تهاوي الاقنعه
خيم صمتٌ ثقيل، صمتٌ يشبه سكون ما قبل العاصفة، حتى قطعه صوت "هادي" المتهدج:
* "أبوكِ مكنش مدير بنك من زمان زي ما قال لك.. أبوكِ كان..موظف عادي في بنك ."
قاطعته "هند" بجمودٍ مخيف، وثباتٍ لا يصدر إلا عن قلبٍ ودّع المشاعر منذ دُفن والداه:
* "طب والوظيفة الثانية؟"
جاء الرد كصفعةٍ لم تتوقعها:
* "الشغلانة التانية كانت.. دروس رياضيات!"
انتفضت "هند" في مكانها، واتسعت عيناها بذهولٍ شقَّ جدار برودها:
* "إييييه؟! بس أنا بابا مكنش مدرس!"
* "اهدي هفهمك.. باباكي كان محاسب شاطر جداً، والرياضيات بالنسبة له كانت لعبة. كان بيعطي دروساً لعدد كبير من الطلاب في بيوتهم بسعر معقول عشان يجمع لكِ القرش فوق القرش. ولما لقى إن المشاوير بتضيع وقته اللي المفروض يقضيه معاكي، ساب الدروس واشتغل (كاشير) في محل بعد ضهر، فوق شغلانته الأساسية كموظف في البنك."
هنا، انفجرت "هند" بصوتٍ مهزوز، صرخةُ إنكارٍ أخيرة تحاول بها حماية صورة والدها "البرستيج" في خيالها:
* "أنت كداب! اقفل بسرعة.. بابا مستحيل يعمل كدة!"
لكنَّ "هادي" لم يتراجع، بل استمر بإصرارٍ وعزمٍ كأنه يغرسُ نصل الحقيقة في رُوحها:
* "أنا عارف إن الصدمة كبيرة، بس أنا مش كداب ومش هقفل.. والدك تعب كتير جداً جداً في شبابه وكبره عشانك."
استسلمت "هند" لتيار الحقيقة الجارف، وهمست بوهن:
* "هتقول حاجة تاني؟"
جاء صوت "هادي" أكثر عمقاً وغموضاً، وكأنه يمهد لزلزالٍ سيهدم كل ما تبقى:
* "أنا كدة لسه مقولتش حاجة.. دلوقت جه وقت الصدمة الكبيرة."
توقفت أنفاس "هند"، وشعرت بأن الجدران تضيق عليها. إذا كان العمل كـ "كاشير" ومدرس دروس خصوصية سراً صغيراً، فما هو السر الذي وصفه "هادي" بالصدمة الكبرى