مِرآةُ الفَجيعةِ الصادقة
انفتحَ البابُ لتدخلَ الوجوهُ التي كانت يوماً مَصْدَرَ بهجةِ "هند"؛ صديقاتُها اللواتي لم يتركنَها لحظةً منذ وقوعِ الكارثة، وعائلاتُهنَّ الذين حضروا بقلوبٍ يعتصرُها ألمٌ حقيقيّ، فالمصيبةُ كانت مصيبتَهم جميعاً. لم يكن هناك زيفٌ في الدموعِ التي ترقرقَت في أعينِ صديقاتها ، ولا في نظراتِ أهلهم اللواتي كنَّ ينظرنَ لـ "هند" كابنةٍ فَقَدتْ سَنَدَها. ادخلت هند اصدقائها ثم جلست كتمثال علي الكنبه ، و بصدمه شديده من الاصدقاء وسطَ غبارِ البيتِ الذي كانت رائحةُ العطرِ لا تفارقهُ أبداً. قطعو الصمتَ و قالو بنفس واحد بصوتٍ يرتجفُ من هولِ الصدمةِ والمحبة:
* "هند.. ، ما الذي فعلتِهِ بنفسكِ؟ أين أنتِ؟ هذا البيت، وهذا الثوبُ الذي لا يُشبهكِ.. نحن لا نعرفُ مَن هذه التي أمامنا! أرجوكِ، عودي إلينا ولو قليلاً."
ردت "هند" بصوتٍ يابس، كأنها تتحدثُ من عالمٍ آخَر، وبلاغةِ مَن قتلتْ فيه الأحزانُ كلَّ رغبةٍ في التجمّل و بقلب به الم نفسي و ببرود :
* "عاااادي....... وفي كلِّ الحالات، سأظلُّ هكذا، سأرتدي السوادَ حتى يَشيبَ الزمن."
وقبل أن تَمُدَّ إحداهُنَّ يدَها لتمسحَ على رأسِها أو تُكملَ كلماتِ المواساةِ الدافئة، زلزلتِ المكانَ طرقةٌ قويةٌ على الباب. لم تكن طرقةً عادية، بل كانت حازمةً، مُدويّة، تحملُ في طيَّاتِها هيبةً غريبةً جَعلتِ الجميعَ يصمتُ فجأة.