عَهْدُ الدَّمِ والصَّمْت
سكنَ العويلُ فجأة، وحلَّ مكانهُ صدىً يترددُ في أروقةِ ذاكرتها، صوتُهما الذي لم يغادر أذنيها الصغيرتين؛ بحنانهِ، بدفئه، وبضحكتهما الأخيرة التي لم تكتمل. استفاقت "هند" من لُجّةِ الانهيار، مسحتْ بقايا دموعٍ كادت أن تصبغَ وجنتيها بلونِ الدم، ونظرتْ حولها بعينين غائرتين، سكنهما وعيٌ حادٌ ومؤلم.
لم تكن قادرةً على مغادرةِ تلك الغرفة؛ فزحفتْ نحو سريرهما، المكان الذي كان يوماً ملاذاً آمناً من كل خوف، وارتمتْ فوقه، محاولةً استنشاقَ ما تبقى من رائحتهما في الوسائد الباردة. كان عليها أن تنام، أن تسرقَ لحظاتٍ من العدمِ لتستعدَّ لصباحٍ لن تشرق شمسه، صباحِ الوداعِ الأخير تحت ترابِ المقابر.
لكنَّ النومَ كان عدواً في تلك الليلة؛ فالفراغُ الذي تركهُ رحيلهما كان يمتلئُ بـ "الذنب". كانت كلُّ نبضةٍ في قلبها تصرخُ باسمها كمتهمة: "أنتِ السبب.. طيشكِ، رغبتكِ في الاحتفال، طفولتُكِ التي أبت أن تنضج إلا على جثثهما".
رفعت صوتها في سكونِ الغرفة، صوتاً لم يسمعهُ أحدٌ سوى روحها المنكسرة:
"لن أحتفلَ بعيدِ ميلادي مرةً أخرى أبداً.. أنا أكرهه! أكرهُ اليوم الذي ولدتُ فيه ليُصبح تاريخاً لموتكما. لقد انتهت تلك الفتاة المدللة، ودفنتُها معكما في ذلك الحطام."
في تلك اللحظاتِ الفاصلة، قررتْ "هند" أن تشطبَ حياتها القديمة بضربةِ قدرٍ قاضية. قررتْ أنَّ "هند" القادمة لن تُشبه تلك التي كانت بالأمس؛ ستكون امرأةً خُلقت من رحمِ الوجع، محملةً بعهدٍ ألا تبتسمَ في يومٍ كان ثمنُه حياتهما.
استسلمت أخيراً لثقلِ الجفون، وغابت في نومٍ يشبهُ الإغماء فوق سريرهما، محتضنةً ذكرياتها المريرة كأنها ترفضُ تركهما حتى في الحلم. نامت "هند"، وبدأت روحُها في التحولِ إلى شيءٍ آخر، شيءٍ غامضٍ وقاسٍ، بانتظارِ شمسِ العزاء التي ستُعلنُ بدايةَ رحلتها الوحيدة في هذا العالم.