يمرر يده على وجهه كأنما يزيل عنه بعض تعبه: - فيه إيه؟ سمية مالها كده؟ وأنتِ قاعدة كده ليه؟ وأسماء! إيه اللي حصل؟ لم يجد من أمه ردًا، فقط سقطت في نوبة بكاء جعلتها تتركه وتلج لغرفتها تواري خيبتها خلف بابها، نظر أحمد في أثرها ليدرك أن الأمر كارثي، فوالدته لا تبكي بسهولة إلا إذا حدث أمر جلل! نظر إلى هدى ينتظر ردًا، بلعت ريقًا جافًا، وبدأت تسرد له ما حدث مع إخوتها، الأمر الذي جعل أحمد ينتفض من مجلسه إلى غرفة أخواته، طرق الباب بيد مرتجفة، ودخل مباشرة إلى أسماء التي لم تحرك وضعيتها، جلس إلى جوارها، أمسك بكتفيها وجعلها تواجهه، قال بنبرة مهتزة وخوف طفق على ملامحه: - أنتِ فيكِ حاجة؟ أنتِ كويسة؟ حد عمل لك حاجة؟ قولي الحقيقة ما تخافيش. تدحرجت دمعاتها من جديد فوق خديها، كانت تنفي برأسها كأنما تزيل فكرة خاطئة عنها، كأنما تؤكد أنها ما افتعلت إثمًا، أو كأنها تقسم على صلاح نيتها التي لم تكن صالحة في الواقع. أغمض أحمد عينيه بقوة حين لامست قلبه بعض الطمأنينة، قرب أسماء من صدره فاحتضنها، لا يعلم متى كانت آخر مرة ضمها إلى قلبه هكذا! ربما مُذ كانت طفلة في الخامسة من عمرها على أقرب تقدير! وفي الحقيقة هو لم يكن قريبًا من أيٍ من إخوته. قضى عمره بين الدراسة والكتب، يشاركهم وجباتهم، وبعض الزيارات ربما، لكنه منعزل متفرد بهمه وفرحه وترحه، لا يسأل عن مآسي أحد ولا يهتم أحد لمآسيه، كأن جدران البيت سدود متينة تحجب كل أخ عن أخيه. كان من المفترض أن تكون تلك الجدران شاهدة على وحدتهم كأسرة، لكنها بدلًا عن ذلك تشهد على تفرقهم كغرباء لا يدرِ أحدهم عن هوى دار الآخر شيئًا! تشبثت أسماء بأحضانه كأنما وجدت ملاذها، شدت على ثيابه أكثر كأنما تحمي نفسها من خطر مجهول، ولم يبخل هو بالتربيت على ظهرها حتى هدأت أنفاسها وسحبها النوم إلى أعماقه. ساعدها على الاستلقاء بأريحية، وكاد يجذب الغطاء ليدثرها، لكن عينيه التقتا بعيني سمية الدامعتين، والتي تنظر إليه بهما كأنما ترجوه أمانًا كالذي منحه لأسماء. لم يتردد، دثر أسماء واتجه إلى سمية يضمها إلى قلبه، كأنما يحميها من نفسها، فلا شر يحيط المرء قدر شرور نفسه. ما إن لامست أحضانه حتى نحبت بصوت عال، وخرج صوتها من بين نحيبها تبرر بقهر: - أقسم بالله ما كان قصدي كل ده يحصل، أنا كنت برسم عشان بحب الرسم، ولما مسكت منه فلوس حبيته أكتر، كنت برسم اللي بيتطلب مني من غير ما أفرق بين الصح والغلط، كانت بتغريني المبالغ اللي بيدفعوها على الصور دي. وموضوع كريم والله أنا أول مرة أخرج معاه امبارح، كنا بنتكلم بكل احترام مع بعض، بس هو قال إنه بيحبني، وعمل حاجات كتير عشان خاطري، وتأخيري امبارح كان غصب عني، الوقت سرقنا، بابا مش هيفهمني ولا هيحس بيا. دفعت قولها مرة واحدة كأنما تلقي بإثمها في عرض بحر عميق، وتخشى أن ينتبه له أحد، فلم تكف عن إلصاق كلامها ببعضه كمن يعترف بجرمه بين ألف قسم على براءته! لم تنتبه لدخول والدها البيت، أدار المفتاح بهدوء تام ليكون على رؤوسهم دون أن يشعروا به فينظر ماذا يفعلون، رأى وداد وهدى عند باب غرفة البنات، فاقترب بخطى حثيثة دون أن يغلق باب البيت فينبههم، سمع ما قالته سمية، وفارت الدماء في عروقه من جديد، إذًا تأخرها لم يكن للسبب الذي اختلقته، هي فقط أرادت تضليله عن حقيقة كونها فتاة رخيصة تبيع نفسها ووقتها وأخلاقها لشاب لعوب! سحب وداد من ثيابها يدفعها للخلف، فانتفضت وهدى صارختين، لتنتفض سمية بدورها وتبتعد عن أحمد الذي وقف عن الفراش يواجه والدها، قال أبوها بصراخ غاضب: - البيه اللي بعتِ له نفسك بالوقت لما كلمته وواجهته رماكِ زي الكلبة، قال لي بنتك اللي بتجري ورايا وبتحبني، وأنا كنت بدي نفسي فرصة معاها مش أكتر. اقترب والشر يتطاير من عينيه، أضاف بتساؤل شابَ نبرته الخذلان: - سافرتِ طنطا مع ولد غريب! قدرتِ تعملي كده ازاي؟ قدرتِ تخوني ثقتي فيكِ ازاي؟ باعك أول ما كلمته، حكى لي كل حاجة من أول كلمة، زي ما يكون بيخلص منك ومن زنك عليه وتطفلك على حياته! ده اللي بتسميه حب! ده ما لوش غير اسم واحد، خيانة يا ست هانم يا متعلمة يا تربية وداد. - أظن حضرتك ما ينفعش تتكلم عن التربية خالص. صُدم من تدخل أحمد القاسي، رفع نظره إليه، فاعتدل أحمد في وقفته يواجه أبيه بثبات غريب، قال الأب كأنما لم يسمع: - أنت قلت إيه؟ رفع أحمد كتفيه بلامبالاة، كأن ما عاد أي شيء يفرق معه، رد بينما يضع عينيه داخل عيني والده: - حضرتك طول الوقت يا في الشغل يا بتسمع الأخبار يا على القهوة، أقصى طموحاتك إن البيت يبقى رايق، والعيال هادية في وجودك، أكلك في وقته، لبسك مغسول ومكوي، أخبارنا بتوصلك بالخير، شايف إن مسئوليتك بتتلخص في إنك تجيب فلوس للدروس والمدارس والأكل، حتى اللبس بالنسبة لك رفاهية، ما دام عندي طقم لسه حالته كويسة يبقى يتغسل كل يوم وألبسه تاني عادي! صمت لثوان كأنما يأخذ نفسًا بعد هذا البوح القاسي، لكنه تابع ما إن تذكر فاتن، وقد تقاطرت قلة الحيلة من كلامه: - ما فيش أي ملامح لمستقبلنا، أنا بدرس الهندسة عشان حضرتك عايز الناس تقول إن عندك ولد في هندسة، وسمية منعتها من الرسم عشان ما حدش من المشايخ صحابك يشوفوك منافق، ما كلفتش نفسك تفهمها إيه الحلال وإيه الحرام، منعتها وخنقتها لحد ما وصلت إنها تعمل ده من وراك، هي لقت الاهتمام مع واحد غريب بدل ما تلاقيه في أبوها، أنا واثق إنك كأب كنت تقدر تغنيها عن متطلبات الحياة بالكامل. وأسماء... نظر تجاه أسماء التي استيقظت بسبب أصواتهم، وقد ارتسمت ملامح الرعب على وجهها، زفر بقوة وهو يتابع بتعب: - ما حدش في البيت سِلِم من إهمالك يا بابا. كاد أن يخرج من الغرفة، لكنه وقف بجوار أبيه، وألقى آخر ما لديه من كلمات كأنما يحاول طرد شعور الضغط النفسي الذي بداخله: - على فكرة، الفلوس اللي كنت فاكر إنها بتكفينا وإنك عامل اللي عليك بزيادة، في الحقيقة احنا اللي ما كناش بنحسسك بالتقصير، واسأل مراتك تقول لك. أنهى حديثه الصادم لقلب أبيه، وخرج من البيت كله، لم يُرد أن يبقى فيه دقيقة ليشهد على ثورة أبيه بعد أن يفيق من صدمة حديثه. لكن ما لم يتوقعه أبدًا أن الصدمة الحقة ستتلخص فيما سيأتيهم من أخبار عن باسم، ذاك الذي لم يعد للبيت منذ سماعه لما حصل مع أسماء. __________________ صراخ النساء في الحارة عبأ الجو بالرعب، ووتيرة أنفاس باسم العالية جعلت كل من يراه يبتعد عن مكانه زعرًا، هناك شاب مسجي على الأرض غارق في دمائه، وباسم يحمل بيده حجرًا تتقاطر منه دماء المجني عليه، جريمة مكتملة الأركان! صوت صافرة الإسعاف اختلطت بصوت صافرة الشرطة التي أتت وسحبت باسم إلى السيارة، بينما عاين المسعفون وضع المجني عليه ليجدونه قد فقد الحياة بالفعل. الهمزات واللمزات في المكان تشي بأن القادم لن يكون إلا أسوء من أن تتقبله العقول. كُبِّل المجرم، وتم جره إلى السجن، بينما صراخ وعويل أهل المجني عليه قد أوجع القلوب المتفرجة. رفع أحدهم هاتفه، انتظر قليلًا قبل أن يأتيه الرد من الطرف الآخر، قال بصوت خفيض وهو يبتعد عن المكان: - الحق يا حاج أيمن، باسم ابنك ضارب واحد بحجر، والواد مات. لم يصله أي رد من الطرف الآخر، فظن أنه لم يسمعه، بقي يردد "آلو" إلا أن صوتًا لم يصله، كاد يُغلق الخط لكن صرخات نسائية وصلته عبر الهاتف، ومن حديثهن عرف أن الرجل فقد الوعي! لام نفسه على محادثته في الهاتف بهذه الطريقة، واستقل دراجته النارية وانطلق مسرعًا إلى بيت رفيق جلساته. اتصل بالإسعاف التي لم تبشرهم أو تنذرهم حتى، نقله المسعفون على عجل إلى المشفى، وبينما تستعد وداد للحاق بزوجها سألها سعيد (جارهم الذي اتصل بأيمن): - هتروحوا المستشفى ولا القسم؟ - القسم! سألت وداد باستغراب فتراجع سعيد وهو يبرر بتوتر: - آسف، أنا قصدي يعني.. اا.. يلا بينا، هوقف لكم توك توك. غادر من أمامها مسرعًا، فلا حاجة لأن ينقل لها الصدمة هي الأخرى. أوقف وسيلة المواصلات ودفع الأجرة مخبرًا السائق أن يوصلها إلى المشفى، ثم استقل دراجته وسبقها إلى هناك. وبينما هم واقفين أمام غرفة الكشف ينتظرون خروج الطبيب سألها سعيد والتوتر باديًا في تصرفاته: - هو.. هو أحمد فين يا أم أحمد؟ - ما أعرفش والله يا حاج، هو وأبوه شدوا مع بعض في الكلام شوية، احمد ساب البيت ومشي، والحج خد في وشه على أوضته، ولما دخلت عليه لقيته واقع على الأرض، شكله ما استحملش الكلام اللي ابنه قاله يا حبة عيني. ازدرد ريقًا وقف في حلقه فسعل بشدة، ما بال هؤلاء الجماعة! تتوافد المصائب فوق رؤوسهم تباعًا! تحرك يبتعد عنها قليلًا، اتصل بأحمد الذي لم يرد إلا بعد ست محاولات تقريبًا، قال سعيد ما إن انفتح الخط: - أحمد، تعالى بسرعة يا بني، احنا نقلنا أبوك المستشفى. - بابا! قالها بقلب فزع، وأغلق الخط ليستقل وسيلة مواصلات ويصل إلى المشفى بوقت قياسي. سأل أمه بخوف وقلق عما حدث له، أخبرته أنه لم يتحمل حديثه، فلام نفسه أشد اللوم، وشعر بعجز أفقده القدرة على الوقوف، إن حصل لأبيه شيء فلن يُسامح نفسه، لقد قسي عليه بحديثه، فرغ فيه ضغطه وتعبه، لقد بقي أبوه يعمل بجد حتى يكفيهم، ولو لم يحدث هذا فيكفي أنه يحاول باستمرار وكد، وإن كان يريد التفاخر كون ابنه مهندسًا فهذا حقه عليه، وإن ود الاحتفاظ بسمعته فمن حقه أن يُسير بناته كما شاء ما دام لم يطالبهن بشيء يخالف رضا الله، لا مذنب غيرهم في كل هذا! أو ربما الجميع مذنبون، لكن لا أحد مذنب في حق الآخر، بل كل واحد أذنب ذنبه في حق نفسه، سمية اختارت أن تتمرد، وأسماء اختارت أن تتورط، وباسم اختار أن يُكَوِّن عداءات، وهو اختار أن يكون ضحية سهل الإيقاع بها، وهدى اختارت أن تكون وحيدة بينهم جميعًا، وأمه اختارت أن تتحمل مسئولية أبنائها كاملة دون أن تُشرك زوجها فيها، ووالده اختار أن يكون آلة صرف محدودة الدخل لا أكثر، كل امرئ في هذه الحياة يختار ما يكون عليه، لا أحد يجبر أحدًا على فعل لا يريده، لكننا مبدعون في إلقاء اللوم على الآخرين لننجو بأنفسنا أمامهم، ثم نتورط مع أنفسنا في الخفاء! كانت دموعه تنساب فوق خديه، لكن الحاج سعيد لم يترك له فرصة الانهيار، اقترب وجلس القرفصاء أمامه، قال بنبرة منخفضة: _ اسمع، أنا مش كلمتك عشان تيجي تقف جنب أبوك، أنا هنا وهتكفل بكل حاجة، روح أنت القسم، باسم أخوك قتل واحد صاحبه في قلب الحارة. - أنت بتقول إيه؟ قالها أحمد باندفاع وصوت جهوري، مما جعل أمه تقترب منه بسرعة تسأله عما حصل، حاول الحاج سعيد سحبه بعيدًا، لكن أحمد كان أشد ثباتًا من صنم نُحت في مكانه! الصدمة ألجمته، والرعب سكن حشاياه، وفجأة ترك المكان وركض مسرعًا، نادته أمه مرارًا لكنه لم يرد، وحاول الحاج سعيد تهدئتها بقوله أنه متعب ويحمل نفسه مسئولية ما حصل لأبيه، وأن عليهما تركه حتى يستعيد ثباته ويعود. صدقته وعادت تنشغل بالتفكير في زوجها وما ألَمَّ به، ورغم ألم يسكن قلبها وقلق غير مدركة لسببه إلا أنها أقنعت نفسها أن هذا بسبب الأحداث الأخيرة، ونَحَّت أي فكرة في أن يكون أحد أبنائها قد أصابه مكروه جانبًا. _________________ انتشر خبر قتل باسم لشاب في مجمع الألعاب كالنار في الهشيم، حتى وصل الخبر لبيتهم، صرخت الفتيات على وقع الخبر، وأصابهن ذعر جعل عقولهن على غير هدى، انقلب حال البيت في لحظة، وتداعى ذلك الدفء الذي ظنوه زائفًا، حتى وإن كانت الأسرة مفككة وكل فرد في حاله، لكن يكفي أن يضمهم بيت واحد، يغلق عليهم باب واحد، ينام كل فرد بينهم مغطى بلحاف الطمأنينة بأن أهله حوله وأنفاسهم تُسرب الدفء إلى الجدران التي تأويهم، كانت لقمة الصبح التي تجمعهم خير من موائد تحمل ملذات الحياة، فهي لقمة صنعت بيد الحب، وتُبلع بلسان العافية. الآن تجرعوا جميعًا مرارة الفرقة والفقد! اجتمعت الفتيات على فراش واحد، يحاولن أن يشددن من أزر بعضهن بعضًا، وكل واحدة تدعو بداخلها ألا يكون الخبر صحيحًا، لكن الحقيقة أمر، والواقع أدهى، والحياة لا تربت على الآلام أو تضمد الجروح. بينما كان أحمد يسأل كل من يقابله في قسم الشرطة عن أخيه وتفاصيل الحادث، وتيقن من الخبر الذي أرداه مفطور الفؤاد، وقف أمام قسم الشرطة لا يعرف إلى أين يذهب أو ماذا يفعل، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وتهدلت أفكاره على أعتاب الضياع. جلس على رصيف الطريق يناجي ربه حلًا يهتدي به، ولم يجد بُدًا من أن يتخذ سبيله إلى محامي حارتهم الذي وصله الخبر، صافحه مرحبًا، وأكد أنه لن يتخلى عن باسم وسيسعى لأن يخفف من عقوبته قدر إمكانه، سأل أحمد في تيه: - يعني هيتحبس؟ - للأسف، دي جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد، وأنت أكيد عارف القانون، كل اللي أقدر أعمله هو إني أخفف العقوبة قدر ما يمكن، لكن محتاج مساعدتكم طبعًا. وأي معلومة ممكن تشوف إنها تافهة وما لهاش لازمة بالنسبة لك بالنسبة للقضية ممكن تكون مفتاح يخفف الحكم سنين. أومأ أحمد مؤكدًا أنه سيفعل ما يمكن فعله، فطلب المحامي أن يعلمه بتفاصيل الحادث، هنا وانعقد لسان أحمد، نظر إلى المحامي بجهل ليومئ المحامي بتفهم، قال بهدوء: - شوف يا أحمد، لازم نعرف إيه الدافع ورا هجوم باسم على زميله بالشكل ده، يمكن السبب كان دفاع عن النفس، ولازم نشوف الكاميرات اللي في المكان لو فيه، يمكن يظهر لنا حاجة، وأنا هروح القسم وأتكلم مع باسم وأشوف الأمور هترسى على إيه، ما تقلقش، ربنا يستر إن شاء الله. وقف أحمد يصافحه ويشكره على هذا التعاون، وقبل أن يغادر المكتب أراد أن يقول شيئًا، شيئًا ربما يغير مسار القضية كلها، لكنه تراجع حين فكر لثانية، فبما قد يقوله سيضع سمعة أخته محل شبهة، وهذا لن يكون إلا دمارًا أكبر لعائلته، تراجع، وإن وجد أن الأمر يستلزم ذلك فسيخبره، غير ذلك لن يفعل. خرج من عنده يجر أذيال التعب والضياع. واتجه من فوره إلى البيت ليطمئن على إخوته، ما إن رأينه ركضن إليه باكيات، احتضنهن بقوة وجلس بهن أرضًا، قال محاولًا طمأنتهن: - إن شاء الله ربنا هيسترها معانا، ادعوا لبابا وادعوا لباسم، ربنا مش هيسيبنا أبدًا. تركهن واتجه إلى المشفى بعد أن أوصاهن ألا يفتحن لأحد الباب ولا تخرج أيهن من البيت. وحين وصوله وجد أمه منهارة في البكاء، والحاج سعيد يحاول تهدئتها بالحديث، ما إن رأى أحمد حتى تراجع للخلف خطوة وهو يطأطئ رأسه بأسى، سأل أحمد مضطربًا: - بابا! بابا كويس؟ الدكتور قال إيه؟ نفى الحاج سعيد برأسه عدة مرات، وزادت شهقات أمه التي لم تكف عن لطم صدرها والغمغمة، حالهما يوحي أن عزاءً قد أُقيم في فقيد غالٍ، ولكن أيكون العزاء حقيقة، والغالي والده! ______يتبع________ الفصل العاشر الأخير ظلال الخطيئة حيره عقله وهو ينظر لهما ولحالهما الذي لا يُفسر، لكن الحاج سعيد قال بينما يربت على ظهره: - ربنا يشفيه يا بني ويرفع عنه، وأنت الخير والبركة لأهلك يا بني. رمش رمشات سريعة، فما قاله الحاج سعيد مبهمًا، ألم يمُت أبوه؟ ماذا يعني بأنه الخير والبركة لأهله؟! لماذا كل شيء مستعصٍ على الفهم هكذا! سأل بنبرة اختنقت: - هو ماله؟ الدكتور قال لكم إيه؟ فهموني أنا ما بقتش قادر. عاد الحاج سعيد يربت على كتفه، قال بنبرة حزينة لأجل صاحبه وما آل إليه حاله: - الدكتور بيقول إنه حصل له.. شلل نصفي. قالها وقد طأطأ رأسه، بينما بقي أحمد ينظر إليه منتظرًا بقية حديثه، وكأن هناك ما لم يفهمه بالأمر، أو أنه لم يسمع ما قيل له، دقيقة بحالها مرت وهو ما زال منتظرًا، حتى إذا ما استوعب معنى حديث الحاج سعيد حتى تهدلت أكتافه، وبدأت دموعه تركض على خديه بصمت تام، عيناه متسعتان، ينظر تجاه الحاج سعيد، يرجوه بنظراته أن ينفي ما قاله، لكنه لم ينطق بكلمة، وظل مطأطئًا رأسه بأسف وأسى وحزن. تابع الحاج سعيد وما زال يهرب بعينيه من عيني ذلك الشاب الذي كبر قبل الأوان: - شد حيلك يا أحمد يا بني. لم يرد، بل لم يجد أي رد، الحمد لله ألف مرة أنه لم يمت، فآخر ما دار بينهما لم يكن بالأمر الجيد، ولو حدث وفارق الحياة كيف كان ليكمل هو حياته ووالده ذهب حاملًا في قلبه خذلانًا من ابنه بعد أن حمله كل مسئولية ضياع أبنائه، لكن أن يرقد ضريرًا في الفراش لا حول له ولا قوة! - على الله يا عم سعيد، على الله. قالها بعد وقت طويل، كأنما يهدئ نفسه وانفعاله. جلس جوار غرفة يرقد والده بداخلها، يستمع لنحيب أمه الخافت، وذكرها لله بصبر يحسدها عليه، تلك السيدة التي تحملت من عبء الحياة ما لا يحتمله هو بذاته، ومع هذا ما زالت صامدة، تضعف فتبكي، ثم تنهض أقوى، حان وقته الآن، آن له أن يرد لأبيه شيئًا مما سعى عمره يقدمه له ولإخوته، ونكره عليه في النهاية، كل ما يرجوه الآن أن يسامحه والده على ما بدر منه، يقسم أنه ما كان يقصد أيًا مما قال، هو فقط أفضى بشحنة سلبية سكنته لفترة طويلة. تنهد بقوة كأنما يهيئ نفسه لما هو قادم، يستعيد ثباته وقوته، يرتب أفكاره وأولويات مسئولية أصبحت على عاتقه وحده الآن: باسم وقضيته، أسماء وعلاجها النفسي، سُمية وإرشادها للطريق الصحيح، هدى.. هدى تلك هي بلسم البيت وأمانه، كأنما زرع الله فيها سكينة لتطمئن كل من يعرفها إليها، عليه أن يشكرها لكونها فتاة لا مثيل لها هذه الأيام. والدته ضمن مسئولياته، عليه ألا يجعلها تشعر بعبء الحياة، ووالده والاهتمام بعلاجه، ونفسيته، والسعي لطلب السماح منه. زفر بقوة يُبعد عن نفسه كل طاقة سلبية، واستنشق شهيقًا قويًا ملأ بهوائه رئتيه استعدادًا واستحضارًا لنية لا أمل في الحياة إلا بها. رفع نظراته للباب المغلق خلفه، وكل ما استوطن تفكيره في هذه الأثناء أن القادم لن يكون إلا خيرًا يعم البيت بمن فيه، ولا مجال لغير ذلك. ___________________ اقترب الحاج سعيد من صاحب عمره يسانده ويساعده في الاستلقاء براحة فوق فراشه، هذا بعد أن رفض بحركات عصبية مساعدة أحمد له، ذاك الأخير الذي انفطر قلبه وهو يرى كيف أن قلب والده غاضب عليه، ولأي درجة قد أوجعه، لم يكن خبر جريمة باسم هو سبب حالة أبيه الآن، فقبل أن يأتيه الخبر كان هو قد كسر قلبه أولًا. بينما ذاك المسجي على ظهره ينظر لابنه بطرف عين أصابها الضر، تتدفق إلى عقله سنون عمره، شبابه الذي قضاه في الكد والعمل ملقيًا بتعليمه عرض الدنيا، ليبني نفسه ويعمر بيتًا بالسكينة والدفء، وجد سكينته بقرب وداد الأصيلة، التي قامت بدورها في الحياة كامرأة تعرف جيدًا كيف تدير شئون بيتها، وكيف تصون زوجها، ربما كان خطأهما أنهما لم يشتركا في جل الأمور التي تخص أبناءهم، لكن كآلاف البيوت المصرية: الأب يسعى ليؤمن المعيشة ماديًا، والأم تربي وتهتم بالعلم والبيت بكل شئونه، ولا ضير إن كانت تحمل مشاكل أبنائها وحدها ما دامت قادرة على ذلك! ووداد خير من قاد خمس حيوات غيره. لم يقصر، بل لم يترك فرصة إلا وسعى فيها من أجل تعليم أبنائه، فقد رأى أن المستقبل في العلم، وما دونه مقدور عليه بعده. والآن ماذا تلقى من بكره وفلذة كبده وأول فرحته وعكاز أيامه؟ ذلة لسان فضحت رؤيته لأبيه، استكثر عليه جلسة القهوة التي يستعيد فيها بعضًا من روحه المنهكة طوال الأسبوع، لم يغفر له جهله بما يحدث في بيته، لم يرحم ضعف قلبه وهو يحمله ما لا طاقة له به! طعنته السكين التي عاش عمره يسُنها لتكون لامعة لافتة للآخرين، غدر به من فرط في راحته لأجله. لقد كانت صدمته في أحمد أشد وقعًا على قلبه من سمية وباسم! انتفض ما إن تذكر باسم، وحاول أن يتكلم لكن كلامه لم يُفهم، بقي يصارع العجز لأجل السؤال عن ابنه، لكن العجز تمكن منه، وارتمت أعضاءه على الفراش بضعف واستسلام تام لما آل إليه حاله. سألت وداد بقلق: - محتاج حاجة يا أيمن؟ أجيب لك حاجة؟ بقي يشير برأسه، ويحاول قول شيء ما، قالت بتساؤل: - بتسأل عن العيال؟ أومأ برأسه لترد وتطمئنه: - بخير يا أيمن ما تشيلش الهم، هتشيله حتى وأنت راقد! ربنا فوق ومش هينسانا. ازدادت حركته انفعالًا، فقال لها الحاج سعيد بنبرة خفيضة كأنما يحاول مواراة الأمر أكثر من الحديث عنه: - هو بيسأل عن باسم يا أم أحمد. التفتت إلى زوجها لترى ترقرق الدمع في عينيه، يشير برأسه علامة الموافقة على قول صاحبه، لترد ببساطة: - أكيد في البيت يا حاج، هقول لأحمد يبص عليهم كلهم ويطمنا. - لأ هو مش في البيت. قالها الحاج سعيد قبل أن تخرج وداد من الغرفة، فوقفت في مكانها والتفتت إليه تسأله بعينيها عما يقصده، فمن أين له أن يعرف مكان ابنها بينما هو لم يفارقهم منذ ما حصل مع زوجها. هنا وشعرت أن قلبها يؤلمها، وأدركت أخيرًا أن هذا الألم الذي لم يفارقها أصلًا يُنذرها بأمر جلل قد حصل مع أحد فلزات كبدها، خاصة وقد باح لها سعيد بما أخفى عليها طوال الليلة الماضية. وفي الواقع هي لم تتمالك نفسها، إذ صكت وجهها فجأة وهي شاخصة عينيها، ثم وعلى حين فجأة سقطت أرضًا مغشيًا عليها، انتفض إليها الحاج سعيد، وأخذ يناديها دون رد منها، فخرج مسرعًا ينادي إحدى الممرضات، فأتت واحدة وصديقتها، ساعدنها على النهوض، وقاما بإعطائها مهدئًا بعدما رأوها تثور وتبكي وتصرخ باسم ابنها. ولم تفق من كل هذا إلا حين أتاها أحمد، رأته بجوارها ما إن فتحت عينيها، لتقول بنبرة امتزج الألم فيها بالخوف: - أخوك قتل يا أحمد، مستقبله ضاع يا بني، بيتنا اتهد فوق روسنا، ليه كده؟ إيه اللي حصل لنا فجأة كده وقلب حياتنا؟ ليه كده؟ اللهم لا اعتراض، اللهم لا اعتراض يا رب، بس صبري زهق مني، ما بقتش قادرة. أخذت تردد كلمات لم يعد يفهمها أحمد الذي لم يستطع حتى أن يطمئن أمه، فقط بكى بجوارها في صمت تام وهو يرى مدى التهور الذي حل بهم، حتى إذا ما استعاد بعضًا من قوته تحرك إلى غرفة أبيه، قال دون أن يتجرأ على النظر في عينيه: - المحامي بيقول إن شهادة ميلاد باسم في صفه، هيتسجن أحداث، يعني لا هيعدموه، ولا هياخد مؤبد، بس المحامي هيخفف الحكم قد ما يقدر. إن شاء الله خير. أشاح الأب برأسه للجانب، كأنه يرفض أي قول منه، شعر أحمد بغصة تتمكن من قلبه، فاستأذن وخرج من الغرفة يحمل همًا لا قدرة له عليه، لكنه مضطر لأن يعيد الأمور إلى نصابها، وإن كلفه ذلك حياته. عاد للبيت، ودخل على إخوته، رآهن يجلسن كل في جهة، والدموع تملأ وجوههن، والسواد احتل أسفل عيونهن، من يراهن يشك أن عزيزًا فُقِد، لم يعجبه هذا الحال، دخل وأغلق الباب خلفه، جلس بجانب هدى، ربت على شعرها، قال بحنان واهتمام صادق: - من النهار ده مش عايز أشوف الدموع دي تاني. كل واحدة تهتم بمذاكرتها، عايز مجاميع السنة دي ترفع الراس، محتاجين ندخل الفرحة لقلب بابا، يمكن لما يشوفنا بنتبدل للأحسن يتحسن، نفسيًا على الأقل. نظر لأعينهن قبل أن يتابع بثبات: - أنا هشتغل، وههتم بمصاريف البيت والدراسة، اللي تحتاج أي حاجة مهما كانت ما تترددش تعرفني، وكل المطلوب منكم إنكم تجيبوا مجاميع محترمة، فرحة بابا واقفة على تعليمنا الكويس، أصلا هو بيسعى طول حياته عشان يحقق ده. اتفقنا؟ أومن ثلاثتهن، سألت سمية عن باسم وما سيحدث معه، طمأنهم، وطلب من سمية أن تلحق به، جلس معها في الشرفة، قال بنبرة هادئة حانية: - أنا مش هقدر أكسر كلمة بابا، لازم تحاولي تقنعيه يرجعك الكلية تاني، لكن على شرط، الكلية للدراسة وبس يا سمية، فهماني؟ أومأت مؤكدة وهي تقسم أنها ندمت، وأنها لو وجدت إشارة فقط تمنعها من السقوط في بئر الخطايا هذا ما كانت لتعاند، لكنها كانت معمية القلب والبصيرة، وجدت طريقًا للمال، وطريقًا للحب، وطريقًا للشهرة، تلألأت الحياة أمام عينيها، فانصاعت لرغباتها دون أن يرف جفن عقلها. تابع بينما يمسك بيديها: - الرسم تنسيه تمامًا، بابا مش حابب ترسمي، لو ربنا أراد إنه