أطـلالُ الـبَهـجـةِ المَـسـلوبـة
كانت السيارةُ تنهبُ الطريق، وهند غارقةٌ في صمتٍ يشبه صمت القبور، عيناها معلقتان بالزجاج كأنهما نافذتان على عالمٍ لم تعد تنتمي إليه. وفجأة.. توقف الزمنُ في عينيها، وتجمدت الأنفاسُ في صدرها؛ حين لاحت من خلف الزجاج تلك الواجهةُ المألوفة.
محلُّ الملابس.. ذلك الركن الدافئ الذي شهد أدقَّ تفاصيل حياتها. هناك، كانت "هند" الطفلة تركضُ بين الأروقة، وهناك كانت "هند" البطلة تختارُ بدلاتِ سباحتها التي ستصارع بها الأمواج. كان المحلُّ شاهداً على ضحكات والديها وهما يختاران لها أرقى الثياب، وعلى نقاشاتهم الصغيرة حول لونِ حذاءٍ أو مقاسِ فستانٍ لعيد ميلادها الثامن عشر.. العيد الذي لم يأتِ ثوبه أبداً.
انفجرت صرخةٌ صامتة في أعماقها، وانهمرت الدموعُ كشلالٍ من النار. في تلك اللحظة، لم ترَ هند فاتريناتٍ زجاجية، بل رأت "شريط ذكرياتٍ" يُعرضُ بألوانٍ زاهية أمام عينيها الشاحبتين. رأت طيفَ والدها وهو يحملُ الحقائب، وصورةَ أمها وهي تبتسمُ لجمالِ ابنتها في المرآة.
كل قطعة ثيابٍ هناك صارت الآن "أطلالاً". لم تعد السباحةُ مجرد رياضة، بل صارت ذكراها غصةً؛ فكيف لها أن تطفو فوق الماء وقلبُها غريقٌ في بئرِ الحزن؟ وكيف لها أن ترتدي ثياباً جديدة والجسدُ الذي كان يضمها في تلك الثياب قد فارق الحياة؟
حاولت صديقاتها احتواء هذا الانهيار الجديد، أحاطوها بكلماتِ المواساة وبدموعهنَّ الصادقة، لكنَّ "هند" كانت قد غادرت المكان والزمان. كانت تنظرُ إليهنَّ بعيونٍ غائبة، "لا حياة لمن تنادي"؛ فقد صار المحلُّ في نظرها نصباً تذكارياً لفرحٍ لن يتكرر، وأيقنت أنَّ كلَّ طريقٍ ستسلكه من الآن فصاعداً، سيكون ملغوماً بذكرياتٍ توقظُ جراحها.
لم يكن الوجعُ في الحادثِ وحده، بل في تلك "التفاصيل الصغيرة" التي تصرُّ على البقاء حية، بينما أصحابها قد غابوا تحت التراب.