مِيرَاثُ الفَجِيعةِ
فتحت "هند" الورقةَ المَطويّة، وحين وقعت عيناها على السطور، شعرتْ وكأنَّ الأرضَ تبتلعها. لم تكن مجردَ كلماتٍ للمواساة، بل كانت "عقدَ مُلكيةٍ" تاماً للشقةِ التي تقفُ وسطَ جدرانِها. لقد كَتبَ والداها كلَّ شيءٍ باسمها، حتى السقفَ الذي يظلها، كانا يخططانِ لِتأمينِ حياتِها بالكامل قبل أن يختطفهما الموت.
انطلقتْ شَهقةٌ جماعيةٌ من صديقاتها وأهلهنَّ حين علموا بالخبر؛ صدمةٌ ألجمتِ الألسن. كان الكرمُ الأبويُّ يفيضُ من الورقِ ليغرقَ "هند" في بحرٍ جديدٍ من الذنب؛ فقد أعطياها كلَّ شيء، بينما أعطتهما هي "الرحيل".
مرَّت ساعاتُ العزاءِ ثقيلةً كأنها دهور، توافدَ الجيرانُ وأهلُ المنطقة، امتلأَ البيتُ بالحشودِ والهمسات، لكنَّ "هند" كانت في كوكبٍ آخَر. وقفت كتمثالٍ من صخرٍ صلد، لم تسمح لدمعةٍ واحدةٍ أن تخترقَ حصونَ عينيها الجافتين. كانت صدمةُ ورقةِ "هادي" المجهول قد جمدت ما تبقى من مشاعرها، فصارت جسداً بلا رُوح، يُعزي الناسَ فيها وهي حَيّة.
وحين جاءت اللحظةُ الأصعب، لحظةُ الدفن، حدثَ ما لم يتوقعهُ بَشر. صممت "هند" بصلابةٍ مُخيفة أن تنزلَ إلى القبر، أن تودعَ والديها بيديها. وبفعلٍ يفوقُ طاقةَ الثباتِ الإنساني، دفنتهما بنفسِها، أهالتِ الترابَ على أغلى ما تملك دون صرخةٍ، ودون عويل، ودون دمعةٍ واحدةٍ تبللُ وجهَها الشاحب.
انتهى اليومُ الطويل، وعادَ الجميعُ إلى بيوتهم، وبقيت "هند" وحدَها وسطَ ركامِ ذكرياتها وحطامِ رُوحها. انتهى العزاءُ رسمياً، لكنَّ العزاءَ في قلبِها لم يبدأ بعد. جلست في صمتِ البيتِ الموحش، تتأملُ عقدَ الملكية، وتتساءل: مَن هو "هادي" حقاً؟ وكيف وصلَ هذا العقدُ إلى يدهِ في تلك اللحظةِ القاتلة؟ لم تكن تدري أنَّ القادمَ ليس مجردَ حزن، بل هو رحلةٌ في سِرٍّ لم يُكشفْ بعد.