جذور الرمال - الفصل التاسع - بقلم وسن حمد | روايتك

اسم الرواية: جذور الرمال
المؤلف / الكاتب: وسن حمد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع

الفصل التاسع

الليل كان هادئ على غير العادة في الفيلا الكبيرة. الأنوار خافتة، وبعض المصابيح الجانبية فقط هي اللي تضيء الصالة الواسعة. الهواء البارد يدخل من النوافذ نصف المفتوحة، ويحرك الستائر البيضاء ببطء. الصمت كان مسيطر على المكان. لكن الصمت هذا… ما كان راحة. كان ثقل. جلس كنان في الصالة الكبيرة، أمام الطاولة الخشبية الطويلة. الأوراق كانت منتشرة قدامه: عقود قديمة، نسخ من سجلات الأراضي، وصور لوثائق حاولوا يجمعونها في الأيام الماضية. يده تمر على الورق ببطء. عيناه متعبتان… لكن تركيزه ما انكسر. كل شيء صار يلف حول سؤال واحد: من هو فهد… وماذا يريد فعلاً؟ سمع خطوات تقترب. رفع رأسه قليلًا. دخل ريان إلى الصالة وهو يحمل كوب قهوة سوداء. شعره ما زال مبلل قليلًا من الاستحمام، وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه. وقف لحظة يراقب كنان. ثم جلس مقابله. وضع القهوة على الطاولة وقال وهو يزفر بهدوء: "ما زلت تفكر في كلامه؟" كنان ما رد فورًا. ظل يقلب في الأوراق لحظة… ثم رفع عيونه ببطء. وقال بصوت منخفض: "الغريب هذا… ما دخل حياتنا صدفة." ريان أخذ رشفة من القهوة. ضحك بسخرية خفيفة. "واضح. رجال يظهر فجأة ويقول الأرض حقه؟ أكيد فيه سالفة أكبر." صمت لحظة. ثم أضاف وهو يميل للأمام: "السؤال الحقيقي… ليش الآن؟" كنان ما أجاب. لكنه كان يفكر في نفس الشي. ليش بعد كل هالسنين؟ ليش الآن بالضبط؟ أخذ نفس عميق. ثم قال فجأة: "أنا أبي أقابله." رفع ريان حاجبه باستغراب. "تقابله؟ لحالك؟" كنان هز رأسه. "لا." ثم نظر له مباشرة. "نروح سوا." سكت ريان لحظة. كأنه يقيم الفكرة في رأسه. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "طيب." رفع كوب القهوة قليلًا. "خلنا نعرف وش يبي." لكن رغم نبرة المزاح… كان واضح إن الموضوع أكبر من مجرد لقاء. في صباح اليوم التالي السماء كانت ملبدة بالغيوم. والهواء بارد على غير العادة. اختاروا مقهى هادئ خارج المدينة. مكان بعيد عن العيون… وقليل الزبائن. داخل المقهى كانت موسيقى هادئة تعزف في الخلفية، ورائحة القهوة تعبّي المكان. في الزاوية البعيدة… جلس الرجل الغريب. مرتدي معطف أسود طويل، ويداه متشابكتان فوق الطاولة. نظراته ثابتة… كعادتها. كأنه يعرف أنهم سيأتون. باب المقهى انفتح. دخل كنان أولًا، وريان خلفه. نظروا حولهم بسرعة. ثم وقعت أعينهم عليه. لما شافهم الغريب… ابتسم ابتسامة خفيفة. ابتسامة شخص كان ينتظر هذه اللحظة. تقدم كنان بخطوات ثابتة حتى وقف أمام الطاولة. قال ببرود واضح: "نبي نفهم لعبتك." الغريب أشار للكرسيين أمامه. وقال بهدوء: "اجلسوا." تبادل كنان وريان نظرة قصيرة. ثم جلسوا. صمت قصير مر بينهم. ريان كسر الصمت أولًا. قال مباشرة: "خلنا نختصر. أنت تقول الأرض لك… على أي أساس؟" الغريب ما استعجل الرد. مد يده بهدوء إلى حقيبته الجلدية. أخرج منها ظرفًا قديمًا. الظرف كان أصفر قليلًا… واضح أنه محفوظ من سنوات طويلة. وضعه على الطاولة. وقال: "على أساس هذا." نظر كنان للظرف لحظة. ثم فتحه ببطء. أخرج الأوراق اللي بداخله. كانت وثائق قديمة. مستندات ملكية. وختم رسمي باهت. عقد حاجبيه وهو يقرأ. ريان لاحظ تغير ملامحه. قال: "وش فيه؟" لكن كنان ما رد فورًا. ظل يقرأ السطور مرة ثانية. ثم رفع نظره ببطء للرجل الغريب. وقال بحدة خفيفة: "هذا مستحيل." الغريب ابتسم. ابتسامة غامضة. وقال بهدوء: "مو مستحيل… بس الحقيقة اللي محد قالها لكم." ريان مال للأمام. "تكلم." تنهد الغريب قليلًا. كأنه يسترجع ذكرى قديمة. ثم قال: "قبل ثلاثين سنة… الأرض هذي ما كانت ملك لعائلتكم." الصمت حلّ بينهم فجأة. كأن المقهى كله اختفى. أكمل الغريب: "كانت ملك لرجل ثاني." نظر كنان له بحدة. "وانسرقت؟" الغريب هز رأسه. "انأخذت." ريان قال بحدة: "وش الفرق؟" الغريب رد بهدوء: "الفرق… في اللي أخذها." نظر مباشرة في عيونهم. ثم قال الجملة اللي غيرت كل شيء: "أبوك هو اللي أخذها." اتسعت عيون ريان. "أبونا؟!" لكن الغريب ما توقف. "وكان يعرف تمامًا وش يسوي." كنان شد يده فوق الطاولة. "أنت تتهمه بالسرقة؟" الغريب قال بهدوء: "أنا أقول الحقيقة." سكت لحظة. ثم أضاف: "لكن القصة ما تنتهي هنا." نظر بين الاثنين. كأنه يقيس رد فعلهم. ثم اقترب قليلًا من الطاولة. وقال بصوت منخفض: "القصة مو بس عن الأرض." ريان ضاق صوته: "وش يعني؟" الغريب نظر لهم نظرة طويلة. ثم قال ببطء شديد: "القصة عنكم… أنتم الاثنين." تجمد كنان. ريان قال بحدة: "وش تقصد؟" الغريب ابتسم ابتسامة خفيفة. وقال: "يمكن… واحد منكم ما ينتمي لهالعائلة أصلًا." الصمت انفجر في المكان. كأن الهواء توقف. نظرات كنان وريان التقت للحظة. لحظة طويلة. مليانة أسئلة. مليانة خوف. الشك اللي بدأ بينهم قبل أيام… صار الآن حقيقة ممكنة. ريان قال ببطء: "أنت تلعب علينا." الغريب هز رأسه. "لا." ثم قال بهدوء: "أنا جاي أعطيكم الحقيقة." كنان قال ببرود: "ليش؟" الغريب ابتسم مرة ثانية. لكن هالمرة… ابتسامته كانت أغمق. "لأنها حقي." داخل سيارة سوداء متوقفة في الشارع المقابل للمقهى… كانت مشاعل جالسة خلف المقود. نظارة شمسية تخفي نصف ملامحها. وفي يدها الهاتف. على الشاشة… صورة مباشرة من كاميرا صغيرة. الصورة كانت تعرض الطاولة اللي يجلس عندها الثلاثة. كل كلمة… كل حركة… كانت تتابعها. ابتسمت ببطء. وقالت لنفسها: "اللعبة توها تبدأ." لكن للحظة… عينيها ضاقت قليلًا. كأنها تفكر في شيء أبعد. شيء حتى فهد… ما يعرفه. أغلقت الهاتف. وأدارت السيارة ببطء. بينما داخل المقهى… العاصفة بدأت تتحرك. لكنهم ما كانوا يعرفون بعد… أن الحقيقة اللي تنتظرهم… أكبر بكثير من الأرض. وأخطر بكثير من فهد.