ارقام من وحي الحقيقه
سادَ صمتٌ مريب، صمتٌ لم تقطعهُ إلا أنفاسُ "هادي" المثقلة عبر الهاتف. كان يشرحُ لـ "هند" كيف تسلقَ والدُها سُلّمَ التعب؛ كيف صارَ "كبيرَ الموظفين" في البنك، وكيف تحوّلَ في عملهِ الإضافي بـ "الكاشير" إلى المسؤولِ الأولِ عن الحسابات، كقائدٍ يديرُ منظومةً كاملة بذكاءٍ فذ.
لكنَّ "هند"، التي غَرِقتْ طوالَ عُمرِها في دلالِ "البنتِ الوحيدة" ولم تكن تعرفُ عن المالِ إلا وسيلةً للشراء، تمتمت بعدمِ فهم:
* "مش فاهمة.. يعني إيه؟"
بسطَ لها "هادي" الأمرَ كأنه يشرحُ لطفلة:
* "يعني بباكي بعبقريتهِ في الحسابات، بقى هو المرجع؛ زي (كبير الطباخين) كدة، مفيش قرش بيدخل ولا يخرج من غير علمُه."
هزت "هند" رأسَها بخفة، وشعورٌ غريبٌ بالترقُّبِ ينهشُها:
* "ممم.. تمام، فين بقى السر الكبير؟"
أخذَ "هادي" تنهيدةً طويلة، تنهيدةً بدت وكأنها تحملُ وَزنَ العالمِ كله، ثم قال:
* "أبوكِ كان بيصرف عليكي من مرتب البنك، والوظيفة التانية كان بيحوش مليمها على مليمها لغاية ما جمع مبلغ ضخم جداً من أسبوعين بس."
سألت "هند" بصوتٍ مرتعش، وقلبُها يدقُّ كطبلٍ في صدرِها:
* "كام؟"
هنا، نطقَ "هادي" بالرقمِ الذي شلَّ حواسَّها تماماً:
* "تلاتة مليار جنيه.. ونص."
تجمدت الدماءُ في عروق "هند"، وصرخت بانهيارٍ تام:
* "أنت كداب! مستحيل! بطل تخريف واقفل الخط ده فوراً!"
ردَّ "هادي" بصوتٍ يحملُ إصراراً فولاذياً:
* "أنا مش كداب، وده رقم حقيقي وموثق.. واستني، لأنك لسه مسمعتيش الصدمة الأكبر!"
همست "هند" بضياع، وهي تشعرُ أنَّ الغرفةَ تدورُ بها:
* "هو كل ده.. ومكنش الصدمة الأكبر؟!"
وقفت "هند" مشدوهة، الرقمُ يترددُ في أذنِها كصاعقة. ثلاثةُ ملياراتٍ ونصف! ،....
ــــــــــــــــــــــــــــــ