مقبره الانس البارده
حاولت "هند" أن تستجمع شتات نفسها، أن تقف على قدمين خذلتهما الأرض، لكنَّ الوعي كان عدوها الأكبر. كلما عادت لواقعها، صدمتها الحقيقة المرّة: البيتُ الذي كان يضجُّ بالحياة، صار الآن جثةً هامدة. تذكرت بمرارةٍ لا تُوصف أنَّ شجرة عائلتها قد تيبست أغصانها منذ سنين؛ فقد رحل الأجداد والأقارب، ولم يبقَ لها في هذا الوجود سوى "الوتدين" اللذين انكسرا اليوم تحت عجلات السرعة والقدر.
"وحدي.. تماماً كما وُلدت، أقفُ الآن أمام ريحِ اليُتم."
كان بكاؤها يزدادُ اشتعالاً كلما تخيلت مفتاح الدار وهو يدور في قفلٍ لن يفتحه سواها. رأت في خيالها الرواق المظلم، وغرفهم التي ستفوح منها رائحة "الغياب" بدلاً من العطر.
لم تتركها "جوقةُ الوفاء"؛ صديقاتها اللواتي صرن عائلتها الاضطرارية. أسرعن نحوها، يهمسن بكلمات المواساة التي لا تجد طريقاً لقلبها الموصد. قررن بلا تردد أن يصطحبنها في رحلة العودة الأخيرة؛ طلبن من ذويهنَّ أن يفتحوا أبواب سياراتهم لـ "هند"، لتكون وسط دفء عائلةٍ أخرى، علَّ ذلك يخفف من برودة فجيعتها.
لم تنطق "هند" بكلمة. كانت غائبةً في ملكوتِ حزنها، جسداً بلا روح يُنقل من مكانٍ لآخر. استسلمت لإصرارهم، وركبت تلك السيارة التي كانت تنتمي لعائلة صديقاتها.. عائلةٌ متماسكة، يملأ ضجيجها المحبب الفراغ.
تحركت السيارة، وبدأت الشوارع تمرُّ من خلف الزجاج كشريطٍ سينمائي باهت. كانت "هند" تراقب الطريق الذي سلبها كل شيء، وتنظر لوجوه من حولها بغربةٍ قاتلة.. ولكنَّ الرحلة لم تكن كما خططوا لها.
في منتصف الطريق، وبينما كان الصمتُ يغلفُ ذهولها، حدث شيءٌ لم يكن في الحسبان.. شيءٌ جعل الدماء تتجمد في عروقها مرةً أخرى، وكأنَّ القدر لم يكتفِ بانتزاع قلبهما، بل أراد أن يختبر بقاءها هي على قيد الحياة بطريقةٍ أكثر رعباً.