خمسة اشهر مع الشيطان - الفصل الرابع عشر - بقلم بيلا الفارسي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خمسة اشهر مع الشيطان
المؤلف / الكاتب: بيلا الفارسي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر: أنفاس الرخام.. وبداية الانصهار هبطت من درجات الطائرة وهي تجر خلفها ذيل فستان زفافها الأبيض الذي بات يثقل كاهلها كأنه كفنٌ حيّ، كانت تمشي بـخطواتٍ مترنحة تحاول فيها جاهدة تجاهل ذاك الألم المستبد الذي ينهش جمجمتها بضراوة. دخلت إلى قصر "مايك"، زوجها الجديد الذي لم يكن في نظرها سوى واجهةٍ لـدمارٍ قادم، واتجهت بـبرودٍ تام نحو الكرسي الهزاز لـترتمي فوقه بإنهاكٍ يمتزج بـلامبالاةٍ قاتلة. وقبل أن يتجاسر مايك على قطع تلك المسافة الضئيلة التي تفصلهما، اخترق صوتها الجليدي سكون المكان دون أن تكلف نفسها عناء فتح جفنيها المتعبين: — "إياك أن تحاول تخطي الحدود المرسومة لك، مهما كان اسمك أو صفتك أيها العاهر." فتحت عينيها التي استباحتها حُمرة الدم من فرط الإعياء، ومدت يدها لـتمسك بـسكينٍ حاد كان يستقر على المنضدة الجانبية، والتقطت تفاحة حمراء بدأت تقطعها بـبرودٍ يبعث القشعريرة في الأوصال. كانت تأكل قضمتها بـهدوءٍ مستفز وهي ترقب ملامحه بـنظراتٍ ثاقبة، وبعد أن انتهت، همست في أذنه بـنبرةٍ زلزلت كبرياءه قبل أن تنسحب نحو المرحاض: — "أهلاً بك يا مايك، أنت وعمك العزيز 'فيكتور' في قاع جحيمي. لتعلم جيداً أنني لست تلك الفتاة التقليدية التي تتوهمانها؛ لقد وهبتُ عزي وكل ما أملك لـأكبر زعماء المافيا في العالم، ذاك الشيطان ورأس الأفعى الذي كان مستعداً لـتحويل حفل الزفاف إلى مجزرةٍ دامية فقط لـأجلي. حتى الرجل الذي تولى تربيتي، 'جاستينو'، ليس بـالخصم الهين. أنتم لستم سوى حثالة، بنيتم إمبراطوريتكم الوهمية على أنقاض ميراث أمي المسلوب، لذا فقد حان الوقت لـيعود كل حقٍ إلى أصحابه؛ الأموال، الشركات، والكرامة التي أُهدرت. لقد حان وقت العد التنازلي لـزوالكم، فـأمي أخطأت بـحب عاهر مثلكما وتركت جاستينو يعاني، وأنا هنا لـأصحح ذلك الخطأ بـالدماء." دخلت المرحاض وأوصدت الباب، لـينفجر بركان الدماء من فمها بـكمياتٍ مرعبة تلوّن الحوض بـالقاني. نظرت إلى شحوب وجهها في المرآة وتمتمت بـانكسار: "أعتقد أن ساعتي تقترب.. والوقت يفر من بين أصابعي، يجب أن أسرع قبل الفوات." أغلقت عينيها لـثوانٍ، ثم فتحت الصنبور لـتغسل بقايا الموت عن وجهها، وغيرت ثوب الزفاف بـثيابٍ مريحة لـتعود إلى الغرفة وتلقي بجسدها على الفراش. كان مايك لا يزال جالساً يغرق في هواجسه، فقالت بـنبرةٍ حادة: "إن كنت لن تخلد للنوم، فـأطفئ هذه الأضواء اللعينة، أريد أن أنام. أنت وعمك المخنث سأجعل من تدميركما سيمفونيةً خاصة، فلا تدفعني لـتعجيل نهايتكما بـعصيان أوامري، أطفئ النور!" أذعن لـطلبها وأظلمت الغرفة، وبعد فترة خُيل إليه أنها غطت في سباتٍ عميق، فـاستل سكينه واقترب من الفراش بـنية الغدر. لكنه تجمد صاغراً حين شعر بـفوهة مسدسٍ باردة تنغرس تحت حزامه، وقالت بيلا بـسخريةٍ دون أن تفتح عينيها: "لا تحاول اللعب مع الكبار أيها الصغير، فـأنا أذكى من أن أتركك تلمسني، وقد أفجره لك قبل أن تبدأ. تقبّل خسارتك بـهدوء؛ لن أوذيك إن ابتعدت، سأكتفي بـاسترداد ملكي والانتقام من عمك ثم أرحل بـسلام." ابتعد مايك بـذهولٍ ورعب؛ فقد اكتشف أنها ليست مجرد امرأة، بل هي النسخة الأكثر شراسة وفتكاً من "ألكسندر براندو". استيقظت بيلا في الصباح بـنشاطٍ غريب، يدفعها حلم التدمير، وتمتمت: "بدأ العد التنازلي لكم." ثم لمست أنفها الذي بدأ ينزف مجدداً فـتأففت بـمرارة: "والعد التنازلي لي أيضاً، يجب أن أتسابق مع الموت." دلفت إلى المرحاض وهي تبتسم بـسخرية من "مايك" الذي فرّ من جانبها، وتذكرت بـوجعٍ "ألكسندر"؛ ذاك الذي لم يكن يفارق وسادتها، وكان يرمي بـأعماله وصفقاته عرض الحائط فقط لـيبقى بـجانبها عند استيقاظها. ابتسمت بـمرارة وهي تبتلع غصتها؛ فهي تدرك أنها مجرد جثة تؤجل موعد دفنها لـتكمل رقصة الانتقام الأخيرة. في قصر ألكسندر براندو، كان المشهد يختصر معنى السقوط؛ الزعيم الذي لم تنحنِ قامته يوماً، يجلس الآن محاطاً بزجاجات الخمر الفارغة، يغرق في ثمالةٍ مرة هرباً من طيفها الذي يطارده. يسند رأسه إلى الخلف بوجع، مغمض العينين كأنه يحاول محو ملامحها من ذاكرته. دخل "ماكس" و"ماركو" الغرفة بملامح يكسوها الإشفاق، وهتف ماركو بمرارة: "أعلم أنك غارق في حبها، لكن ليس إلى هذا الحد الانتحاري يا رجل! لقد أفرغت مخازن الخمر في القصر!" حاول ماكس وماركو إسناده بصعوبة بالغة لرفعه نحو غرفته، بينما كان ماكس يحاول بث الروح فيه قائلاً: "هيا ألكسندر، لا تستسلم لهذا الضعف. ستعود يقيناً، ألم ترَ لهيب الغيرة في عينيها؟ إنها تحبك بلا شك". رد ألكسندر بصوتٍ أثقله السُكر والخذلان: "لم تحبني يا ماركو.. لم تفعل. كانت تستغل سطوتي فقط.. أنا ألكسندر براندو، الذي يرتعد الجميع لمجرد ذكر اسمي، تحدتني تلك القزمة وكسرت كبريائي وجرحت مشاعري بلا رحمة! كيف تجرأت على وصف علاقتنا بـ 'العابرة'؟ إنها مجرد عاهرة تلاعبت بقلبي". ألقوه فوق الفراش بجهدٍ جهيد لثقله، وبدأوا في نزع سترة حلته ورابطة عنقه وهو لا يتوقف عن صب لعناته على "بيلا" وعلى اليوم الذي سمح فيه لقلبه أن ينبض لها، ثم غادرا الغرفة وهما يدعوان الله ألا يستيقظ غداً ليفتعل كارثة جديدة. بعد مرور أربعة أشهر من الغربة المريرة: عادت بيلا، وطأت قدماها أرض المطار حيث كان ماركو وجاستينو في انتظارها. احتضناها بلهفة وحب، فابتسمت لهما ببرودٍ لا يعكس ما بداخلها. هتف ماركو بحماس: "بيلا، لقد وصل طبيبٌ يوصف بالمعجزة إلى البلاد، سنبحث عنه ونعالجكِ حتماً!". ردت بيلا بجمودٍ كأنها تتحدث عن شخصٍ غريب: "لا يهم.. لقد اعتدتُ فكرة الرحيل، سواء عشتُ أو متّ، فالمهم أنني أتممتُ انتقامي وشفيتُ غليلي، وهذا هو رصيدي الوحيد". دمعت عينا جاستينو وهتف بأسى: "لا تقولي ذلك يا ابنتي، لم يكن يهمني الانتقام بقدر ما يهمني أن أعيش بقية عمري سعيداً معكما". صعدت السيارة وهي تنهي الحديث ببرود: "لا يهمني.. ماركو، أريد توصيلة مباشرة إلى الشركة". ذهل ماركو: "الآن؟ لقد وصلتِ للتو!". أجابت بسخرية: "شركة أبي على حافة الإفلاس، وقد استرددتُ أملاك أمي المسلوبة وسجنتُ فيكتور وطلقتُ مايك، ولكي لا ينهار تماماً، سأجعل شركتي تعمل معه ومع شركة أبي ليعودا إلى الصدارة مجدداً". انغمست بيلا في العمل ليل نهار؛ مضى أسبوع وهي لا تغادر مكتبها إلا لساعاتٍ قليلة، تنام ساعتين وتغتسل ثم تعود لتغرق في الأوراق. كانت تجلس كعادتها تنهي معاملةً تلو الأخرى، غير آبهةٍ بنزيف أنفها المتكرر أو طعم المرارة الذي استوطن فمها بسبب الدم الذي لم يعد يفارق حلقها. في الجانب الآخر، وصل الخبر إلى ألكسندر. قال ماكس بهدوء: "لقد عادت منذ أسبوع، وهي تدير شركات والدها ووالدتها بصرامة، ولا تعود للمنزل إلا نادراً". ابتسم ألكسندر بتسليةٍ مظلمة وتمتم: "إذن فعلتِ كل ذلك لتكملي رقصة انتقامك أيتها القزمة الصغيرة؟". نهض، أخذ سترة مقعده وخرج كالإعصار متجهاً نحو عرينها. كان مايك جالساً معها في المكتب يتناقشان في العمل، وفجأة، وصلها خبر وصول ألكسندر من الاستقبال. بـسرعةٍ وبلا تفكير، اندفعت نحو أحضان "مايك" لتمثل دور العاشقة، كي لا يظن ألكسندر لثانية واحدة أنه كان أكثر من أداة انتقام. دخل ألكسندر والابتسامة تعلو وجهه، لكنها استحالت إلى غضبٍ جحيمي في لمح البصر حين رآها بوضوح في أحضان ذاك العاهر. اقترب منهما كالصاعقة، وقفت بيلا ببرودٍ أمامه، لكنه تجاهلها تماماً وانهال على مايك بلكماتٍ وحشية كادت تقتله. حاولت بيلا إيقافه بصرخاتٍ يائسة، لكن دون جدوى؛ فقد استمر في تمزيق وجه مايك حتى غابت ملامحه. ثم التفت نحوها بغضبٍ صامت، ولكم الحائط خلف رأسها بقوةٍ زلزلت المكتب، وعيناه تفيضان بدموع المرارة والقهر، ثم غادر القاعة كالإعصار الجريح. انتهى المشهد وبيلا تجلس على الأرض بجانب مايك المهشم، تحاول مساندته للذهاب إلى المشفى، بينما قلبها يحترق وهي تتذكر أن ألكسندر، رغم جبروته، كان الوحيد الذي لا يفارق جانبها أبداً، والوحيد الذي كان يلقي بـمملكة المافيا خلف ظهره فقط ليشهد لحظة استيقاظها. ابتسمت بمرارة ودموعها تأبى الهبوط؛ فهي تدرك أنها مجرد جثة تؤجل موعد دفنها الأخير.