عِنَاقُ الجلِيدِ والآخِرَة
بِقوةٍ لم تكن تنتمي لجسدها الهزيل، وبسرعةٍ فاقت سرعة القدر الذي سلبها كل شيء، انطلقت "هند" من السيارة. كانت تنهبُ الأرضَ ركضاً، تتجاهلُ صرخاتِ صديقاتها وتوسلاتِ من حولها، وتخترقُ حصارَ الأيدي التي حاولت منعها من مواجهة "الحقيقة القاسيه".
لم تكن ترى البشر، كانت عيناها معلقتين بذاك الحطام الذي صار "عتبةً" بين الدنيا والآخرة. وصلت أخيراً.. ارتمت فوق المعدن البارد، فوق الجسدين اللذين كانا منذ ساعاتٍ نبضاً ودفئاً، وصارا الآن صمتاً أبدياً. انهمرت في بكاءٍ لم يكن دمعاً، بل كان شظايا من روحها تتكسر فوق رؤوسهم.
وسط هذا العويلِ الذي هزَّ أركانَ الطريق، ظهر "رجلُ الهاتف"؛ ذاك الغريبُ الذي كان صوتهُ أولَ مسمارٍ في نعشِ سعادتها. اقترب منها، وضع يدهُ المثقلة بالأسى على كتفها المرتجف، وهمس بالكلمة التي تنهي كل جدال: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
لكنَّ الكلمة، بدلاً من أن تُسكن روعها، كانت كزيتٍ صُبَّ فوق نيرانِ فجيعتها. اشتعلت هند بانهيارٍ يفوقُ الوصف، وبدلاً من الاستسلام للرحيل، قررت أن تفرضَ إرادتها على الموت. وبإصرارٍ مرعب، صممت على أن تنقلهما معها، ألا تتركهما لهذا الطريقِ الموحش، ألا يكون الغرباءُ هم آخر من يلمس جثامينهما.
بصدمةٍ وذهول، وبقلوبٍ يعصرها العجز، لم يجد أهلُ صديقاتها بُدّاً من النزول عند رغبتها "المجنونة". وبمساعدةِ الأيادي المرتجفة، حُمِلت الجثامينُ إلى السيارة.. لم تكن رحلة عودةٍ للبيت، بل كانت "موكباً جنائزياً" تقوده ابنةٌ مكلومة، تجلسُ في المقعد الخلفي، تحتضنُ في حجرها بقايا "وطنها" الذي انكسر.
تحركت السيارةُ ببطءٍ مهيب، وهند لا تبكي الآن، بل تنظرُ إلى وجهيهما بسكونٍ مخيف، كأنها تحاولُ استحضارَ ملامحهما للمرة الأخيرة قبل أن يغيبا في عتمةِ القبر. لم تعد "هند" طفلة الرفاهية، لقد صارت "حارسة الموتى" في رحلتهم الأخيرة نحو البيت الذي لن تضاء شموعه ثانية.
..