غُسْلُ الجَليدِ والوَداع
استيقظت "هند" على فجرِ اليوم الثاني، أسوأ فجرٍ أشرقَ في حياتها؛ يومُ العزاءِ والدفنة، اليومُ الذي سيُختم فيه بالشمعِ الأحمر على كل ما تبقى من حياتها الماضية. نهضتْ من سريرهما كأنها خيالٌ يخرجُ من كفن، صامتةً صمتاً يزنُ الجبال، ملامحُها المحتقنة بآثارِ بكاءٍ كاد أن يكون دماً كانت تحكي قصةَ ليلةٍ لم تمرَّ على بشر.
بآليةٍ قاسية، اتجهت نحو الحمام. فتحت الصنبورَ على آخره، وتركت الماءَ الباردَ يرتطمُ بوجهها؛ ذلك الماء الذي كانت تمقتهُ دوماً وتتجنبهُ لصالحِ الماء الفاتر المنعم بالرفاهية، صار الآن رفيقها الوحيد. أرادتْ أن تشعرَ بوخزِ الجليد، أرادتْ لبرودته أن تقتلَ ما تبقى من حرارةِ الطفولةِ في عروقها. لم تعد "هند" القديمة موجودة؛ لقد ماتت تلك الفتاةُ التي تختارُ درجةَ حرارةِ مائها، ووُلدت مكانها امرأةٌ لا تبالي بقرصةِ البرد ولا بلذعةِ الألم.
كانت "هند" لا تبدأُ يومها أبداً دون إفطارٍ ملكيٍّ يُعدُّ بحب، لكنَّها اليوم وقفتْ في مطبخها الموحش، ولم تمدَّ يدها لقطعةِ خبزٍ واحدة. غادرتْها الرغبةُ في العيشِ قبل الرغبةِ في الأكل؛ فالمعدةُ التي كانت تدللها أمها بشتى الأصناف، صارت الآن فجوةً من العدم.
خرجتْ من غرفتها، وشبحُ النومِ لا يزالُ يسكنُ ملامحها، ورائحةُ الحزنِ تفوحُ من ثيابها. كانت تنظرُ إلى الأشياءِ حولها بعيونٍ غريبة، عيونٍ لا تعجبُ بشيءٍ ولا تكرهُ شيئاً، عيونٍ انطفأ فيها بريقُ الـ "١٨ عاماً" لتستبدلهُ بظلمةِ المقابر.
وقفتْ أمام المرآة، لم تكن ترى نفسها، بل كانت ترى امرأةً غريبةً تستعدُّ لدفنِ قلبها تحت التراب قبل أن تدفنَ والديها.