لَعْنَةُ الـمِـيلاد
عادت "هند" من غياب اللاشعور، لم يكن استيقاظاً بل كان ارتطاماً عنيفاً بالواقع. أول ما تلمس حواسها لم يكن ضوءاً، بل كان ضجيجَ نحيبٍ مكتوم، وأيادٍ مرتعشة لصديقاتٍ كُنَّ لها بمثابة الظل والوطن البديل، يحاولن لملمة أشلاء روحها التي تناثرت مع خبر الرحيل.
فتحت عينيها، لكن النور هذه المرة كان مؤلماً، كان كاشفاً لحقيقةٍ تمنت لو بقيت غارقةً في ظلام الإغماء عنها. وبمجرد أن استعادت إدراكها للزمن والمكان، انفجر بداخلها بركانٌ من الصراخ لم يكن صوتاً فحسب، بل كان نزيفاً للروح.
"أنا.. أنا القاتلة!"
هكذا شقَّت كلماتها جدار الصمت المحيط بها. لم يكن بكاؤها بكاءَ طفلةٍ فقدت ألعابها، بل كان عويلاً يرتجف له الوجدان. بدأت تنهالُ بآلةِ اللوم الحادة على صدرها المثقل، تصرخُ في وجوه الجميع وهي ترتجف كعصفورٍ بلله مطرٌ أسود:
"أنا السبب.. لو لم أتمسك بهذا العيد التافه.. لو لم أحشد رغباتي الطفولية في قلوبهم.. لما أسرعوا ليُرضوا غرور سنينِي الثمانية عشر. لقد قتلتُهم بلهفتي.. قتلتُهم بحبي!"
كانت الكلمات تخرجُ مغسولةً بالندم المرّ، ندمٌ حوَّل ذكرى ميلادها من "عيد" إلى "لعنة". لم تكن ترى الحادث كقضاءٍ وقدر، بل كـ "مؤامرة" هي مخرجتها، وكأنَّ استعجال والديها كان تلبيةً لندائها الخفي بالقدوم سريعاً.
وسط انهيارها، كانت صديقاتها يحاولن احتواء عاصفتها، لكنَّ صوتهنَّ غرق في بحرِ اتهامها لنفسها. في تلك اللحظة، ماتت "هند" الطفلة التي كانت تهوى الرفاهية، ووُلدت امرأةٌ محملةٌ بذنبٍ ثقيل، ذنبٍ سيظل يطاردها في كل شمعةٍ تُضاء، وفي كل فرحٍ يطرقُ بابها.
.