بين ذنب هند و قدرها - رنين من عالم الموتي - بقلم يارا عبد اله - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بين ذنب هند و قدرها
المؤلف / الكاتب: يارا عبد اله
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: رنين من عالم الموتي

رنين من عالم الموتي

اخترقَ صمتَ الغرفةِ الجنائزي رنينُ هاتفها، كان صوتاً حاداً كإبرةٍ تنغرسُ في جدارِ سكونها. نظرتْ بشاشةٍ باهتة؛ إنهم رفاقُ الأمس، أولئك الذين تركوا "هند الضاحكة" ليأتوا الآن لمواساة "هند الحطام". أخبروها بقدومهم بعد نصفِ ساعةٍ برفقةِ ذويهم، ليدقوا مساميرَ "واجبِ العزاء" في نعشِ خصوصيتها. لم تجبهم بكلمة، اكتفت بصمتٍ مطبقٍ كأنه "نعم" باردة، ثم وأدت المكالمةَ بضغطةِ زِر. لم تمضِ سوى خمسِ دقائق حتى اهتزَّ الهاتفُ مجدداً، لكنَّ الشاشةَ هذه المرة كانت تحملُ رقماً غريباً. "هند القديمة" كانت تأنفُ الردَّ على المجهولين، لكنَّ "هند الجديدة" التي فقدت كل شيء، لم يعد لديها ما تخافُ ضياعه. فتحت الخطَّ بعصبيةٍ مكتومة، وصوتٍ يقطرُ كراهيةً لكلِّ ذبذبةٍ صوتية تخترقُ أذنيها: * "من معي؟" جاءها الردُّ هادئاً، رزيناً، يحملُ صدى الفاجعة: * "أنا من كنتُ أحملُ هاتفَ والديكِ ساعةَ الرحيل. قرأتُ الأسماءَ المسجلة، وكنتِ أنتِ آخر مكالمةٍ بين الردِّ والعدم. أنا من أجبتكِ حين ناديتِ ولم يأتكِ صدىً إلا صوتي. اتصلتُ لأستأذنكِ في القدومِ لتقديمِ واجبِ العزاء، فهذا حقٌّ دينيٌّ وإنسانيٌّ لا يترك." لم يرتجف لها جفن، ولم يتحرك في صدرها خيطُ فضولٍ لتعرف من يكون هذا الغريب الذي شهدَ أنفاسَ عائلتها الأخيرة. ردت ببرودٍ صقيعي، وكأنها تُملي عنواناً لشركةِ شحن: * "تمام.. العزاءُ سيكونُ في بيتي، والعنوان هو..." نطقت كلمة "بيتي" بحرقةٍ مخفية؛ فقد بترتْ لسانَها عن نطقِ "بيتِ أبي وأمي"، وكأنها تحمي أسماءهم من التلوث بواقعِها الحالي. أغلقَ المجهولُ الخطَّ بكلمةٍ واحدة: "تمام". لم تكن "هند" تدركُ وهي تغلقُ هاتفها، أنَّ هذا الغريبَ لم يكن مجردَ عابرِ سبيلٍ في حادث، بل كان "القدر" يعودُ إليها مرةً أخرى في ثيابِ إنسان، ليفتحَ لها باباً لمفاجأةٍ خَبَّأها لها الزمنُ خلفَ جدرانِ الصدمة.. مفاجأة ستجعلُ كلَّ ما عاشتْهُ كابوساً، وما ستعيشُهُ واقعاً أشدَّ غرابة.