بين ذنب هند و قدرها - انصهار الجليد و انفجار الروح - بقلم يارا عبد اله - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بين ذنب هند و قدرها
المؤلف / الكاتب: يارا عبد اله
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: انصهار الجليد و انفجار الروح

انصهار الجليد و انفجار الروح

سادَ صمتٌ مروّع، كأنَّ الزمانَ توقفَ ليلتقطَ أنفاسَه، ثم جاءَ صوتُ "هادي" محملاً بتنهيدةٍ لم يخرجْ مثلُها من صدرِ بشرٍ قط، وقالَ ببطءٍ شديد: * "أبوكِ.. بباكي يا هند اشترى البنك اللي كان شغال فيه.. اشتراه بجزء من الفلوس دي، وكتب البنك كله باسمك! يعني البنك ده ملكك أنتِ لوحدك." حبست "هند" أنفاسها، لكنَّ "هادي" لم يتوقف، بل تابع وهو يفتحُ جراحَ الكرمِ الأبويّ: * "ومش كدة وبس.. ده اشترى لك هاتف أحلامك، والعربية اللي كان نفسك فيها هي عربية أحلامك فعلاً.. وكل ده وفلوسه مخلصتش، وحط الباقي في حساب باسمك في البنك، والمستندات اللي شفتيها يوم الوفاة كانت بتأكد ده.. بباكي الأسبوع اللي فات بس اترقى وبقى (مدير سوبر ماركت) مسؤول عن كل كبيرة وصغيرة، وأخد (سلفة) وسحب مرتبه كله من شغل المحل عشان يعمل لك أحلى عيد ميلاد في الدنيا." في تلك اللحظة، سقطَ آخرُ حجرٍ في حصنِ الجمودِ الذي بنتهُ "هند". ولأولِ مرةٍ منذُ ذلك الفجرِ المشؤوم، فجرِ العزاءِ الصامت، عادت إليها مشاعرُها دفعةً واحدة، كأنَّ صاعقةً ضربت قلبَها المتجمد. انهارت "هند" تماماً.. انطلقتْ صرخةٌ مزقتْ سكونَ البيتِ الموحش، صرخةٌ لم تكن للألمِ فقط، بل كانت للندمِ الذي صارَ جبالاً فوق أكتافِها. ظلتْ تصرخُ وتنتحبُ بعويلٍ يشقُّ الصدر، عشرُ دقائقَ كاملة وهي تتمرغُ في ترابِ ذنبِها، وتبكي ذلك الرجلَ الذي قتلتْه بطلباتِها بينما كان هو يحولُ ذراتِ عرقِه إلى ملياراتٍ وسُلطةٍ ليجعلَها "ملكة" على عرشِ حياته. كان "هادي" على الطرفِ الآخرِ صامتاً، يتركُها لِتُخرجَ هذا البركانَ الخامد، حتى بدأت أنفاسُها تهدأ قليلاً، وتحولَ العويلُ إلى نشيجٍ متقطع، فقال لها بصوتٍ أبويٍّ حانٍ: * "اهدي يا بنتي.. اهدي يا هند. بباكي عمل كل ده عشان يشوفك فرحانة، مش عشان يشوفك مكسورة كدة. والسر الأخير اللي عايز أقوله لك، هو اللي هيخليكي تعرفي بباكي كان شايفك إزاي.."