بين ذنب هند و قدرها - مَواسمُ الركودِ المتفحم - بقلم يارا عبد اله - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بين ذنب هند و قدرها
المؤلف / الكاتب: يارا عبد اله
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: مَواسمُ الركودِ المتفحم

مَواسمُ الركودِ المتفحم

في ذلك الركنِ المهجورِ من روحِها، اتخذت "هالفصل السابع عشر: مَواسمُ الركودِ المتفحم في ذلك الركنِ المهجورِ من روحِها، اتخذت "هند" قراراً بأنَّ زمنَ "الترتيب" قد ولى؛ لن تلمسَ غباراً، ولن تُزِيحَ فوضى، ولن تُعيدَ للبيتِ رونقَهُ الذي سُلبَ مع رحيلِ أهله. ستتركُ الشقةَ كما هي، شاهداً حياً على لحظةِ الانفجار، لتظلَّ كلُّ زاويةٍ فيها تُذكِّرُها بفظاعةِ ما جرى. لكنَّ الواجبَ الاجتماعيَّ القاسي كان يطرقُ بابَ عقلِها المنهك؛ فهناك "غرباء" سيأتون لمشاركتِها مأساةً لا يملكونَ منها إلا القشور، ولا بدَّ من ضيافةٍ تليقُ ببروتوكولِ الموت. نزلت "هند" إلى الشارع، ولم تكن هي "هند" التي يعرفها الحي؛ بطلةُ الموضةِ والدلال. كانت تلك المرأةَ الغامضةَ التي تتدثرُ بسوادِ عباءةِ أمِّها القديمة، بشالٍ ينسدلُ فوق كتفٍ ويترنحُ فوق الآخر، مبعثراً كأفكارِها، لا يربطُهُ دبوسٌ ولا يجمعهُ تنسيق. لم تنظرْ في مرآةٍ قبل خروجِها، ولم تسألْ نفسَها كيف يراها العابرون؛ فقد فقدتْ بوصلةَ "الأنا" منذ سكتَ صوتُ والدها. رفضتْ قدماها التوجهَ نحو تلك "السيارة" الرابضة أمام البيت؛ السيارة التي كانت ثمنَ كفنِ والديها. لم تطقْ لمسَ معدنِها البارد، بل آثرتِ المشيَ بخطواتٍ آليةٍ صلبة، وكأنها تريدُ أن تشعرَ بصلابةِ الأرضِ تحتها. وصلتْ إلى أقربِ متجر، وبآليةٍ جافة، اشترتِ الشايَ والقهوة، مُرُّ المذاقِ لمُرِّ الفجيعة. لم تلتفتْ يميناً ولا يساراً، بل عادتْ مسرعةً كأنها طريدةٌ تخشى الضوء. كانت تهرولُ نحو زنزانتِها، نحو ذلك البيتِ الذي تجمَّد فيه الزمن، لتعودَ وتغرقَ في صمتِها الموحشِ قبل أن يصلَ "المعزون" ليفسدوا عليها قدسيةَ وجعِها المنفرد. عادت لتنتظرَ المجهول، وهي لا تدري أنَّ القهوةَ التي ستُسكبُ اليوم، ستفوحُ منها رائحةُ أسرارٍ لم تكن في الحسبان.