بين ذنب هند و قدرها - رَنِينُ العَدَم - بقلم يارا عبد اله - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بين ذنب هند و قدرها
المؤلف / الكاتب: يارا عبد اله
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: رَنِينُ العَدَم

رَنِينُ العَدَم

وقفت "هند" أمام بوابة المدرسة، كانت تبدو كأميرةٍ تنتظر عربتها الملكية، تتفقدُ ساعتها المذهبة كل دقيقة، وتعدُّ الثواني التي تفصلها عن "الخروجِ ". كانت العادةُ أن يسبقها والداها إلى هناك، أن تجدهما بانتظارها بابتسامتهما التي تمحو تعب النهار.. لكنَّ الوقتَ اليوم كان لزجاً، ثقيلاً، وكأنَّ الدقائقَ أصابها الشلل. مرَّت نصفُ ساعة، ثم ساعة.. والشوارعُ تزدادُ ضجيجاً بينما صمتُ هاتفها يزدادُ رعباً. أخرجت هاتفها، تلك القطعة الرقيقة التي كانت وسيلتها لتبادل كلمات الحب والدلال، وبدأت في الاتصال. مرّة.. مرتان.. عشرٌ.. وفي كل مرة كان "الرنين" يعود إليها خائباً، صدىً يتردد في فراغٍ مجهول. كانت تشعرُ بـ "نغزة" غريبة في صدرها، كأنَّ قلباً خفيّاً بداخلها يهمسُ لها بأنَّ "الغياب" ليس مجرد تأخير، بل هو "انسحابٌ" أبديّ. في المحاولة الأخيرة، انقطع الرنين.. وُفتح الخط. حبست أنفاسها، كانت تتهيأُ لعاتبهما بضحكةٍ طفولية، لكنَّ الصوتَ الذي جاء من الطرف الآخر لم يكن صوتَ أبيها الدافئ، ولا نغمة أمها الحنونة. كان صوتاً خشناً، غريباً، مثقلاً بحشرجةِ الموتِ ورائحةِ الأسفلت. "يا ابنتي.. البقاءُ لله." سقطت الكلمة كصاعقةٍ شطرت روحها نصفين. لم يكن صوتاً، كان فأساً يهدمُ جدران حياتها الوردية في لحظةٍ واحدة. أخبرها الغريبُ - بكلماتٍ متعثرة كجثةٍ تحاول المشي - أنَّ أصحاب هذا الهاتف قد غادروا "الزمن"، وأنَّ الاحتفال قد نُقل إلى سماءٍ أخرى. انطفأت الأضواءُ في عيني "هند". سقط الهاتف من يدها المرتجفة، ارتطم بالأرض كما ارتطمت حياتها. لم تصرخ، بل كان صمتها أشدَّ دوياً من أي عويل. تجمدت ملامحها الجميلة، وتحولت تلك الروح الطفولية في ثانيةٍ واحدة إلى عجوزٍ تحملك هموم الأرض فوق كتفيها. خانتها قدماها، فسقطت في هاويةِ "اللاوعي"، غابت عن عالمٍ لم يعد فيه أبٌ يحمي ولا أمٌ تضُم. التفت حولها صديقاتها، كجوقةٍ من الحمام المذعور، يبكين لمصابها، ويبكين لرحيل ذينك القلبين اللذين كانا نبعاً للطيب والكرم مع القريب والبعيد. في ذلك اليوم، تخرجت "هند" من طفولتها.. ومن سعادتها.. دفعةً واحدة.