بَرزخُ الجُمود
ارتمت "هند" فوق فراشِ والدتها، لكنها لم تكن سقطةَ الضعف، بل كانت سقطةَ الحجر. جلست بجسدٍ صلبٍ وقسوةٍ لم تعهدها جدرانُ تلك الغرفة من قبل. لم يعد الفراشُ يفوحُ بطمأنينة الأمومة، بل صار يشبهُ التابوتَ الذي فارقته منذ قليل.
قالت بكلماتٍ خرجت من بين شفتيها كأنها أحكامٌ نهائية لا استئناف فيها: "سأتركُ كل شيء.. العلم، والتعليم، وعيد الميلاد الذي كان مَيلادي الحقيقي. لن أحتفلَ بيومٍ شهدَ موتكما، ولن ألتفتَ لجسدٍ خذلني بالبقاء حيّاً بينما غابَ نبضكما. سأظلُّ هنا.. هكذا ستكون حياتي، سجناً أبنيهِ بقضبانِ الندم."
كان بداخلها إعصارٌ يريدُ أن ينفجر، رغبةٌ عارمةٌ في الانهيار، في الصراخِ الذي قد يشقُّ صمتَ هذا البيتِ اللعين، في البكاء حتى تجفَّ العروق. لكنَّ شيئاً ما داخلها كان قد انكسر للأبد؛ لقد مارست "هند" عمليةَ إعدامٍ صامتة لأصواتِها الداخلية. خنقتْ صرخاتِها قبل أن تصلَ إلى حنجرتِها، ووأدتْ دموعَها في مآقيها، حتى انتهى كلُّ شيء. لم يعد هناك صدىً في روحِها، فقط صمتٌ جنائزيٌّ طويل، وجسدٌ يجلسُ فوق سريرِ الذكريات كأنهُ شاهدُ قبرٍ نُحتَ من صخرٍ صلد.