انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل الثامن والثلاثين - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن والثلاثين

الفصل الثامن والثلاثين

منة كانت واقفة قدام مكتب بلال، حطت الظرف الأبيض بهدوء وبصت له بثباتها المعتاد. بلال رفع عينه من الورق وسألها باستغراب "إيه ده يا منة؟" ردت بصوت واثق ومحترم "دي استقالتي يا مستر بلال." بلال رفع حاجبه بذهول، وسند ضهره لورا "استقالة؟ ليه يا منة؟ حصل حاجة ضايقتك في الشغل؟ إنتي عارفة إنك من أشطر الناس اللي اشتغلت معايا ومقدرش أستغنى عن ذكاءك." منة رسمت ابتسامة رسمية وقالت "حضرتك عارف إني كنت بتعلم برا ودلوقتي ناوية أسافر تاني ، الظاهر إن مشواري في مصر خلص أسرع مما كنت متوقعة..و حابة ألحق ترتيبات السفر." بلال ملقاش كلام يقوله، قام وقف ومد إيده صافحها بتقدير "خسارة كبيرة للشركة يا منة.. عموماً بالتوفيق، ومشكورة جداً على مجهودك الشهور اللي فاتت. يا ريت بس تعدي على مستر بدر المدير تبلغيه وتخلصي ورقك." هزت راسها وخرجت، سابت شنطتها وموبايلها على الكرسي برا ودخلت مكتب المدير تودعه. في اللحظة دي، بلال خرج وراها، ولمح موبايل منة "نور" برسالة.. قلبه قبضه فجأة، مد إيده وسحب الموبايل بفضول وبص في الشاشة. كانت رسالة من "رزان" "منة، أنا مستنياكي برا الشركة في العربية عشان نروح المخفر سوا ونقدم الشهادة.. " الدنيا اسودت في عين بلال، بص لباب مكتب المدير لحظات يحاول يستوعب وسحب موبايله وخرج من الشركة زي المجنون. كان بيمسح المكان بعينيه لحد ما لمح عربية رزان مركونة وهي قاعدة ورا الدريكسيون. راح عليها وبقبضته خبط على الازاز بعنف. رزان اتنفضت وفتحت النافذة، وأول ما شافت وشه، ملامحها اتعقدت بكرة "إنت عايز إيه تاني يا بلال؟" بلال صرخ فيها بصوت مكتوم "انزلي يا رزان.. انزلي حالاً عايزك في كلمة!" رزان من كتر الإصرار اللي في عينيه نزلت، بس اتفاجئت بيه بيمسك دراعها وبيسحبها بعيد عن الأنظار لحد ما بقوا في مكان هادي ورا المبنى. رزان نفضت دراعها منه ورفعت صباعها في وشه بتحذير "مالك ؟ إنت اتجننت؟" بلال فجأة حوط كتافها بإيديه وبص في عينيها برجاء مرعب "رزان، إنتي بتلعبي بالنار! إنتي فاكرة إنك لما تروحي تشهدي عليا في حكاية قديمة هتخلصي مني؟ إنتي كدة بتدمري نفسك وبتفتحي على روحك أبواب جهنم مش هتعرفي تقفليها!" رزان من غير تفكير، رفعت إيدها ونزلت بـ "قلم" مدوي على وشه، وقالت وهي بتنهج من الغضب "إلزم حدودك يا بلال! أنا مش خايفة منك ولا من تهديداتك اللي ملهاش لازمة. المرة دي مفيش هروب، المرة دي هتتحاسب على كل اللي عملته في جوزي.. السجن هو مكانك الطبيعي!" بلال مسك وشه والوجع باين في عينيه، بس كمل بإصرار "والله العظيم ما أنا اللي عملت حادثة المينا! رزان، أنا عارف إنك بتكرهيني وشايفاني شيطان، بس أنا عمري ما تمنيت ليكي سوء.. أنا بحميكي من ناس إنتي متعرفيش عنهم حاجة!" ردت عليه بسخرية وقهر "بتحميني؟ ومين اللي باعت المقطورة؟ مش الراجل الكبير اللي إنت شغال عنده؟ كلكوا وسخ زي بعض، إنت وهو واحد!" بلال نفى بجنون "لأ مش واحد! واسمعيني.. الحادثة القديمة، بتاعة العربية اللي عطلت بيكم.. أيوة أنا اللي عملتها بس !" رزان صرخت "شوفت؟ وبتقول مأذتنيش؟ لولا ستر ربنا كان زمانا ميتين!" بلال قرب منها أكتر وهمس بصدق مرعب "لو مكنتش بوظت الفرامل ليلتها، كان زمانكم متمثل بجثثكم بجد! أنا كنت عارف الطريق، وعارف إن مراد سواق شاطر وهيعرف يتصرف ويخبط في حاجة توقف العربية بأقل خسائر.. الحادثة دي كانت "تهديد" عشان تبعدوا، كانت الطريقة الوحيدة اللي قدرت أأخر بيها حكم إعدامكم ليلتها! أنا كنت بشتريلكم وقت يا رزان!" رزان بصت له بذهول واحتقار "إنت مجنون.. إنت مريض نفسي يا بلال! اللي بيحمي حد مبيحطش حياته على المحك!" في اللحظة دي، موبايل رزان رن في إيدها، زقته بكل قوتها وجريت ناحية عربيتها. بلال حاول يلحقها وهو بينادي عليها، بس هي وصلت العربية ولقت منة واقفة مستنياها، منة أول ما شافت بلال وشها بقى أبيض وزي الورقة. رزان صرخت فيها "اركبي يا منة بسرعة!" ______ رزان طارت بالعربية، والكاوتش عمل صرخة هزت الشارع كله، ومنة لزقت في الكرسي وهي مخضوضة وبتنهج "في إيه يا رزان؟ إيه اللي حصل؟ مستر بلال كان عايز منك إيه؟" رزان ردت وهي عينيها مركزة في المرايات، وإيديها بتضغط على الدريكسيون بقوة لدرجة إن عروقها برزت "بلال عرف يا منة.. عرف إننا رايحين نبلغ، وعرف إن معانا دليل يوديه ورا الشمس!" منة شهقت بذهول "عرف إزاي؟ أنا مقلتش حاجة!" رزان مكنتش عارفة هو عرف إزاي، بس الصدمة الحقيقية كانت لما بصت في المراية اللي في النص.. شافت عربية بلال طالعة وراهم زي الصاروخ، وبدأت تزيد سرعتها لدرجة مرعبة. أول ما دخلوا الطريق السريع، بلال بقا وراهم بالظبط، وشكله كان ناوي يمنعهم بأي تمن.. مكنش قدامه حل غير إنه يوقفهم قبل ما يوصلوا للمخفر، يا إما حياته ومستقبله هينتهوا، والراجل الكبير مش هيستناه لما يتقبض عليه، ده هيصفيه قبل ما ينطق بكلمة. منة بصت وراها باستنكار وقالت "رزان.. ده بيقرب مننا أوي! ده ناوي يقلبنا!" رزان ملامح وشها اتغيرت تماماً، نظرة عينيها بقت حادة وفجأة ساد عليها هدوء غريب ومرعب، قالت لمنة من بين سنانها "اتمسكي كويس يا منة.. اتمسكي في أي حاجة قدامك!" منة بصت لها بصدمة وسالتها بشك "ناوية تعملي إيه ؟" رزان زودت السرعة وهي بتبص لمنة بطرف عينها وابتسامة تحدي باهتة على وشها "بصي.. إحنا يا نصل للمخفر ونحبسه، يا إما نتحصل بمراد النهاردة. ولو كلام مراد طلع صح و إني فاشلة في السواقة بجد.. يبقى دي نهايتنا سوا. ادعي إن كلام جوزي يطلع غلط المرة دي!" منة ملحقتش ترد، لأن رزان داست بنزين لآخر الدواسة، والعربية انطلقت بسرعة جنونية خلت منة تغمض عينيها وتضغط على شفايفها. بدأت المطاردة القاتلة.. بلال كان بيسوق بجنون، يقرب من رزان ويخبط عربيتها من الجنب عشان يخرجها عن مسارها أو يخليها تفقد السيطرة. صوت احتكاك الصاج ببعضه كان بيعمل شرار في نص الطريق السريع. بلال كان بيصرخ جوه عرببيته "اقفي يا رزان! هتموتي نفسك وهتموتي البنت معاكي!" بس رزان مكنتش بتسمع، كانت بترد الخبطة بالخبطة، وبتحاول تحافظ على توازن العربية وهي طايرة وسط العربيات التانية. فجأة، والمطاردة في قمتها، رزان لمحت عربية سودة ضخمة ظهرت من لا شيء.. العربية دي قطعت الطريق بالعرض ووقفت قدام رزان مباشرة بسد منيع. رزان ضغطت على الفرامل بكل قوتها، وصوت صريخ الكاوتش ملا المكان، العربية فضلت تزحف بجنبها والأدخنة طلعت منها لحد ما وقفت على بعد سنتيمترات من العربية اللي سادة الطريق. رزان ومنة كانوا بيتهزوا بعنف جوه العربية، رزان راسها خبطت في الدريكسيون ومنة كانت بتنهج بهستيريا وهي مش مصدقة إنهم لسه عايشين. رزان رفعت راسها ببطء، وعينيها كانت مزغللة، وبدأت تشوف خيال الراجل اللي لابس كاب طالع...وبايده...مسدس ... ______ في الوقت ده... في المشفى ... سامر اللي ماقدرش يروح مع رزان ومنه بسبب انه بلقيس اللي جت المشفى وجابت معاها حاجات وجت تطمن على مراد اغمي عليها مرة وداخت وده خلاه يفضل معاها لحد ماتكشف . كان قاعد برا أوضة الكشف، الموبايل في إيده مش بيبطل رن على رزان، ورجليه مابتثبتش في الأرض من التوتر.. " معقول المحضر واخد كل ده؟" لحظات و الباب اتفتح ببطء، وطلعت بلقيس.. سامر رمى الموبايل في جيبه وجري عليها، مسك إيديها وهو وشه مخطوف "بلقيس! طمنيني يا حبيبتي.. الدكتورة قالت إيه؟ الضغط واطي؟ أنيميا؟ قوليلي فيكي إيه بجد؟" بلقيس كانت واقفة ساكتة، ملامحها مكنتش مفهومة في الأول، شحوب غريب بس عينيها فيها لمعة ما شافهاش فيها من سنين. بصت لسامر اللي كان بيترعش من القلق، وقبل ما تنطق، شافت الحيرة والخوف في عينيه، فسألته بابتسامة هادية "مالك يا سامر؟ وشك مخطوف كدة ليه؟" سامر اتنهد بضيق وقلق "مستني مكالمة بس وقلقان عليكي إنتي كمان.. قوليلي الدكتورة قالت إيه خلصيني!" بلقيس مرة واحدة مسكت إيدين جوزها وضغطت عليهم بقوة، وابتسامتها نورت وشها اللي كان شاحب من شوية، ودموعها نزلت من غير استئذان. سامر قلبه اتنفض "مالك يا بلقيس؟ بتعيطي ليه؟ في حاجة وحشة؟" بلقيس ضحكت وسط دموعها، وصوتها طلع هامس بس هز كيان سامر كله "أنا حامل يا سامر.. أخيراً يا حبيبي، أنا حامل!" سامر اتسمر مكانه.. وكأن الزمن وقف. 5 سنين من الانتظار، 5 سنين من الدكاترة والتحاليل والأمل اللي كان بيطفي ويرجع، 5 سنين كان بيشوف فيهم حزن مكتوم في عين مراته كل ما يشوفوا طفل معدي قدامهم. سامر مكنش مصدق، عينيه وسعت بذهول طفولي، وهمس بكلمة واحدة "حامل؟ بجد يا بلقيس؟ الدكتورة أكدت لك؟" بلقيس هزت راسها بـ "أيوة" وهي بتضحك بانهيار وفرحة والدموع مالية عينيها "بجد يا سامر.. ربنا جبر بخاطرنا وعوضنا عن كل الوجع ده بعد 5 سنين." سامر ملقاش نفسه غير وهو بيحضنها بقوة وسط الممر، كأنه عايز يخبيها جوه ضلوعه، دفن راسه في كتفها وهو بيحمد ربنا بصوت مسموع ودموعه نازلة "الحمد لله.. يا رب لك الحمد.. يا رب كملها علينا بالستر وقوّم مراد عشان يشيله معايا، ده أغلى خبر سمعته في حياتي." الفرحة كانت "جرعة حياة" لسامر اللي كان شايل هموم الجبال فوق كتافه. مسح دموعه وبص لمراته بحب ملوش وصف، وحس إن بكرة فعلاً هيكون أحسن، وإن الطفل ده جاي عشان يمسح دموع العيلة دي كلها. ______ رزان كانت بتبص من ورا الزجاج وهي مش مصدقة.. هو ده! "الظل" اللي طاردها في كوابيسها، الراجل اللي قتل الصياد الغلبان بدم بارد، واللي خنقها إمبارح وكان هينهي حياة مراد.. "سفاح مأجور" بكل ما تحمله الكلمة من رعب، ماشي ببرود يقتلك قبل ما يرفع سلاحه. الطريق كان خالي تماماً، بعيد عن زحمة الطريق السريع، وكأن القدر اختار المكان ده عشان "التصفية". منة كانت بتلف راسها يمين وشمال بتوتر ، عربية بلال حاصراهم من الجنب، وعربية الراجل الكاب سادة الطريق من قدام زي السد. الراجل قرب من ناحية رزان بخطوات عسكرية منتظمة، ملامحه متدارية تحت الكاب، بس عينيه كانت بتلمع بشر مرعب. رزان كلبشت في الكرسي وصوابعها ابيضت من كتر الضغط، ومنة كانت بتنهج وصوت نفسها مسموع. الراجل شاور لرزان بدماغه حركة "انزلي"، رزان في الأول حاولت تعاند وتفضل قافلة على نفسها، لكن الرد كان فوري ومرعب.. الراجل نزل بماسورة المسدس وضرب رصاصة واحدة "كاتمة" في العجلة اللي قدام، الصوت كان مكتوم بس القوة خلت العربية كلها تتهز، ورزان ومنة صرخوا بذهول وهما بيتنفضوا في مكانهم. ده مش جاي يتفاوض.. ده جاي ينفذ "أوامر الإعدام" اللي أصدرها إسحق العتوري. بلال نزل من عربيته، وشه كان شاحب والظاهر إنه مكنش يعرف إن الموضوع هيوصل للقتل الصريح، حاول يتكلم "استنى بس .. إحنا ممكن.." لكن نظرة واحدة حادة من الراجل خرسته تماماً، نظرة بتقول "أنا بنفذ أوامر الباشا، وإنت كمان مطلوب زيك زيهم". إسحق العتوري قرر يقفل الملف بالأحمر.. الشاهدة (منة) لازم تختفي، والمنفذة (رزان) لازم تخرس، وبلال اللي ثقته اتهزت ملوش مكان غير معاهم. الراجل شاور لهم تاني بكل برود يطلعوا من عربيتهم ويركبوا العربية السوداء. رزان نزلت وهي بتبص للراجل بنظرات كلها غل وتحدي ممزوج برعب، ومنة كانت ماشية وراها زي الخيال. وأول ما رجلهم لمست عتبة العربية السوداء تحت تهديد السلاح، الراجل مد إيده بجمود "الموبايلات.. حالاً." رزان بلعت ريقها، كانت بتفكر تخبي موبايلها، بس منة بصتلها بحزم وإشارة بـ "لأ" بمعنى (ادهوله أحسن يقتلنا دلوقت). رزان طلعت الموبايل وحطته في إيده، ومنة عملت زيها. الراجل رمى الموبايلات في العربية وشاور لهم يركبوا ورا، وبص لبلال وأمره بنبرة آمرة مفيهاش نقاش "اركب سوق إنت يا بلال.. وأي حركة ، الطلقة المرة دي هتكون في دماغ واحد فيكم ." بلال ركب ورا الدريكسيون ، والراجل قعد جنبه ووجه السلاح ناحية الكرسي اللي ورا، العربية انطلقت بيهم في وسط الضلمة والطريق المهجور . _____ المستشفى كانت بدأت تضيق على صدر سامر، القلق النهاردة كان له طعم مختلف، طعم "شؤم" مش عارف يطرده من عقله. مروان قرب منه بفضول وهو حاطط ايديه في جيوب سرواله "إيه يا سامر؟ حصل ايه في قصة التبيلغ؟" سامر نفخ بضيق وهو بيبص في شاشة الموبايل اللي مابتنورش "مفيش خبر يا مروان.. رزان مابتردش، والتليفون فجأة بقى بيدي (غير متاح)، وده اللي هيجنني." مروان رد ببساطة "طب جربت تكلم منة؟ هي أكيد معاها." سامر هز راسه بيأس "ماعييش رقمها، هي كانت بتكلم رزان طول الوقت." مروان اتنهد تنهيدة طويلة، وحط إيده على كتف سامر "يا صاحبي اهدا، تلاقيهم بس في نص التحقيق والظابط طلب يقفلوا الموبايلات، إنت عارف إجراءات البلاغات الحساسة دي بتاخد وقت، وساعات بيسحبوا التليفونات عشان يفرغوا رسايل أو أدلة." سامر بص لمروان بنظرة حادة، وعينه كانت بتلمع بشك مريب "مروان.. إحنا مش بنلعب مع عيال صغيرة، إحنا بنلعب مع (حيتان). فرضا لو كان حصل حاجة؟ لو بلال عرف يوصلهم قبل ما يدخلوا القسم؟" مروان حاول يطمنه برغم إن قلبه هو كمان بدأ يدق "هيحصل إيه يعني؟ ده طريق عام، ومنة ذكية ورزان مش سهلة. وبعدين مفيش حد يجرؤ يعمل حاجة في عز الضهر كدة." سامر مقتنعش، مسح وشه بإيده وقام وقف فجأة "لأ.. قلبي مش مطمن. أنا هروح المخفر بنفسي أشوف المحضر وصل لفين " مروان ماردش، بس طلع مفاتيح عربية سامر من جيب الجاكيت وقال بحسم "استنا انا جاي معاك " سامر بص وراه، لقى والمكان فيه "رجالة" ابوه واب مروان يقدروا يحموا آسيا وبلقيس ورنيم لو حصلت أي حاجة. هز راسه لمروان وخرجوا الاتنين بيجروا ناحية العربية. ______ المكان كان عبارة عن مخزن مهجور، ريحته "عطن" وتراب، الإضاءة فيه ضعيفة جداً وجاية من كشافات متعلقة في السقف العالي. في النص، كان قاعد إسحق العتوري على كرسي خشب ضخم وكأنه "عرش" وسط مملكة من القذارة. حواليه كان واقف رجالة أجسامهم زي الدلف، وشومهم مغطية دراعاتهم ورقبتهم، ملامحهم بتقول إن القتل عندهم أسهل من شربة المية. الراجل الكاب زق رزان ومنة بعنف، وقعوا على الأرض قدام رجلين إسحاق. بلال فضل واقف بعيد شوية، نفسه عالي وجسمه بيترعش، مش قادر يبص في عين حد . الراجل الكاب قرب من إسحق وقال بصوت أجش "يا باشا.. دي الشاهدة اللي شافت "عطل" العربية القديم وناوية تفتح الملف، ودي رزان.. مراد شاكر يبقى جوزها." إسحق رفع حاجبه ببرود، وبص لرزان بنظرة فاحصة كأنها حتة بضاعة "مراد شاكر؟ السبع أرواح ده لسه مراته بتعافر مكانه؟" الراجل الكاب كمل "ومش بس كدة.. خالها يبقى مهدي." إسحق عقد حواجبه بتفكير "مهدي؟ مين مهدي ده؟" قالها وهو بيضحك بسخرية، وكأن أسماء ضحاياه مجرد أرقام اتمسحت من ذاكرته. الراجل الكاب فكره "الراجل اللي شمشم ورا الشغلانة في الميناء، وخلصنا عليه هناك." إسحق عدل قعدته، ووطى بجسمه ناحية رزان ومنة، وبدأ يتكلم بصوت هادي ومرعب "بصوا يا حلوين.. أنا راجل تاجر، والتاجر الشاطر مبيحبش "الهوالك". إنتو دلوقتي بقيتوا حمل زايد عليا. واحدة فيكم شافت اللي مكنش لازم يتشاف، والتانية فاكرة إن حق خالها وجوزها أغلى من رقبتها. العالم اللي إحنا فيه ده مبيحترمش الضعفاء اللي زيكم.. إنتو مجرد حشرات حاولت تعطل قطار ماشي بقاله سنين. فاكرين إنكم لما تروحوا القسم وتقولوا كلمتين، الإمبراطورية دي هتتهد؟ أنا بشتري وببيع في اللي أكبر منكم ومن اللي باعتينكم." منة، رغم الرعب اللي كان باين في رعشة إيدها، رفعت راسها وبصت له بذكاء وقالت بصوت مهزوز بس قوي "إنت فاكر إن بقتلنا الموضوع هيخلص؟ إحنا مش لوحدنا.. فيه بلاغ رسمي هيتحرك، في غيرنا عارف والشرطة زمانهم قالبين الدنيا علينا دلوقتي. قتلنا معناه إنك بتثبت التهمة على نفسك للأبد." رزان كملت وهي بتبص لإسحاق بكل غل "أعمالك القذرة، وتجارة الأعضاء، والدم اللي على إيدك.. كل ده هيتفتح. لو متنا النهاردة، ريحتكم هتطلع والبلد كلها هتعرف إنكم مجرد سفاحين بلا رحمة " الراجل الكاب مسمحلهاش تكمل، وجه المسدس على دماغها بجمود. بلال انتفض من مكانه وصرخ بتلقائية "استنى ! يا باشا بلاش تهور.. رزان لو حصل لها حاجة مروان وسامر مش هيسكتوا، وممكن يجروا البوليس لهنا فعلاً.. سيبوني أنا أتصرف معاهم، أنا هعرف أخليهم يخرسوا وينسوا اللي شافوه!" إسحاق بص لبلال بنظرة غامضة ، وبعدين رجع عينه لمنة.. الشاهدة الضعيفة اللي ملهاش ضهر يحميها. ابتسم ابتسامة صفراء وقال "كلامك منطقي يا بلال.. رزان "ممكن" نساوم عليها. بس البنت دي؟ دي ملهاش لزمة.. ووجودها بيفكرني بغلطاتك." وقبل ما حد يلحق يستوعب أو يتنفس، وبحركة سريعة زي البرق، إسحق أشر للراجل الكاب.. اللي لف المسدس ناحية منة وضغط على الزناد. "طااااخ" الرصاصة اخترقت بطن منة في ثانية. عين منة وسعت بذهول وصدمة، بصت لرزان نظرة أخيرة وكأنها بتودعها، وجسمها ارتخى ووقعت على الأرض والدم بدأ يغرق القماش الأبيض لبلوزتها. "منة!!!" صرخة رزان هزت جدران المخزن، صرخة فيها وجع وقهره، رمت نفسها على جسم منة وهي بتترعش ومنهارة ...